الحرب العالمية على الحجاب من أين بدأت؟

منذ 2010-05-23

حسبنا ولوقت قريب أن السطات في تونس قد عادت لرشدها، وأدركت أنها تحارب روح الإنسان وأشواقه وقناعاته، وأنها تدوس على حقوق المرأة من خلال وضعها في قوالب جاهزة، حتى وإن سميت تلك القوالب (تحرير المرأة)..


حسبنا ولوقت قريب أن السطات في تونس قد عادت لرشدها، وأدركت أنها تحارب روح الإنسان وأشواقه وقناعاته، وأنها تدوس على حقوق المرأة من خلال وضعها في قوالب جاهزة، حتى وإن سميت تلك القوالب (تحرير المرأة)، فالتحرير يستوجب رغبة ذاتية، ومساع عملية، ومطالب للمساعدة من الجهات المعنية، وإلا سمي تدخلا في الشؤون الشخصية، وذلك يتعلق بالأفراد، والمجموعات، والشعوب، وحتى الدول.



إن التاريخ يعلمنا، أن الكثير من الجرائم ضد الإنسانية تم تبريرها، من خلال إعطائها مسحة إنسانية، فسمي الاحتلال (حماية)، والاستعمار (انتدابًا)، وسرقة ثروات الشعوب (تطويرًا)، وتدمير الدول (تحريرًا)، ولا تزال الكثير من كتب التاريخ، وحتى المدرسية منها، كما هو الحال في تونس، تروج لتلك الأكاذيب (كالحماية الفرنسية !). كما حوربت الكثير من الفضائل والقيم والحقوق الخاصة والعامة، بأسماء براقة، فصودرت حقوق الإنسان، وانتهكت آدميته، باسم الحفاظ على (الثورة كما في مصر، سوريا، ليبيا...) أو (النظام) وربما (استمرارالدولة، كما حصل في الجزائر، تونس، المغرب...) أو (محاربة الإرهاب)، وقد بررت روسيا جرائمها في القوقاز وخاصة في الشيشان، تحت نفس اللافتة، وهو ما قام به الصينيون في تركستان الشرقية، والهنود في كشمير، والصرب في البلقان، فقد كانوا يرتكبون المجازر بحق المسلمين، وقتلوا عشرات الآلاف قصفًا بالدبابات، ورميًا بالرصاص وذبحًا بالسكاكين، تحت لافتة (محاربة الإرهاب الإسلامي).



الحرب العالمية ضد الحجاب تنطلق من تونس:


وإذا كانت الحرب العالمية الأولى قد انطلقت من سراييفو سنة 1914 م، والحرب العالمية الثانية (1939/1945 م) اشتعلت بعد احتلال ألمانيا لبولندا، فإن الحرب العالمية الثالثة ضد الحجاب (الإسلام عمومًا) قد بدأت في تونس، التي كانت منطلقًا للفتح الإسلامي من صقلية وحتى الأندلس، وفي تركيا، التي كانت قلعة الخلافة الإسلامية لما يزيد عن خمسة قرون، ولذلك نجد اليوم أن الحرب على المظاهر الإسلامية في البلدين، لا سيما الحجاب، لا نظير لها في أي بلد إسلامي آخر، في عملية انتقام من التاريخ، ومحاولات هيستيرية للحيلولة دون دورة حضارية إسلامية جديدة تبدو ملامحها في الآفاق، مع مفارقة كبيرة و واضحة، وهي أن الحرب على المظاهر الإسلامية في تركيا يقودها كل من الجيش الذي لم يتطهر بعد من العقلية الديكتاتورية الأتاتوركية، والنظام القضائي وهو أحد مخلفات التطور في القرن الواحد والعشرين، بينما تشارك جميع المؤسسات في تونس في تلك الحرب، وهذا يشمل الجيش والقضاء والتعليم، لا سيما التعليم الجامعي، والمؤسسات الصحية، وحتى القطاع الخاص.



في تونس تبرر الحرب على الحجاب بعدة لافتات خادعة، مثل وصفه ب: (الزي الطائفي)، و(المستورد)، وترتكب أبشع الجرائم بحق المحجبات، تحت لافتة أكثر خداعًا وهي (محاربة التطرف)، فمظاهر الالتزام بالإسلام تعد تطرفا، وقد رأينا في بعض الدول وفي فترات تاريخية سابقة أن (المتطرف) هو الذي لا يشرب الخمر ولا يأكل لحم الخنزير، وبالتالي تعطي السلطات المستبدة للمصطلحات مفاهيم متطرفة تخرجها عن السياق المنطقي، وتصادم القيم وحقوق الإنسان والحرية، لتبرير القمع والأساليب الديكتاتورية. وليست سلطات الاستبداد وحدها من تقوم بإعطاء الكلمات والمصطلحات مفاهيم مغلوطة، بل إن بعض النخب اللائكية، والتي ترعبها الحرية، تستبدل أقفاصا بأقفاص أخرى، فتضع أقفاصها مقابل أقفاص أخرى، في الوقت الذي تدعو فيه للقضاء على أقفاص الآخرين، تضع لهم أقفاصها الموازية، وتدعوهم للعيش فيها (ليصبحوا أحرارا) على طريقتها، فهناك من يضع نفسه في مركز الوصي على الآخرين، ويمارس أبوية مقيتة في تبرير القمع، أو يقترح وضع أشكال قانونية لاختيار نوع اللباس للراشدين، كما هو الحال بخصوص اللباس الموحد لبعض المدارس.

في تونس تعاني المسلمات المحجبات من الاستبداد الحكومي اللائكي السلطوي، والاستبداد اللائكي النخبوي المتماهي معه في هذه القضية وغيرها من القضايا المتعلقة بتنميط المجتمع على طريقة المحاكاة القردية (للغرب).



حملات متواصلة ضد المحجبات:


وقد توالت في المدة الأخيرة التقارير التي تتحدث عن زيادة جرعة القمع في تونس، بما في ذلك ازدياد وتيرة قمع المحجبات، كالحملة التي شنتها السلطات التونسية على المحجبات في المعهد الثانوي بالشابة، وفق منظمة (حرية و إنصاف)، حيث قامت إدارة المعهد بحملة ضد الطالبات المحجبات على مدى أسبوع كامل، وذلك بإكراههن على خلع الحجاب، ومنعهن من الدخول للفصول الدراسية، كما أجبرت الكثير من الطالبات المحجبات على إحضار أوليائهن من قبل القيم العام فوزية بسباس، ومدير المعهد، بحيث يبدو أن النظام الحاكم قد نسي أنه ( حرر المرأة)، ولم تعد ملزمة بالخضوع لولي حتى إن كان الأب أو الأخ أو الزوج، فكيف يستعين بأولياء الطالبات للضغط عليهن من أجل خلع الحجاب!!! أما إذا تمردت المرأة على القيم والدين والأب والأخ والزوج، عندها فقط تصبح حرة وغير خاضعة لأي ولاية غير ولاية النظام الحاكم، الذي يحررها إذا كانت معه، ويقمعها إذا خرجت عن أوامره حتى وإن كانت لائكية!!!



وما حصل في الشابة في الجنوب تكرر في الشمال الغربي، وتحديدا في محافظة نابل، فقد جاء في تقرير للجنة الدفاع عن المحجبات في تونس، وهي متخصصة في رصد الانتهاكات بحق المحجبات في تونس، أن القيم العام بالمعهد الثانوي ويدعى محمود المسعدي، قام بمضايقة الطالبة سلمى عبدالحميد، وحاول إجبارها على خلع الحجاب. وفي نفس اليوم قام مدير المعهد ويدعى صالح الجملي بإخراجها من الصف وأمرها بخلع الحجاب، ثم اقتادها إلى مكتبه وأجبرها على توقيع التزام بعدم تغطية شعرها، ولم تنته معاناة الطالبة عند ذلك الحد، فقد اعترضها وهي في طريقها من المعهد إلى بيتها عناصر من الشرطة، اقتادوها إلى أحد مراكز القمع، حيث تم التحقيق معها بخصوص التزامها الديني، كما سئلت عن شقيقها ماهر عبد الحميد.



وقد أكدت "لجنة الدفاع عن المحجبات في تونس" في تقريرها بأن "استهداف السلطة التونسية للمحجبات لم يتوقف يوما واحدا"، وهذا يؤكد أننا كنا مخطئين في حساباتنا بأن الحملات التي تستهدف المحجبات "تستعر في بداية السنة الدراسية و خلال فترات الامتحانات، وهي سياسة تنتهجها السلطات على الدوام و دون توقف". وقد عبّرت اللجنة عن تنديدها الشديد بالممارسات القمعية للسلطات التونسية ضد المحجبات، واعتبرت أن القمع الذي تتعرض له المحجبات في تونس يتم "بإذن ومباركة من كافة دوائر اتخاذ القرار في البلاد"، كما دعت المحجبات إلى رفع قضايا عدلية، وجددت دعوتها لكل الضمائر الحية ولكل المهتمين بالدفاع عن حقوق الإنسان في تونس وخارجها بإدانة ممارسات السلطات التونسية التي لا تعترف بحقوق المرأة المحجبة، ولا حتى غير المحجبة إذا غردت خارج سرب السلطة، كما طالبت علماء الأمة ودعاتها في البلاد الإسلامية وغيرها، بالعمل على تخفيف المعاناة التي ترزح تحت وطأتها النساء التونسيات المحجبات.



محاكم تفتيش حكومية ضد الحجاب :


لقد شرح تقرير آخر صادر عن "الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين" في تونس بتاريخ 9 مارس 2010 م معاناة المحجبات من خلال ما تعرضت له الطالبة تقوى حسني، في السنة الرابعة رياضيات بالمعهد الثانوي في الحرايرية في العقبة في تونس، حيث "تعرضت لحادث شنيع يوم 3 مارس 2010 م على يد مدير المعهد"، ونقلت الجمعية رسالة وصلتها من المتضررة، هذا نصها (مع التصرف في الصياغة لا المعنى)، "عندما كنت في طريقي إلى المعهد الساعة الثامنة صباحًا، اعترض طريقي أحد عناصر الشرطة وأمرني بنزع الحجاب، ولما رفضت ضربني وأجبرني على الذهاب معه إلى مدير المعهد مراد موسى، الذي واصل ضربي بيديه ورجليه على وجهي وجسمي عندما أخبره عنصر الشرطة باحتجاجي على ضربي وجري إلى داخل مكتبه عنوة، وقد تمزقت ثيابي أثناء الاعتداء علي، كما أسقطني أرضًا، ووجه إليّ كلاما بذيئا، وسبّ الجلالة (سب الله سبحانه)، وهددني بتمكين عنصر الشرطة من الاعتداء على شرفي، فأغمي عليّ ولم أفق سوى بسكب الماء على وجهي و وضع بعض السكريات في فمي"، وتابعت: "لقد تم الاعتداء علي بالعنف الشديد أمام عامل بمختبر المعهد و سكرتيرة المدير".



لقد حول (نظام بن علي) ما يفترض أنها مراكز تربوية إلى سلخانات تعذيب واعتداءات على القاصرات، وأقبية لمحاربة الفضيلة و حقوق الإنسان، ومصادرة حرية المرأة، وهي الممارسات التي تشجع الدول غير الإسلامية والمنظمات العنصرية في الغرب على محاكاتها، والاستشهاد بها، وتبرير القمع الذي يطال المحجبات في هذه الدولة أو تلك، مثل تصريحات وزير الداخلية الإيطالي روبرتو ماروني الذي أعلن أن برلمان بلاده يدرس فرض حظر ارتداء النقاب على غرار فرنسا، معتبرا ذلك "تهديدا للأمن في إيطاليا"، وقد اعتبر الحجاب والنقاب تهديدا للثقافة الغربية، بعد أن اعتبر في تونس (لباسًا طائفيًا)، وهو الشعار الذي يخفي الحقيقة التي أفصح عنها في أوروبا. فوزير الداخلية الايطالي اعتبر أن "ارتداء النقاب قد يكون الإشارة الأولى لرفض المسلمات تقاليد وعادات البلد المضيف ورفضهن الاندماج فيه". ولأن الغرب يعمل على ترويج مركزيته المفاهيمية فإن بلدا مثل تونس يحتاج لمبررات أخرى لتبرير قمع الاتجاه الاسلامي التعبدي للتونسيات، مثل رفض الزي الطائفي أو محاربة التطرف!!!



تونس نموذج قمع المحجبات في العالم:

إن فرنسا، ودول أوروبية أخرى تبحث عن مبررات لاجتثاث مظاهر الالتزام بالإسلام، ولم تجد وسيلة أفضل من الاستشهاد بقمع السلطات التونسية للمسلمات المحجبات في البلاد، وهو ما جعل لجنة برلمانية فرنسية تطالب بضرورة تحرك حكومي لمنع ارتداء النقاب، وهو ما مهد له الرئيس الفرنسي ساركوزي في يونيو 2009 م بالقول إن "النقاب ليس مرحّبا به في البلاد". وإذا كان هناك أحرار حقيقيون في الغرب يدافعون عن حق المسلمات في الحجاب والنقاب كالأستاذ بجامعة مونبلي، دومينيك روسو، الذي اعتبر الحديث عن قانون لمنع النقاب سيكون ظالما على حد قوله، وما وصفت به صحيفة نيويورك تايمز الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بأنه "يؤجج مشاعر الكراهية في بلاده عندما لم يعترض على توصية برلمانية بحظر النقاب في الأماكن العامة"، وقالت الصحيفة: "لا يمكن لأي مكسب سياسي أن يبرر التحريض على الكراهية"، وقالت "إيرينا بوكوفا المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية و الثقافة و العلوم (اليونيسكو): إن "المنظمة تدافع عن حرية النساء في ارتداء النقاب"، مشيرة إلى وجوب مراعاة الحرية الشخصية. قلت إذا كان هناك أحرار في الغرب وداخل حزب ساركوزي نفسه و الشعب الفرنسي و اليونيسكو من يعارض حظر النقاب و ليس الحجاب، فتونس اليوم غابة تعبث فيها الهوام المفترسة بأحرار وحرائر تونس دون صوت حر غير تلك الأصوات الخارقة للأسلاك الشائكة، والمارة عبر شبكة الإنترنت، وبعض الفضائيات، والسماوات المفتوحة لدعاء المظلومين .
 


28/5/1431 هـ

 

المصدر: عبد الباقي خليفة
  • 1
  • 0
  • 4,843

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً