نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

(4) عش كل ليلة كأنها ليلة القدر!

منذ 2016-07-01

وإن كنت تستطيع الاعتكاف.. والبعد عن الدنيا بزينتها.. فافعل! واجمع عليك قلبك وجرده لله عزوجل.. واجتهد! فلله عتقاء كل ليلة.. فزاحم!

في تلك الليالي العشر.. ليلة عظيمة.. ليلة بألف شهر..

تلك الليلة مميزة جدًا.. ولها من الفضل العظيم، حتى أن الملائكة تتنزل فيها وتشهدها مع أهل الأرض! لما فيها من خير وبركة! ومحروم من لم يرزق خيرها! فعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ هذا الشَّهرَ قَد حضرَكُم وفيهِ ليلةٌ خيرٌ مِن ألفِ شَهْرٍ من حُرِمَها فقد حُرِمَ الخيرَ كُلَّهُ ولا يُحرَمُ خيرَها إلَّا محرومٌ» (صحيح ابن ماجه [1341]، خلاصة حكم المحدث - الألباني - : حسن صحيح)!

فما المميز في تلك الليلة؟

يميز تلك الليلة 3 أشياء:
1. هي الليلة التي نزل فيها القرآن {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]، فأي شرف خُصت به!

2. هي ليلة من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن قام ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه» (صحيح البخاري [1901]).

3. {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:4]، يقول ابن كثير في تفسيره: "أي في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق وما يكون فيها إلى آخرها"، وذكر الطبري في تفسيره: "قال رجل للحسن: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان هي؟ قال: نعم والله الذي لا إله إلاَّ هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يُفرق فيها كل أمر حكيم، يقضي الله كلّ أجل وخلق ورزق إلى مثلها".

كيف لنا أن ندركها؟

الليالي العشر الأخيرة من رمضان هي أفضل ليالي رمضان، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعد لها ويجتهد فيها بشكل خاص، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يجتهدُ في العشرِ الأواخرِ، ما لا يجتهدُ في غيرِه" (صحيح مسلم [1175])، وعنها أيضًا: "كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا دخل العشرُ شدَّ مِئْزَرَهُ، وأحيا ليلهُ، وأيقظَ أهلهُ" (صحيح البخاري [2024]).. وهذا يدل على أهمية تلك الليالي وما بها من خير..

وإن كانت ليلة القدر هي إحدى تلك الليالي، كما أوصانا الرسول صلى الله عليه وسلم بالتماسها في الليالي العشر والأيام الوترية منها، قال صلى الله عليه وسلم: «التمِسوها في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ، ليلةَ القدرِ، في تاسِعةٍ تَبقى، في سابِعةٍ تَبقى، في خامِسةٍ تَبقى» (صحيح البخاري [2021]).. وإن كنا لا نعلم يقينًا أي يوم هي.. فلنجتهد في تلك الليالي لعلنا نصيبها.. فهم 10 ليالي، مضى منهن ما مضى فلنحسن إذا الوداع! قال ابن الجوزي :"إن الخيل إذا شارفت نهاية المضمار بذلت قصارى جهدها لتفوز بالسباق فلا تكن الخيل أفطن منك! فإنما الأعمال بالخواتيم.. فإنك إذا لم تحسن الاستقبال لعلك تحسن الوداع".

ولعل أحد يسأل ما الفائدة إن عرفنا إنها ليلة القدر بعد إنقضائها؟ لعلها أن تجتهد في العام المقبل في هذا اليوم.. وأيضًا الاجتهاد في نهارها كما قال الإمام الشافعي: "أستحبّ أن يكون اجتهادُه في يومها كاجتهاده في ليلتها".

ولنجتهد في كل ليلة وكأنها هي ليلة القدر! والاجتهاد والجود فيها في كل العبادات والطاعات.. فلا تغفل عن ذلك قال أنس بن مالك: "العمل في ليلة القدر والصدقة والصلاة والزكاة أفضل من ألف شهر".

ولا يوجد تخصيص بعبادة فيها عن الليالي العشر إلا كما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم بفضل قيامها والدعاء كما ورد عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسولَ اللَّهِ أرأيتَ إن وافقتُ ليلةَ القدرِ ما أدعو؟" قال: «تقولينَ: اللَّهمَّ إنَّكَ عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي» (صحيح ابن ماجه [3119])، وتحدثنا عن معنى هذا الدعاء في المقال السابق.

وإن كنت تستطيع الاعتكاف.. والبعد عن الدنيا بزينتها.. فافعل! واجمع عليك قلبك وجرده لله عزوجل.. واجتهد! فلله عتقاء كل ليلة.. فزاحم!

  • 24
  • 0
  • 781
 
المقال السابق
(5) رحمة لك وطُعْمَةٌ للمساكين
i