خطب مختارة - [75] الحب الشرعي وعيد الحب

منذ 2016-03-08

وهذا رسولنا عليه الصلاة والسلام يضرب لنا أروع الأمثلة في محبته لأهل بيته كما جاء في السنة المطهرة؛ فقد كان يحرصُ عليه الصلاة والسلام أن يشرب من الموضع الذي شربت منه زوجه عائشة رضي الله عنها، وفي مرض موته يستاك بالسواك الذي رطبته له، ويموت عليه الصلاة والسلام بين سحرها ونحرها، فأي حبٍّ أشرفُ وأسمى من هذا؟!

الخطبة الأولى:

عباد الله، إنه لا توجد أمة من الأمم ولا دين من الأديان يحث أبناءه على التحابِّ والمودة والتآلف كدين الإسلام، وهذا في كل وقت وحين لا في يوم بعينه، بل حثّ الإسلام على إظهار العاطفة والحب في كل وقت، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه إياه» [صحيح الترمذي: 2391].

وجعل المحبة للمؤمنين طريقًا إلى الجنة كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟! أفشوا السلام بينكم» [صحيح الجامع: 7081].

وهذا رسولنا عليه الصلاة والسلام يضرب لنا أروع الأمثلة في محبته لأهل بيته كما جاء في السنة المطهرة؛ فقد كان يحرصُ عليه الصلاة والسلام أن يشرب من الموضع الذي شربت منه زوجه عائشة رضي الله عنها، وفي مرض موته يستاك بالسواك الذي رطبته له، ويموت عليه الصلاة والسلام بين سحرها ونحرها، فأي حبٍّ أشرفُ وأسمى من هذا؟!

بل إن المسلم تمتد عاطفته لتشمل حتى الجمادات، فهذا جبل أحد يقول عنه عليه الصلاة والسلام: «هذا أحد جبل يحبنا ونحبه» [صحيح البخاري: 1481]، ولا شك أن الحب في الإسلام أعم وأشمل وأسمى من قصره على الحب بين الرجل والمرأة، بل هناك مجالات أشمل وأرحب وأسمى، فهناك حب الله تعالى وحبّ رسوله عليه الصلاة والسلام وصحابته؛ وحب الدين ونصرته؛ وحب الجهاد والشهادة في سبيل الله، فهناك محاب كثيرة؛ ومن الخطأ والخطر إذًا قصر هذا المعنى الواسع على هذا النوع من الحب.

ولعل البعض يظن -متأثّرًا بما تبثّه وسائل الإعلام ليل نهار- أنه لا يمكن أن ينشأ زواج ناجح أو انسجام تام إلا إذا قامت علاقةُ محبة قَبْلَه بين الشاب والفتاة، وقد يغفل بعض الناس حينما تتكرر عليه العروضُ الإغرائية عما تتضمنه من دعوة إلى الاختلاط والانحلال وكثير من الانحرافات الخلقية، وما ينشأ عنه من فساد كبيرٍ وجرائم عظيمة وضياع للحرمات والأعراض، -لسنا في مقام بيانها -، لكن نشير إلى أن الدراسات العلمية أثبتت نقيض هذا المفهوم الخاطئ الذي تروّج له وسائل الإعلام.

ففي دراسة أجرتها جامعة القاهرة حول ما أسمته بزواج الحب والزواج التقليدي جاء في الدراسة أن الزواج الذي يأتي بعد قصة حب ينتهي بالإخفاق بنسبة ثمانٍ وثمانين بالمائة، أي: بنسبة نجاح لا تتجاوز اثني عشر بالمائة، وأما ما أسمته الدراسة زواجًا تقليديًا فهو يحقّق النجاحَ بنسبة سبعين بالمائة، وبعبارة أخرى فإنّ عدد حالات الزواج الناجحة في الزواج الذي يسمونه تقليديًا تعادل ستة أضعاف ما يسمى بزواج الحب.

إذن فالحبَّ المبارك بين الزوجين هو الذي ينشأ بقدرة الله بعد عقد الزواج، وهو ما عبر عنه القرآن عنه بالمودة في قوله تعالى: {ومِنْ ءايَـاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوجًا لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لايَـاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21]. فالصلة بين الزوجين صلة مودة ورحمة، وليست علاقةَ عشق وهيام وصبابة وغرام، فهي صلة محبة هادئة، لا أوهامٍ عشقية لا تثبت على أرض الواقع، ولا خيالات غرامية لم يقم عليها أيّ زواج ناجح.

وما أفقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال مخاطبًا النساء: "إذا كانت إحداكن لا تحبّ الرجل منا (يعني: زوجها) فلا تخبره بذلك؛ فإن أقلّ البيوت ما بني على المحبة، وإنما يتعاشر الناس بالحسب والإسلام).

ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين؛ واجعلنا للمتقين إمامًا. أقول ما سمعتم وأستغفر الله.

الخطبة الثانية:

إخوة الإسلام: إن التعبير عن المشاعر والعواطف لا يسوِّغ للمسلم إحداثَ يوم يعظمه ويخصّه من تلقاء نفسه بذلك ويسميه عيدًا أو يجعله كالعيد حتى لو لم يسمِّهِ عيدًا.

هناك عادات جاهلية وبدع مذمومة وتقليد أعمى، اخترقت به الفضائيات خصوصيات المسلمين، ومنها عيد الحب، ولا شك أن هذا العيد إنما هو دعوة وراءها ما وراءها من إغراء بالشهوات وإشاعة للفحشاء والعشق والغرام المحرم؛ والانحلال بين أبناء المسلمين، تحت مسمى الحب.

وليس الحديث عنه ترويجًا، وإنما المقصود هو التحذير منه؛ لأنه في الواقع عيد رائج لا يحتاج إلى ترويج، وإنما يحتاج إلى تحذير، يدل على ذلك الحركة التجارية التي تصاحبه والتي تؤكد تفشي هذا الوباء في قطاع من المجتمع لا يستهان به، جُلُّهم من فئة الشباب من البينين والبنات.

ولسنا نحرّم الحب إذا حرّمنا ما يسمى بعيد الحب، فهذا عيد من أعياد الكفار، والمسلمون قد عوّضهم الله بعيدين شرعيين لا يجوز لهم الاحتفال بغيرهما، والأعياد من خصائص الأمم، فلا يجوز لنا أن نشارك أمم الكفر الذين هم أعداؤنا في أفراحهم واحتفالاتهم، فالاحتفال بمثل هذه الأعياد مناقض لعقيدة الولاء والبراء ولوازمها، وهو من التشبه بأهل الكتاب فيما هو من خصائصهم، وهو مخالفة صريحة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التشبه بالكافرين.

فيا أيها المسلم: دع عنك التبعية لأعداء الدين، والتفت إلى دينك وما تميز به، وكن معتزًا بشخصيتك الإسلامية، واجعل محبتك في الله وبغضك في الله؛ فالمرء مع من أحب يوم القيامة، واقتدِ بالصحب الكرام في هذا الأمر؛ فلقد ضربوا أروع الأمثلة في المحبة العالية السامقة المقرّبة إلى الله تعالى، فلقد روى الطبراني في الأوسط من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إنك لأحبُّ إليّ من نفسي، وإنك لأحبُ إليّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعتَ مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} [النساء: 69] .

وإذا حقّت الحاقة، ووقعت الواقعة، وزلزلت الأرض زلزالها، ودنت الشمس من الرؤوس، فحدث ولا حرج عن الكرامات لهؤلاء المتحابين بجلال الله، يظلهم الله في ظِلِّ عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم: «رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه» [صحيح مسلم: 1031]، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله جل وعلا يقول يوم القيامة: «أين المتحابون بجلالي؟! اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» [2566].

اللهم إنا نسألك أن ترزقنا صدق محبتك ومحبة رسولك صلى الله عليه وسلم ومحبة المؤمنين، اللهم إنا نسألك حبك؛ وحب من يحبك؛ وحب العمل الذي يقربنا من حبك. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا؛ وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم اغننا بحلالك عن حرامك؛ وبفضلك عمّن سواك؛ وبطاعتك عن معصيتك. اللهم ارزقنا وشبابنا ونساءنا العفة والطهر. الله أصلح شباب وفتيات المسلمين؛ اللهم ردّنا وإياهم إليك ردًّا جميلًا.

  • 1
  • 0
  • 1,160
المقال السابق
[74] الحث على حفظ اللسان
المقال التالي
[76] الحوادث المرورية وأخلاقيات القيادة

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً