سويسرا تحظر المآذن، والعرب يحظرون بعضهم البعض!

منذ 2010-01-22

لقد بدأ الحراك السويسري ضد المسلمين بعد أحداث سبتمبر عام 2001، فقد كانت سويسرا أول دولة تمارس بوليسية الرقابة الشديدة على المسلمين داخل ترابها بطرق "حضارية"...


تحققت أمنية المحافظين الجدد في سويسرا، وتم حظر المآذن بموجب استفتاء يحمل طابع السخرية، لأجل حظر المآذن على قلتها. لم يكن الأمر يستدعي أكثر من حملة خاضها الإعلام المتطرف في أهم بلد ظل يحمل ثقافة الحيادية و" اللا تدخل" في شؤون الآخرين، وانتهت الحملة بصناعة غول جديد أراده المقربون إلى اليمين المتطرف أن يجعلوه غولا استثنائيا اسمه الإسلام! لقد كان من البديهي التساؤل عن الأسباب الحقيقية التي جعلت سويسرا " الحيادية" تخرج فجأة عن حياديتها ضد المسلمين تحديدا وفي هذا التوقيت بالذات، فهي لم تحظر المعابد اليهودية التي يمارس بعضها طقوسا علانية يضطر المارة "المحايدين" إلى سماعها من المعابد عبر مكبرات الصوت كل مساء يوم جمعة وصباح السبت، إنما الآذان في بعض المساجد على قلتها صار يشكل خطرا على مسامع وعلى أعصاب ونفسية السويسريين فتوجب حظره!

 

من قال أن سويسرا حيادية؟

لقد بدأ الحراك السويسري ضد المسلمين بعد أحداث سبتمبر عام 2001، فقد كانت سويسرا أول دولة تمارس بوليسية الرقابة الشديدة على المسلمين داخل ترابها بطرق " حضارية"، بحيث أن التقارير التي كانت توردها سويسرا عن المسلمين المقيمين على أرضها تتجاوز كونها تقارير "وقائية" إلى كونها انتهاكا حقيقيا لخصوصية الرعايا العرب والمسلمين على أرضها، كان ضمن المعلومات التي وفرتها الشرطة السويسرية عن المسلمين لدول أوروبية تخص تفاصيلهم الحياتية الشخصية والمالية طبعا، ناهيك عن التقارير لكبار رجال الأعمال والمسؤولين العرب الذين غالبا ما يختارون سويسرا لقضاء عطلهم الكثيرة التي يدفعون ثمنها من أموال شعوبهم المكدسة في البنوك السويسرية كملكية خاصة لأصحابها. ما كشف عنه موقع "كونفديونسييل" مثلا أن سويسرا كشفت تفاصيل كثيرة عن أشخاص مراقبين مخابراتيا من قبل دول أوروبية مثل فرنسا و إيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وطبعا أمريكا، وهو ما يتعارض ضمنيا مع القانون الذي يمنع إرسال معلومات خاصة عن "عميل" يتعامل مع سويسرا اقتصاديا أو سياحيا أو ماليا، فما بالك عن مواطنين ذنبهم الوحيد أنهم مسلمين صادف أن أغلبهم يحمل اسم محمد الذي أصبح مطاردا من قبل المخابرات الأجنبية لما يمثله من خصوصية إسلامية محضة، وعليه فقد ذهب العديد من الأشخاص ضحية أخطاء رهيبة جاءت نتيجة التقارير غير الدقيقة التي قدمت من سويسرا ومن دول أخرى تطارد العرب والمسلمين بشبهة الإرهاب أو لمجرد كونه مسلم يوصف في الغرب بأنه "مشروع إرهابي" كما كتبت صحيفة الصنداي البريطانية الخبيثة في شهر يونيو الماضي للحديث على أن اسم محمد يوازي في أوروبا الإرهاب. سويسرا لم تكن في يوم من الأيام حيادية، كانت تشتغل دائما تحت الطاولات، وتؤدي الدور الذي يطلبه منها الحلف الأطلسي منذ سنوات، ولهذا ما قامت به اليوم من حظر للمآذن ليس أمرا مدهشا ولا مفاجئا كما ظنت بعض الصحف العربية هنا وهناك، بل كان تحصيل حاصل نحو تصفية إسلامية كاملة على أراضيها، فلم يكن غريبا أن تتكلم صحيفة الكترونية سويسرية عن ضرورة تصفية الوجود الإسلامي من إسبانيا كي لا يكون هنالك أدنى حنين قادم لإعادة فتح الأندلس من جديد، فلو جاء هذا الكلام من صحيفة الباييس الإسبانية لقلنا أنه أمر طبيعي من صحيفة تقودها أفكار الكنيسة الكاثوليكية، وتشتغل وفق أجندة سياسية ودينية محددة، لكن أن يأتي من موقع "لوسويسيه" فهذا يؤكد أن الحرب الباردة والساخنة الجديدة المشتغلة في أوروبا ضد ما هو إسلامي ليست عفوية ولا جاءت لأسباب سياسات دولية، بل تبدو أشبه بورقة طريق أوروبية صهيونية لتصفية العالم الغربي من التواجد الإسلامي عبر تصفية الثوابت الدينية نفسها كالحجاب والمساجد، بالخصوص وأنه لم يعد ممكنا "بلقنة" الدول الأوروبية الأكثر فاعلية في الإتحاد الأوروبي، وما جرى في يوغسلافيا السابقة كان درسا أوروبيا لأجل تصفية الإسلام اليوم دون إدخال المنطقة في مواجهات مباشرة، طالما الأمر أصبح ممكنا بموجب سبر للآراء، وبموجب قرارات أوروبية ترى في تصفية الإسلام من أرضها حقا أمنيا!!

 

تصفية الإسلام بدأ من العرب!

ما يبدو مؤكدا أن الخطوة السويسرية التي وصفتها الصحف الأوربية الخبيثة بالجريئة والرائعة، ما هي إلا خطوة خطيرة نحو حظر أشياء كثيرة لها صلة بالمسلمين، وإن كان السبق لفرنسا بحظر النقاب ـ على الرغم من أنه ليس حاضرا بقوة في الجمهورية الخامسة ـ فكان واضحا أنها إشارة معلنة لحظر رموز إسلامية كثيرة داخل فرنسا، من ضمنها الحجاب نفسه، بعد أن تم حظر الحجاب في المؤسسات الفرنسية الرسمية، سوف يتم حظره كلباس شخصي للمرأة المسلمة في ضوء الحراك الدائر في فرنسا والذي يحاول اختزال الإسلام كله في عبارة " الإرهاب"، لأجل إخافة المجتمع الفرنسي العنصري في مجمله، والرافض للوجود الإسلامي في بلده منذ سنين، وهو ما يحدث في إيطاليا اليوم فعلا، وما يتوقع حدوثه في إسبانيا التي ينظر إليها الغرب كبوابة تاريخية قديمة للمسلمين نحو أوروبا، وقد طالب الإتحاد الأوروبي ـ تحت السطور ـ أكثر من مرة من الحكومة الإسبانية أن تكون في صف السياسات الدولية الواضحة ـ أي سياسة التضييق على المسلمين ـ ولم يكن مفاجئا أن تنشر صحف ألمانيا تقارير عن مدن اسبانية مثل مدينة "غرناطة" وتركز بشكل خاص ومباشر على المظاهر الإسلامية القديمة في تلك المدينة وكيف أنها ستشكل خطرا على إسبانيا الأوروبية لو لم يتم تصفية الآثار الإسلامية القديمة منها! و الحال أن سويسرا لم تتصرف عن معزل من كل هذه الظروف السياسية السائدة، حتى وهي تضحك علينا منذ سنين بعبارة " الدولة المحايدة"، وقد أسقطت القناع قبل ذلك في مواقفها المخزية إزاء التجاوزات الصهيونية لمعاهدة جنيف التي من المفترض أن سويسرا أكثر الدول دفاعا عنها لأنها معاهدة سارية المفعول دوليا إزاء قضية الحروب والتعامل مع الأسرى، لكن الذي يبدو موجعا ـ ومتوقعا ـ أن تبدو لنا الدول العربية خارج التغطية إزاء هذه الأزمة الجديدة أيضا، ليس لأنها دول "خايبة" بنظمها السافلة والديكتاتورية بل لأن النظم العربية الشمولية الخايبة والمفلسة فكريا وأيديولوجيا وسياسيا تعيش حالة حظر لبعضها البعض، فمصر الرسمية التي أخذتها العزة بالإثم لأن منتخبها الرياضي خسر في مباراة كرة فشغلت فضائيات الرقص والردح لإهانة شهداء الجزائر قبل إهانة نظام الجزائر، تبدو اليوم كأنها غير معنية إزاء قرار سويسرا الأخير ولم نسمع في تلك الفضائيات ما يشير إلى أن الشعب الذي خرج للشارع غاضبا بسبب الإقصاء سوف يخرج غاضبا بسبب حظر المآذن، والأمر ينطبق على الجزائر التي خرج شعبها للاحتفال بالتأهل للمونديال يبدو مغمى عليه حد السخف وكأن المآذن عبارة عن تراث شعبي يتبعه سكان القطب الشمالي! لقد كشفت الأحداث الأخيرة، في السنوات الأخيرة أن تمادي الغرب في إهانة الرموز والثوابت الإسلامية ليس أقل من تمادي النظم الدكتاتورية العربية في إهانة نفس الثوابت داخل الدول العربية نفسها، ألا تشن تلك النظم العربية حربا مماثلة ضد الإسلام داخل بلدانها، ضد الحجاب وضد القيم وضد الفضيلة وبالتالي إزاء حادثة سويسرا الجديدة يبدو الأمر أشبه بالمقولة " فاقد الشيء لا (ولن) يعطيه"، على الرغم من مخاوف سويسرية راهنة مما وصفته صحيفة "دوجنيف" برد الفعل العربي والإسلامي إزاء احتمال مقاطعة سويسرا سياحيا وماليا! ولو حدث ذلك فسوف تشحذ سويسرا بمنتجعاتها في شوارع أوروبا، لكننا نعرف أن العرب ـ الأثرياء والنظم العربية الخايبة والمفلسة ـ تأخذهم دائما العزة بالإثم، ومن النادر أن يدافعوا عن القضايا الأهم لأن المرحلة الراهنة أثبت أن عملية الحظر الأكبر تقوم بها دول عربية ضد دول عربية أخرى، وأننا لن نستغرب أن تقوم حروبا عربية/ عربية معلنة بسبب لعبة التزحلق على الكرامة المفقودة أصلا، ليس لأن الشعوب العربية ماتت، بل لأن الأنظمة العربية الجبانة هي التي تقود هذا الحفل المقنع باسم " الديمقراطية" ! فرحم الله الرجال ورحم الله الشرف!!

 

المصدر: موقع المسلم
  • 0
  • 0
  • 2,909

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً