خطب مختارة - [82] الخاسرون

منذ 2016-03-09

لا خسارة تعدل خسارة من خسر نفسه في الحياة الأبديّة، فأصبح من المعذبين، وهو يرى غيره من الفائزين المفلحين، فيندم ولا ينفع عند ذلك الندم. وهذه الخسارة التي حذّر منها القرآن، والتي سببها خسارة الدين في الدنيا.

الخطبة الأولى:

أمّا بعد: فاتّقوا الله تعالى وأطيعوه، واعملوا من الصّالحات ما ينجيكم من غضبه وعذابه، ويقرّبكم من رحمته ورضوانه؛ فليس ثمّة إلا فرصةٌ واحدةٌ فإمّا يفوز فيها العبد أبدًا، وإمّا يخسر أبدًا، {وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ .  إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1:3].

عباد الله، لا خسارة تعدل خسارة من خسر نفسه في الحياة الأبديّة، فأصبح من المعذبين، وهو يرى غيره من الفائزين المفلحين، فيندم ولا ينفع عند ذلك الندم. وهذه الخسارة التي حذّر منها القرآن، والتي سببها خسارة الدين في الدنيا.

مِن هذه الخسارة وجل المؤمنون، وفزع المتّقون لعبادة ربهم. وبسببها لم يفرحْ أهلُ اليقين بما فُتِحَ لهم من دنياهم، ولم يغترّ المعتبرون بأموالهم وقوّتهم وجمعهم، ولم يهنأْ أهلُ الخشية بطيب عيشهم في الدّنيا وهم يرون الجنائزَ تُحمل كلّ ساعةٍ إلى القبور؛ ويعلمون يقينًا أنها إمّا فائزةٌ وإمّا خاسرة.

إخوة الإيمان، إنّ معرفةَ أسبابِ الخسارة وأعمالِ الخاسرين سببٌ لاجتنابها والنّجاة منها. ألا وإنّ كلّ كفرٍ فهو طريقٌ إلى الخسارة، وكلَّ كافرٍ فهو خاسرٌ، وكلَّ معصيةٍ فهي سببٌ للخسارة، وكلَّ عاصٍ يخسر بقدر عصيانه.

فالكفر بالله تعالى أعظم الخسارة؛ لأنّه يوجب خسارةً أبديّةً: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [العنكبوت: 52]، {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] .

ومن الكفر المستوجب للخسارة: الكفرُ بآيات الله تعالى الكونيّة في مخلوقاته أو آياته الشّرعيّة آيات القرآن: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الزمر: 63]. {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [يونس: 95] .

وقال تعالى عن القرآن: { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 121]، ومنه التّكذيب بالبعث والجزاء:   {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [يونس: 45] .

ولا يظنّن ظانٌّ أنّ الكفّار لا يدينون بدينٍ، ولا يعملون أعمالًا يظنّونها صالحةً؛ فإنّ أكثرهم يدينون بدينٍ، ويعملون أعمالًا، ولكنّها تعبٌ في الدّنيا، وخسارةٌ في الآخرة: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 103-104]؛ لأنّ الله تعالى أمر عباده بدين الإسلام، وبما شرع فيه من عباداتٍ وأحكامٍ؛ فمن دان بغيره، أو عمل بعملٍ ليس من الإسلام فهو خسارةٌ على صاحبه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وهذا يكشف عظيم نعمة الله تعالى علينا بالهداية للدّين الحقّ دين الإسلام، كما يبرز حجم الضّلال في البشر ولو اكتشفوا الذّرّة، وصنعوا الحضارة، وبلغوا الآفاق، وغاصوا في الأعماق.

وطاعة الكفّار جالبةٌ للخسارة في الدّنيا وفي الآخرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [آل عمران: 149]. ومن النّاس من يكون إيمانه لأجل الدّنيا، فإذا نال بإيمانه مالًا وجاهًا ونعمةً التزمه، وإن ابتلي بسبب إيمانه ترك إيمانه، وهذا من أشدّ الخاسرين؛ لأنّه جعل إيمانه وسيلةً لدنياه، ولم يجعل دنياه وسيلةً لإيمانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11].

والكفر بالقرآن بابٌ إلى الخسران، سواءً كفر به كلِّه أو كفر ببعضه، ومِن النّاس مَن قد يردّ حكمًا ممّا جاء في القرآن ولا يدري أنّه بردّه إيّاه صار من الخاسرين ولو كان من المصلّين، وما أكثر الواقعين في ذلك في هذا الزّمن الّذي اجترأ فيه المنافقون والفسّاق على الشّريعة فانتهكوها: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 121] .

ومن عجيب أمر القرآن أنّه مصدرُ هدايةٍ للنّاس، ومع ذلك فلا ينتفع به أهل الخسران، بل يزدادون خسرانًا بتكذيبهم آياته وأحكامه وعدم انتفاعهم بقصصه ومواعظه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82]. وثمّة أعمالٌ وُصِف مرتكبوها بالخسران؛ لشناعتها وكثرة وقوعها؛ ليحذر النّاس منها، كسفك الدّم الحرام: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 30].

ونقضُ العهد؛ وقطيعة الرّحم؛ والإفساد في الأرض خسران: {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27]. والأمنُ من مكر الله تعالى من الخسران: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]. وسوءُ الظّنّ بالله تعالى طريق للخسران: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ} [فصّلت: 23]. واللّهوُ بالمال والولد عن ذكر الله  تعالى يؤدي إلى الخسران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون: 9] .

وكذلك التّفريطُ في الصّلاة سببٌ عظيمٌ للخسارة كما قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «أنّ أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر» [صحيح الترمذي: 413].

ومنعُ حقّ الله تعالى من المال بابٌ إلى الخسران؛ كما في حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه، قال: انتهيت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ في ظلّ الكعبة، فلمّا رآني قال: «هم الأخسرون وربّ الكعبة»،  قال: فجئت حتّى جلست، فلم أتقارّ أن قمت، فقلت: يا رسول الله، فداك أبي وأمّي، من هم؟ قال: «هم الأكثرون أموالًا، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا - من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله - وقليلٌ ما هم» [صحيح البخاري: 990]

نسأل الله تعالى أن يجنّبنا أسباب الخسارة، وأن يهدينا لطرق الفلاح والفوز، وأن يجعلنا من عباده الصّالحين.

وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثّانية:

الخسارة في الآخرة لا أعظم ولا أفضع ولا أكبر منها خسارة، {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [​الزمر: 15]، والخاسرون قد تكون خسارتهم كلّيّةً وهم من فقدوا أصل الإيمان، واستوجبوا الخلود في النّار، وهم من حقّت عليهم كلمة العذاب: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} [الأحقاف: 18]، ومنهم من خسارته جزئيّةٌ كمن قارف سيّئاتٍ قد يعذّب بها في الآخرة، وأقلّ خسارةً منهم من خسروا حسناتٍ في الدّنيا فسبقوا إلى أعالي الدّرجات في الجنّة.

عباد الله، إنّ السلامة من الخسران في الآخرة الحياة الأبدية لا يكون إلا باجتناب أسبابه؛ وذلك باجتناب الكفر والمعاصي، والتمسك بالإيمان والعمل الصّالح، غير أنّ الخطأ من سمات البشر، ولن ينجوَ صاحبُ المعصية من الخسران إلا بعفو الله تعالى ومغفرته ورحمته؛ ولذا كان حقًّا علينا دائمًا أن نكثر من  التّوبة والاستغفار، وهكذا فعل الرّسل عليهم السّلام حين وقعت منهم أخطاءٌ؛ فإنّهم هرعوا إلى التّوبة والاستغفار؛ اتّقاءً للخسران، وقد أمرنا الله أن نقتدي بهداهم.

وهذا أبو البشر آدم وزوجه حوّاء عليهما السّلام لمّا أخطئا بأكلهما من الشّجرة خافا الخسران: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23].

اللهم جنبنا أسباب الخسران، واجعلنا من الفائزين. اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك، اللهم اغفر لنا وتب علينا؛ إنك أنت التواب الغفور الرحيم. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرّب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل.

  • 5
  • 0
  • 11,091
المقال السابق
[81] الخشوع في الصلاة
المقال التالي
[83] الخصلتان الحبيبتان

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً