إعلانات

منذ 2016-07-15

هل لاحظت من قبل تلك السعادة والفرحة الظاهرة على وجوه من يلتهمون هذا (الساندوتش) أو يتلذذون بتلك الشيكولاتة 
هل تأملت حالة اللهفة التي يصنعها الإعلان والتي تهيىء للمشاهد أن منتهى السعادة في تلك القضمة وغاية السرور في هذه الرشفة التي يجاد تصويرها في إعلانات الأطعمة أو الحلويات
هل نظرت في إعلانات شبكات المحمول ولاحظت كيف أنها تلخص احتياجات الناس في (الرغي) وتجعل من عروضها ودقائقها المجانية شيئا عظيما مبهرا ينبغي للمرء أن تتهلل له أساريره ويسارع لشراء مزيد ومزيد من الخطوط وكروت الشحن
أما عن إعلانات مساحيق الغسيل فحدث ولا حرج
انظر دائما إلى حالة (ست البيت) التي تستعمل المسحوق المنافس وكيف أنها في حالة يرثى لها وحزن عميق وأسى مقيم يرتسم على وجهها حيث أن مشكلة حياتها المعقدة هي تلك البقعة العنيدة التي تقاوم الغسيل ثم لا تلبث تلك الحالة أن تزول ويزول معها كل العبوس والحزن حين تستمع لنصيحة جارتها المبتهجة السعيدة وتستعمل المسحوق الذي سيحل كل مشاكل حياتها الشاقة المعقدة
ذلك الإيهام بوجود مشكلة والمبالغة في تضخيم احتياج ما؛ هو أسلوب إعلاني متعارف عليه وقد يكون مقبولا كنوع من أنواع الترويج و(أكل العيش) وما دام المستهلك قد قبله فهو حر وليس من وصي عليه
تلك هي ببساطة فلسفة الإعلانات
فلسفة صناعة الوهم واصطناع مشكلة أو أزمة أو احتياج غير موجود لتحريك دوافع الشراء لدى المتلقي
وثمة فارق كبير بين وجود الحاجة وبين اصطناعها وادعائها
ذلك الفارق هو ما تقوم عليه فلسفة الإعلانات التي يُعرِّفها البعض بأنها فن خلق احتياجات غير موجودة أو غير حقيقية وتحويلها من خلال الصورة الجذابة أو العرض الأنيق إلى احتياجات أساسية وعاجلة
من هذا المنطلق ستشعر يوما بعد مشاهدة إعلان ما أنك تريد شراء شىء لم تشعر قط باحتياجك إليه قبل ذلك
لقد اصطنعت الإعلانات حاجة وخلقت مشكلة لم تكن موجة أو ملحوظة ودفعتك دفعا إلى محاولة حلها
لكن ما ينبغي أن ينتبه إليه الإنسان المنهج نفسه والطريقة التي ينتهجها كثير ممن حوله وتعد من أهم الوسائل التي استعملها الشيطان ويستعملها لإضلال بني آدم
إن بداية المنهج الشيطاني كانت تكمن دوما في ذلك الإيهام والتغيير المستمر لتوصيف الأشياء مع غرس التململ من الشرع وتصويره على أنه أصل المشكلة والحائل بين المرء وبين تحقيق أهدافه وآماله
تأمل قوله لسيدنا آدم وزوجه {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}
لقد اختلق مشكلة غير حقيقية وزين شهوة معينة ثم ربط الوصول إليها بالتخلص من التشريع الذي أمرهما الله به
وهو في سبيل ذلك مستعد للقسم وقادر على أن يتلبس بثياب الناصح الحريص على المصلحة "وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين"
ولقد صور الأمر الشرعي على أنه السد المنيع الذي يفصل المرء عن بغيته والحائل الرئيسي بين الإنسان وبين مطالبه وطموحاته التي بدأ في تغييرها وتغيير أولوياتها وترتيبها بل هو في الحقيقة أعاد تصنيع تلك المطالب والأهداف
من قال أن مطلب التحول لملكين أو الخلود كان من ضمن أهداف سيدنا آدم وزوجه؟!
إنهما يعيشان بالفعل في جنة يأكلان منها رغدا حيثما شاءا فما الذي طرح فكرة التحول أو الخلود أصلا؟
إنها نفس النظرية الإعلانية
نظرية صناعة الوهم واختلاق الاحتياجات واصطناع المطالب وإبراز الأطماع التي ربما لم ينتبه إليها ولم تكن مطروحة من قبل
بالتالي يصير الوصول إلى تلك الغايات هو الهدف العاجل ويصبح لازما التحرر من أي حوائل تقف بين المرء وبين تلك الأهداف ومن ثم تتحول فكرة الالتزام بالشرع إلى قيود يسعى الإنسان إلى التفلت منها تمهيدا بعد ذلك لرفضها وربما كراهيتها
لكن البداية تظل دوما في الإيهام والتلبيس في توصيف المشاكل والحلول وطمس الفوارق بين ما يحتاجه الناس حقا 
وبين ما يراد لهم أن يتصوروا احتياجهم إليه

  • 1
  • 0
  • 2,006

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً