لا تقربوا - [11] الابتداع في الدين

منذ 2016-04-19

البدعة عبارة عن التعدي في الأحكام والتهاون في السنن واتباع الآراء والأهواء وترك الاتباع والاقتداء، أو هي كما قال الشاطبي: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه وتعالى.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد فالبدعة عبارة عن التعدي في الأحكام والتهاون في السنن واتباع الآراء والأهواء وترك الاتباع  والاقتداء، أو هي كما قال الشاطبي: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه وتعالى.

النصوص الشرعية تذم البدعة:

وقد وردت النصوص بذم البدعة والتحذير منها، فعن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته...الحديث، و فيه يقول: «أما بعد، فخير الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» [صحيح مسلم]. وفي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بستني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضو عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» [السلسلة الصحيحة: 2735]، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» [صحيح مسلم: 1718].

البدعة ضلالة تحبط العمل:

فالابتداع في الدين ضلالة وهو من أعظم أسباب حبوط الأعمال، ويشمل ذلك المبتدع ومتبع المبتدع، ففي الحديث: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وصاحب البدعة ممن زُيِن له سوء عمله فرآه حسنا، ولذلك لا ترجى له توبة بخلاف العاصي، وفي حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله احتجز التوبة عن صاحب كل بدعة» [السلسلة الصحيحة: 1620]. وأخطر البدع ما يتعلق منها بالعقيدة كالتكفير بالكبيرة عند الخوارج وتأويل الأسماء والصفات كقول بعضهم: "استوى بمعنى استولى والنزول بمعنى نزول الأمر، واليد بمعنى القدرة..." والقول بسقوط التكاليف والحلول والاتحاد وصرف العبادة للمقبورين عند البعض، وتقديم العقل على النقل عند آخرين، والقول بعصمة الأئمة وسب وتكفير الصحابة عند طائفة أخرى من المبتدعة. والمبتدعون يسمون بأهل البدع وأهل الأهواء.

شبهة وجواب:

وإذا كان إيراد قول أو فعل لم يستن قائله أو فاعله فيه بصاحب الشريعة يعد بدعة وضلالة، فقد اعترض البعض على إطلاق ذم البدعة، ووصف بعض البدع بالحسن، واحتج على ذلك بقول عمر رضي الله عنه لما جمع الناس على أُبَي بن كعب في قيام رمضان:" نعمت البدعة هذه" والرد على ذلك من وجوه منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالرجال والنساء لبضع ليالٍ ولكن خشية أن تفرض عليهم امتنع، فلما مات صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي خرج عمر رضي الله عنه، فرأى الرجل يصلي لنفسه والرجل يصلي بصلاته الرجل والرجل يصلي بصلاته الرهط فجمعهم على أُبَي بن كعب وقال مقالته هذه. وعمر أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم كما في الحديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» [السلسلة الصحيحة: 2735]. والبدعة قد تُحمل على المعنى اللغوي وهي الشيء المحدث والمخترع على غير مثال سابق وتحتمل هنا المدح والذم.

قال تعالى: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:9] أي ما كنت أول من أرسل وقد كان قبلي رسل. أما قول الله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27] فالمعنى: أحدثوها من تلقاء أنفسهم، يقول القرطبي: وذلك أنهم (النصارى) حملوا أنفسهم على المشقات في الامتناع عن المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع، وذلك أن ملوكهم غيروا وبدلوا وبقي نفر قليل فترهبوا وتبتلوا، ولا رهبانية في الإسلام، وإنما رهبانية الأمة في الجهاد في سبيل الله.

بين الإفراط والتفريط:

وقع نفر من المسلمين في أمر البدعة في الإفراط فلم يفرقوا بين العبادات والمعاملات، فرأوا فريق أن يجمدوا على الوسائل التي ورثوها حتى ولو كانت من الأمور والوسائل الدنيوية البحتة التي لا علاقة لها بالعبادات؛ فتقدم الآخرون في أمور الدنيا وبقي هؤلاء عالة عليهم يتسولون منهم ما اخترعوه وصنعوه، وفرط آخرون فلم يفرقوا بين ما هو من أمور العبادات وما هو من أمور المعاملات فابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله بزعم التحضر والتقدم وحدث خلط كبير في المفاهيم وكان الواجب أن يصطلح كل فريق على حقه، فالعبادات الأصل فيها المنع والحظر والتوقيف.

أما المعاملات فالأصل فيها الإباحة إذا روعيت ضوابطها فلا مانع من صناعة الطائرة وركوب السيارة وبناء المستشفى والملجأ والمدرسة، وهذه الوسائل لما استخدمت له، وإن استخدمت في أمر صالح كانت صالحة وإن استخدمت في أمر فاسد كانت فاسدة، أما العبادات كالصلاة وبر الوالدين والحجاب فهي تؤخذ بلا زيادة ولا نقصان سواء كنا في القرن الأول أو في القرن المائة، ومن سمات هذه الدعوة المباركة التطور لا الرجوع للوراء، ويكون ذلك فيما يقبل التطور مع التمسك بالمعاني الإيمانية دون تغيير أو تبديل:{قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِنَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} [يونس: 15].

ولذلك قلنا: إن الابتداع في الدين مذموم وكله ضلالة، ويشمل ذلك البدع الحقيقية والإضافية (وهي التي لها شائبتان، شائبة من الشرع وشائبة من غيره، كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان بصوت جهري، والاحتفال برأس السنة الهجرية والإسراء و المعراج) و قد أخطأ من قال: إن البدع الإضافية لا إنكار فيها، بل لابد من إنكارها لعموم النهي عن الابتداع في الدين.

السلف يحذرون من البدعة:

قال مالك رحمه الله: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة لأن الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا، وقال الشافعي رحمه الله من استحسن فقد شرع، وقد ورد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة"، و قال بن مسعود: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وعليكم بالأمر العتيق " وبالتالي فعلى كل من أراد أن يأتي بجديد في العقائد أو العبادات أن يسوق النص والدليل إذ الفعل نة والترك أيضًا سنة طالما وجد المقتضي وانتفى المانع ولم يفعل، كتركهم الأذان للعيدين وتركهم تلاوة القرآن على الموتى، وتركهم تلاوة القرآن بصوت جهري قبل العصر والجمعة، فالترك هنا هو السنة إذ أنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا.

قال الحسن: إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل وحادوا عن الطريق فتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم فضلوا وأضلوا، وقال أيضا: "السنة و الذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم ولا مع أهل البدع في بدعهم وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم فكذلك إن شاء الله فكونوا".

وقال: "لا يقبل الله لصاحب بدعة صومًا ولا صلاة ولا حجا ولا عمرة حتى يدعها"، وقال: "صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا صيامًا وصلاة إلا ازداد من الله بعدا". وقال: "لا تجالس صاحب بدعة ؛ فإنه يمرض قلبك". وقال حسان بن عطية: "ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة".

ففي السنن كفاية وعلى من أراد أن يسن للناس سنة حسنة أن يدلهم على هدي نبيه صلى الله عليه وسلم ويظهر لهم الشرائع والشعائر ويحيي السنن التي اندرست وانطمست لا أن يبتدع في دين الله ما ليس منه، لا معارضة بين إطلاق اللحية وتقصير الثوب وبين ركوب الطائرة كما لا معارضة بين جلباب المرأة وتطور الدنيا فنحن بحاجة لإقامة حضارة على منهاج النبوة وملاحقة معاني التطور والتقدم مع التمسك بما جاء في كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والانتهاء عن الابتداع في الدين.

إذ أن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ومن علامة البلاء أن يكون الرجل صاحب بدعة لا يرفع له عمل، ومن أعانه فقد أعان على هدم الإسلام ومن زوج كريمته منه فقد قطع رحمها، ولا يصل العبد إلى الله إلا بموافقة حبيبه صلى الله عليه وسلم في شرائعه ومن جعل الطريق إلى الوصول في غير الإقتداء يضل من حيث يظن أنه مهتدٍ، وكل الطرق مسدودة إلا من طريقه صلى الله عليه وسلم فاتبع طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

خالد أبو شادي

طبيبٌ صيدليّ ، و صاحبُ صوتٍ شجيٍّ نديّ. و هو صاحب كُتيّباتٍ دعويّةٍ مُتميّزة

  • 4
  • 0
  • 8,205
المقال السابق
[10] الرشوة طريق الهلاك والفساد
المقال التالي
[12] أكل الحرام

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً