جوانب من البناء العقَدي للطفل المسلم

منذ 2016-05-10

تعويد الأطفال حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقيره: على الوالدين وموجهي الأطفال أن يغرسوا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفوس الناشئة، فحب رسول الله من حب الله جل وعلا ولا يكون المرء مؤمناً إلا بحب الله ورسوله. عن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».

وعلينا أن نُفهم الطفل بعض الشمائل الطيبة، نقتبسها من السيرة النبوية، من صفاته صلى الله عليه وسلم مثل: الرحمة بالصغار، وبالحيوان وبالخدم... وأن نحكي له بعض القصص المحببة في هذا الشأن من سيرته عليه الصلاة والسلام، ومن سيرة أصحابه الكرام، وذلك حتى يتخلق بخلق رسول الله، فيرحم الصغار والضعاف، ولا يؤذي الحيوان. ونغرس في نفوس أطفالنا خلال سردنا لمواقف من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أثر تطبيق الدين في السلوك والخلق والعبادة... فتتأثر نفوسهم، وتتفاعل قلوبهم بحب الرسول عليه الصلاة والسلام وحب رسالته، وفي ذلك المغفرة وجنات النعيم {قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران:31].

وعلى المربي أن يعلّم الأطفال الصلوات الإبراهيمية وأن يحفظوها إن أطاقوا ذلك، فالصلاة على النبي ترفع الدرجات، وتضمن شفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم: {إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب:56] وأنه خاب وخسر من إذا ذكر عنده لم يصلِّ عليه. اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الإيمان بالملائكة: الملائكة جند الله، يأتمرون بأمره ولا يعصونه.

إن في العالم مخلوقات كثيرة لا نعرفها، يعلمها خالقها جل وعلا ومن بينها الملائكة... بهذه الصورة يمكن أن نتحدث عن هذا الركن الإيماني الغيبي أمام الأطفال، ونضيف لهم: إن أعمال الملائكة كثيرة نستشفها من بعض الآيات الكريمة، ومن ذلك حفظ الإنسان {إن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق:4]. وكتابة ما يعمله في حياته {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18].

وكم يسعد الأطفال عندما تجمعهم أمهم، لتحدثهم عن الجنة ونعيمها، والملائكة فيها، إذ تبشر المؤمنين كقوله تعالى: {إنَّ الَذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا ولا تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلَيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ ولَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ ولَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ . ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وعَمِلَ صَالِحاً وقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ} [فصلت:30-33].

فالأم بذلك تستفيد من صفات طفولة أبنائها، في خدمة عقيدتها، ويجددون مرضاة الله تعالى. فبدلاً من إرضاء الخيال النامي عندهم بقصص خرافية، وأساطير وهمية، قد لا تجلب لهم إلا العنف، والبعد عن الواقعية.. نكون بذلك قد تعاملنا مع طفولتهم بما يرتضيه الشرع الحنيف.. على أن لا يكون في هذا شطط ولا غلو، إن الغلو في أي شيء إفراط قد يؤدي إلى خلاف ما يقصد المربي. وينبغي ألا يثبّت المربون صورة خاطئة في عقول الأطفال عن شكل الملائكة مثلاً.. ولاسيما أن أكثر وسائل الإعلام تصور الملائكة بأشكال معينة لها أجنحة، وتصور الشيطان بأن له قروناً.. وذلك حتى لا تثبت هذه الصورة الخاطئة في نفس الطفل.

عدم التركيز على الخوف الشديد من النار: إن الطفل ذو نفس مرهفة شفافة، فلا ينبغي تخويفه ولا ترويعه، لأن نفسه تتأثر تأثراً عكسياً.. يمكن للمربي أن يمر على قضية جهنم مراً خفيفاً رفيقاً أمام الأطفال، دون التركيز المستمر على التخويف من النار، ظناً منه أن هذه وسيلة تربوية ناجعة.. أخرج الحاكم والبيهقي عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن فتى من الأنصار دخلته خشية الله، فكان يبكي عند ذكر النار، حتى حبسه ذلك في البيت، فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه في البيت، فلما دخل عليه اعتنقه النبي، وخر ميتاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «جهِّزوا صاحبكم فإن الفَرَق فَلَذَ كبده!».

إن الفقه في دين الله هو ألا يقنط الناس من رحمة الله وألا يستهينوا بمعاصيه. فعن علي رضي الله عنه قال: "ألا أنبئكم بالفقيه حق الفقيه؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يؤمنهم مكر الله، ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره، ولا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا خير في فقه ليس فيه تفهم".

الإيمان بالقدر: وعلينا أن نزرع في نفس الطفل عقيدة الإيمان بالقدر منذ صغره، فيفهم أن عمره محدود، وأن الرزق مقدر ولذلك فلا يسأل إلا الله، ولا يستعين إلا به، وأن الناس لا يستطيعون أن يغيروا ما قدره الله سبحانه وتعالى ضراً ولا نفعاً، قال تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة:51].

أما كيف يتم ذلك؟ فمن خلال انتهاز الفرص المناسبة، ولعل أبرز الظواهر التي تلفت نظر الأطفال في هذا المجال: ظاهرة الموت، فهم قد يتقبلونه تقبلاً معتدلاً، وذلك في ظل أسرة لا تبدي جزعها من الموت، وتُشعر الأطفال وببساطة أن من ينتهي عمره يموت. أما إن شعر الأطفال -بطريقة ما- أن الموت عقوبة وذلك من خلال التعليق على موت أحد الناس: "والله إنه لا يستأهل هذا الموت" كما تقول بعضهن في لحظة انفعال، نسأل الله المغفرة والهداية، وكذا إن هددت الأم طفلها بالضرب والتمويت؛ فيزرع في ذهنه أن الموت عقوبة وليس نهاية طبيعية ومنتظرة للجميع مما يجعلهم يجزعون منه مستقبلاً، وهذا ما يتنافى مع عقيدة الإيمان بالقدر. وكذا بالنسبة للرزق: جميل بالمربية أن تتعمد أمام طفلها حمد الله تعالى على ما أعطى من الرزق، فذلك يرسخ في ذهنه أن المال مال الله والخير كله منه.. وإن قال لها مستنكراً: إلا أن المال من مكان (كذا) لمكان عمل والده - فهي الفرصة لأن تغرس في نفسه، لأنه لابد من اتخاذ الأسباب المؤدية إلى النتائج بحسب السنة الجارية.. ومن ثم يحس بوجوده الذاتي ويعمل، دون أن يفتن بنفسه ولا بعمله، ودون أن يفتن بالأسباب.

وإن اتخاذ الأسباب مع الإيمان بالقدر - يجعل من المسلم إنساناً مقداماً لا يخشى إلا الله، كريماً لا يخاف على نفسه الفقر، صبوراً لا يهلع أمام كل مصيبة مادامت مقدَّرة. فهذا المعتقد: يُحدث في حسن المؤمن توازناً جميلاً رائعاً، يعينه على القيام بدور الخلافة الراشدة في الأرض، ويجعله يعمل في الأرض وقلبه متطلع إلى الله في السماء. إنه يتخذ الأسباب عبادة لله، وانطلاقاً مع سنة الله الجارية، ويحس في الوقت ذاته أن النتيجة التي وصل إليها هي قدر قدَّره الله، وليست حصيلة أسبابه التي اتخذها، وأن الأسباب لا تؤدي بذاتها أداءً حتمياً إلى النتيجة إنما تؤدي إلى النتيجة بقدر من الله.

فهذه المعاني تدفع الطفل إلى عدم التخاذل، فلا يداهن ولا يراوغ، لأنه قد حُصِّن بقوة العقيدة، ولا يمكن أن ينحني رأسه أمام مغريات الدنيا، ولا إرهاب المتجبرين؛ لأنه اعتاد أن ينحني ويسجد لله فقط. فمن هؤلاء الأطفال الذين نغرس في نفوسهم هذه المعاني - معاني العقيدة - سيكون خط التغيير نحو منهج الله بإذن الله، من المنازل ومن رياض الأطفال سوف تصحح المفاهيم، فليتقِ الله أولياء الأمور في هذه المدارس، وفي تلك المنازل، وليعلموا عظم المسؤولية وليؤدوا الأمانة بصدق وإخلاص، ليربطوا عقيدة الناشئة بعقيدة السلف. 

المصدر: موقع ديننا يا له من دين

خولة عبدالقادر درويش

المربية الفاضلة الأديبة خولة عبدالقادر يوسف درويش رحمها الله. توفيت ليلة السبت 22 رجب 1437 هـ الموافق 29 أبريل 2016. بعد عمر قضته رحمها الله في التأليف للبيت المسلم وللمرأة المسلمة وللطفل المسلم. أصدرت 22 كتابا، وكثيرا من المقالات.

  • 0
  • 0
  • 2,943

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً