سقوط الأندلس دروس وعبر - (7) بناء الذات

منذ 2016-03-09

العدول عن تقويم الذات وكشف الخلل، والتوجه صوب العامل الخارجي، يعني تكريس القابلية للتخلف والسقوط، وتمكين العامل الخارجي من أداء دوره المرسوم.

وقضية أخرى لا بد من فك الالتباس حولها في الذهن المسلم أيضًا وهي: اكتساب القدرة على التفريق بين جلد الذات (السب واللعن) المنهي عنه شرعًا، وبين نقد المسالك وتقويم الأعمال، ومناقشة الفعل التاريخي، وتحقيق الاعتبار، وتسديد المسيرة الإسلامية في ضوء ضوابط القيم الإسلامية وأخلاق المعرفة المطلوبة شرعًا، ومن ثم القدرة على تشكيل النظر، والتقويم الإيجابي، لاجتهاد وفعل المخطئ، وأنه أحد الأدلة الموصلة إلى الصواب، لذلك جاءت معظم الكتابات الإسلامية متجهة صوب العامل والتآمر الخارجي، الذي أدى إلى سقوط الأندلس، إلا ما ندر من رصد مظاهر الصراع وأسبابه، والتنازع على المغانم والمصالح بين ملوك الطوائف -الأمر الذي ما يزال يعمل عمله فينا حتى اليوم- والنكوص عن الدراسة والتحليل، ومعرفة السبب الذي سمح بتسلل هـذا الخلل إلى الواقع الإسلامي، والقابليات التي استدعته وسمحت بنموه وتفاقمه.. ومن ذا الذي يقول: إن المطلوب من أعدائنا أن يسهموا بنهوضنا، وأن توقف كيدهم وعدوانهم، شرط لانتصارنا؟!

فالعدول عن تقويم الذات وكشف الخلل، والتوجه صوب العامل الخارجي، يعني تكريس القابلية للتخلف والسقوط، وتمكين العامل الخارجي من أداء دوره المرسوم.

إن الغفلة عن بناء الذات، وإكسابها المناعة الثقافية والحضارية والعسكرية، هـي التي تستدعي السقوط، وتستدعي الأعداء ليأخذوا نصيبهم من اقتسامنا، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء:102].. والسلاح هنا لا يقتصر على الشوكة العسكرية، وإنما ينضم له بناء الشوكة الفكرية والثقافية، التي تمثل ميدان الصراع الحقيقي، لكن الغفلة وإعفاء الذات، تحتلنا على كل الأصعدة.

نعود إلى القول: إن التاريخ الإسلامي في الأندلس، ما يزال هـو الذي يشكل الفترة المتألقة في تاريخ أسبانيا المعاصرة، على الرغم من كل أحقاد التعصب ومحاولات الطمس المستمرة.. ولئن أمكن طمس التاريخ السياسي بأشخاصه ومؤسساته، فإن التاريخ العلمي والثقافي الذي يشكل الضمير الحي للإنسان في أسبانيا، لا يمكن طمسه، والقفز من فوقه، لذلك بدأت العودة إلى الجذور، والتصالح مع التاريخ والاعتراف بالحقيقة على المستويات المتعددة، على الرغم من موجات التعصب المتتالية، والتي ما تزال تعتبر ذكرى سقوط غرناطة فرصة لشحن العواطف ضد الإسلام والمسلمين، على المستوى الشعبي والرسمي، وملء النفس الأسبانية المعاصرة بالحقد.

لذلك، فقد يكون من الطبيعي جدًّا اليوم أن يتراجع التعصب الديني بعقمه وعجزه تاريخيًّا، عن أن يقدم شيئًا مذكورًا للتاريخ الأسباني، إلا ذكرى الصور المخزية لمحاكم التفتيش ، بعد أن تقدمت وسائل الاتصال اللغوي والفكري، وأتيحت فرصة لإظهار الوثائق، والتمتع بأقدار من حرية الاختيار. فليس الحقبة الإسلامية هـي قصر الحمراء ، ومسجد قرطبة ، وجنات العريف ، ونزاعات ملوك الطوائف المهزلة التي ساهمت بالسقوط الحضاري، والانكسار العسكري، وإنما العطاءات الثقافية والعلمية التي لا تزال غذاء فكريًّا لاستمرار الحياة الإسلامية. 

وقد نكون اليوم أحوج من أي وقت مضى للعودة إلى عطاء القرآن، واستشعار التكليف والمسئولية، وإعادة التدبر، فقوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا} [آل عمران:137] يعني فيما يعني: تكليفًا بالنظر في السنن، أي القوانين المطردة، التي تحكم حركة الحياة والأحياء.. تحكم الحركة الاجتماعية، وتتحكم بسقوط ونهوض الأمم، وأن اكتشاف هـذه السنن (القوانين) لا يتأتى من النظر في الحاضر، أو الاقتصار على التاريخ الخاص، وإنما لا بد له من العمق التاريخي، والعمر التاريخي معًا.. لا بد له من السير في الأرض، وتجاوز الحاضر إلى الأيام التي خلت، حيث لا يتسع عمر الإنسان للإحاطة بفعل السنن الاجتماعية، واكتشاف حركتها واطرادها، من قراءة الحاضر.. وحتى السير في الأرض والإبحار في التاريخ، دون النظر القادر على التفسير والتحليل والتبصر في الكيفيات والعواقب، وفي المقدمات والنتائج، لا يغني عن صاحبه شيئًا، لذلك قال تعالى: {فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران:137].

إن شواهد التاريخ العام هـي بيَّنات للناس، وبيان لا بد من تفهمه، وتبيّنه {هـَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} وإدراك كنهه و(وَهُدىً): أي وسيلة اهتداء إلى تلك السنن، التي تحكم الحياة والأحياء (السنن الاجتماعية)، ذلك الاهتداء الذي يقود إلى الاتعاظ والاعتبار (وَمَوْعِظَةٌ)، ويحول دون السقوط في علل الأمم السابقة التي استحقت تلك العواقب، ويقي الأمة المسلمة مما أصاب الأمم المنقرضة بسبب فعلها، وإنكارها للسنن {وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ}.

ولو عدنا إلى تدبر الآية: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ . هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:137-138] لأدركنا التباعد بيننا وبين التدبر وعطاء القرآن في المسألة الاجتماعية.

لذلك نقول: إن غياب الدارسة التاريخية التي تمكن من كشف السنن الاجتماعية، والعوامل المادية والنفسية الفاعلة في المسيرة البشرية، والاقتصار على التسجيل لحوادث التاريخ، الأمر الذي يحقق البيان فقط، وعدم تجاوز ذلك إلى التحليل التاريخي الذي يحقق الاهتداء إلى السنن، ومن ثم الاعتبار بها، والوقاية من السقوط، كان سرًّا من أسرار تردي المسلمين وتخلفهم وعجزهم عن الإفادة من العلوم الاجتماعية التي تتحكم بالعالم اليوم، والذي يعتبر التاريخ مخبرها ومنجمها الأول، والتي تبلورت على يد غيرهم. 

المصدر: كتاب الصحوة الإسلامية في الأندلس اليوم جذورها ومسارها، للدكتور على المنتصر الكتاني
  • 5
  • 1
  • 933
المقال السابق
(6) أهمية دراسة التاريخ ونقده
 

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً