خطب مختارة - [76] الحوادث المرورية وأخلاقيات القيادة

منذ 2016-03-08

قصصُ حوادث السيارات كثرت؛ حتى أصبحت هذه القصص لا تخلو كثير من مجالسنا من الحديث عنها، فهذا انقلاب يُوْدي بالعشرات، وذاك تصادم تُمزق فيه الأشلاء، وذاك دهس تُسال فيه الدماء، خلَّفت بعدها الآلامَ والأحزان، ما أشنع مناظر الحوادث، ما أقساها، ما أعنفها، إنه حديد لا يرحم أحدًا، ما أقسى المنظر يوم يتعامل هذا الحديد الشديد مع الجسد الطري، كيف يُمزقه؛ كيف يُشققه، رحماك ولطفك يا رب.

الخطبة الأولى:

تقول الإحصاءات المرورية في مملكتنا الغالية: إن هناك إنسانًا يموت كل ساعتين نتيجةً لحادث مروريّ، وإن هناك حوالي ثمانيةَ مصابِين خلال هاتين الساعتين، أي: أنه خلالَ السنة يموت لدينا أكثرُ من أربعة آلاف شخص، ويصاب أكثرُ من اثنين وثلاثين ألفٍ آخرين، وخلالَ العشرِ سنواتٍ الماضية توفي في الحوادث المرورية لدينا في المملكة أكثرُ من أربعين ألف، وأُصيب أكـثرُ من ثلاثمائةٍ واثنين وثلاثين ألفٍ آخرين بإعاقات دائمة. وتُقدَّر الخسائرُ المادية سنويًا بحوالي عشرين مليار ريال. والسؤال أيها المسلمون: لماذا وصلنا إلى هذا الحال؟

أيها الإخوة الكرام، قصصُ حوادث السيارات كثرت؛ حتى أصبحت هذه القصص لا تخلو كثير من مجالسنا من الحديث عنها، فهذا انقلاب يُوْدي بالعشرات، وذاك تصادم تُمزق فيه الأشلاء، وذاك دهس تُسال فيه الدماء، خلَّفت بعدها الآلامَ والأحزان، ما أشنع مناظر الحوادث، ما أقساها، ما أعنفها، إنه حديد لا يرحم أحدًا، ما أقسى المنظر يوم يتعامل هذا الحديد الشديد مع الجسد الطري، كيف يُمزقه؛ كيف يُشققه، رحماك ولطفك يا رب.

عباد الله، لقد أمرنا الله بحفظ النفس؛ والحذر من إتلافها والإضرار بها، فقال سبحانه: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، وقال سبحانه: {وَلاَ تلقواْ بِأَيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195].

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن أعظم نسبةٍ في هذه الحوادث هي بسبب المخالفات وتجاوزات النظام، وأغلبُها من الشباب المتهور الذي غالبًا لا يَحسِب حسابًا؛ ولا يُفكر في عاقبة، لقد ثبت في الإحصائيات أن سبعين في المائة من أسباب تلك الحوادث المروعة عائد إلى تجاوز السرعة القانونية.

عباد الله، نحن نقر جميعًا بأن كلَّ شيء بقدر، ولكن هل فعلنا أسباب الحماية والوقاية؟!

إخوة الإيمان، المسلم يجب عليه أن يكفّ أذاه عن الناس، ولا شك أن بعض السائقين يؤذي الناس حينما يقود بتهوّر؛ سواء اصطدم بهم أو أربكهم وأفزعهم، ومن تلك الأذية العظيمة والخطيرة السائق الذي يقطع الإشارة؛ سواء نتج عن فعله هذا حادث أو لم يحدث؛ فعلى الأقل أخذ حق الغير واعتدى، وربما أفزعهم، ومن المخالفات المهلكة ما يسمى بالتفحيط الذي لا يخلو من الأذية والمخاطرة والإتلاف، ومن المخالفات المؤذية رفع صوتِ مسجّلِ السيارة بطرب؛ فمن فعل ذلك فقد جاهر بمعصية الله، وآذى عباد الله المؤمنين.

إخوة الإسلام، يقول الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5]، هذه الآية نزلت في شأن الولي القائم على اليتيم، ولكنها تشمُلُ كلَّ من كان تحتَ يدِه صبيان، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالله عز وجل جعل في هذه الأموال مصالِحَنا الدينية والدنيوية، ونهانا أن ندفعها للسفهاء، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف بالمال؛ ولا يقدِّر قدره. ولاشك أن السيارات هي من أنفس الأموال؛ لأنها تكلف الشيء الكثير، ومن السفه التهور في قيادتها أو العبث بها.

أيها الإخوة الكرام، هل الأخلاق الإسلامية الإيمانية تدخل في قيادة السيارة ؟ والجواب: نعم وألف نعم، فالأخلاق الإسلامية في كل وقت وفي كل مكان وعلى كل حال. ومن هذه الأخلاق في القيادة الالتزام بقواعد المرور لأنها ما وضعت إلا لمصلحة وخدمة الجميع، كما تتجلى هذه الأخلاق في مراعاة الآخرين ومشاعرِهم بل وإكرامهم، فإدخال الفزع على الغير وترويعهم ليس من أخلاق الإسلام؛ كما يحصل عند قطع إشارة، أو سرعة زائدة، أو قيادة بلا مبالاة، وكذلك مخالفةُ إرشادات الوقوف الصحيح، والمزاحمةُ عند المداخل والمخارج، فلا تكن أخي المسلم ممن لا يفكر في الآخرين ومصالحهم؛ وإنما يفكر فقط في نفسه ومصلحته.

ومن مظاهر سوء الأخلاق عند ورود أيّ خطأ من طرف آخر ما يحدث من البعض من السِبابِ والشتائمِ واللعن والبصق، إن الواجب أن يجتهد الشخص أن لا يخطئ على غيره، وإذا أخطأ غيره عليه لم يرد عليه بخطأ، وإلا أين الحلم والعفو والصفح والدفع بالتي هي أحسن، بل ربما أن المخطئ لديه ظروف لو علمتَها لاستعظمتَ ما تصرفتَ به، ولربما كان ذلك الخطأُ منه غيرُ مقصود.

نسأل الله تعالى أن نكون ممن يحفظون دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، وأن يكتب لنا وللمسلمين جميعًا السلامة والعافية، وأن يهدينا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا هو. أقول ما سمعتم وأستغفر الله.

الخطبة الثانية:

أخي السائق، إليك بعضَ الإرشادات الشرعية التي فيها ـ بإذن الله ـ حفظٌ لنفسِك ومالِك وإيمانك في قيادة هذه المركبات وغيرها:

أولًا: التزم تقوى الله بفعل ما أمر واجتناب ما نهى؛ لأن التقوى سببٌ للتيسير والخروج من الشدائد، قال تعالى:   {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4]، وقال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2].

ثانيًا: توكل على الله، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله ؛ توكلت على الله؛ لا حول ولا قوة إلا بالله؛ يُقال له حينئذ: هُديت وكفيت ووقيت، فتتنحى عنه الشياطين، فيقول شيطان آخر: كيف برجلٍ هدي وكفي ووقي؟!» [صحيح أبي داود: 5095].

ثالثًا: المحافظة على دعاء ركوب السيارة، وكذلك دعاء السفر عند السفر، ففي ذلك خير عظيم يغفل عنه أكثر السائقين؛ ودعاء الركوب أن تقل: بسم الله، الحمد لله، سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ، الحمد لله الحمد لله الحمد لله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، سبحانك اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

رابعًا: الابتعاد عن المحرمات حال القيادة وغيرها؛ كالأغاني والمخدرات وغيرها؛ لأن الإنسان على هذه الطرق في خطر، وهذه المعاصي تُبعد عنه حفظَ الله، بل إنها تقرب منه عقاب الله. ليكن رفيقَك القرآنُ وجميلُ القولِ والذكرُ الحسن.

خامسًا: المحافظة على صلاة الفجر في جماعة، قال صلى الله عليه وسلم: «من صلى الصبحَ في جماعةٍ فهو في ذِمَّةِ اللهِ» [صحيح الترغيب: 461].

سادسًا: استشعار حرمة دم المسلم وماله؛ والخوف من الوقوع في أذيته. واستشعار حق المسلم على المسلم.

سابعًا: تَذَكَّرْ نعمة الله علينا بهذه المركبات، والواجب شكرُ النعم وليس كفرُها.

ثامنًا: الحرص على تفقد السيارة قبل ركوبها أو السفر بها، وهذا من فعل الأسباب المطلوبة شرعًا.

تاسعًا: الالتزام بتعليمات المرور وأنظمته؛ لأن هذا من طاعة ولي الأمر التي فيها المصلحة للجميع.

عاشرًا: تَذَكَّرْ أن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقًا؛ وتمثل ذلك في كل أوقاتك، ومن ذلك حال قيادتك لهذه المركبة.

معاشر المؤمنين، الحافظ هو الله، فمنه يُسأل الحفظ: {فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف:64].    

اللهم احفظنا بحفظكك، ومدنا برعايتك، واشملنا بلطفك. اللهم اجعلنا مع النعم شاكرين، وعند البلاء من الصابرين. اللهم اجعل لنا من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل بلاء عافية. اللهم  آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين . اللهم انصر المجاهدين في سبيلك. اللهم فرج الكربة عن إخواننا المستضعفين في كل مكان. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.

  • 2
  • 0
  • 2,273
المقال السابق
[75] الحب الشرعي وعيد الحب
المقال التالي
[77] الحياء

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً