سهام المواعظ - [09] ذكر الموت

منذ 2016-07-18

المتسابقون الأذكياء فقط هم الذين يملئون حقائبهم القلبية من هذه الواحة- الأذكياء- هكذا وصفهم رسول الله، يقول ابن عمر: "أتيت النبي عاشر عشرة، فقام رجل من الأنصار فقال: يا نبي الله من أكيس الناس؟ قال: « «أكثرهم ذكرًا للموت وأكثرهم استعدادًا للموت، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة» [الترغيب والترهيب: 4/197].

سألنا متسابق فقال: لماذا اخترتم واحة ذكر الموت لتكون أول واحة يأوي إليها المتسابقون؟

فأجبناه وقلنا: لأن الرسول كذا فعل، ونحن لا قدوة لنا غيره، ولا أسوة لنا سواه، واسمع معنا ما رواه سهل بن سعد الساعدي، قال سهل: «مات رجل من أصحاب النبي فجعل أصحاب الرسول يثنون عليه ويذكرون من عبادته، ورسول الله ساكت، فلما سكتوا قال: «هل كان يكثر ذكر الموت»؟ قالوا: لا. قال: «فهل كان يدع كثيرًا مما يشتهي؟» قالوا: لا. قال: «ما بلغ صاحبكم كثيرًا مما تذهبون إليه» [الترغيب والترهيب: 4/197]

ما سأل رسول الله عن صلاة ولا صدقة ولا صيام، إنما سأل عن الأهم فالمهم: ذكر الموت أولاً ثم بعده كل شيء.. كل شيء.

المتسابقون الأذكياء فقط هم الذين يملئون حقائبهم القلبية من هذه الواحة- الأذكياء- هكذا وصفهم رسول الله، يقول ابن عمر: "أتيت النبي عاشر عشرة، فقام رجل من الأنصار فقال: يا نبي الله من أكيس الناس؟ قال: « «أكثرهم ذكرًا للموت وأكثرهم استعدادًا للموت، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة» [الترغيب والترهيب: 4/197]

ومن هؤلاء الأكياس: جارية الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك الذي نظر إلى نفسه يومًا في المرآة – وكان شابًّا آلت إليه الخلافة - فأصابه الفخر والخيلاء، فلمحت ذلك منه جاريته-وكانت عاقلة - فقالت له:

أنت نِعمَ المتاعُ لو كنتَ تبقى غيرَ أنْ لا بقـاءَ للإنسـانِ

ليـس فيما بدا لنـا منـك عيبٌ كان في الناس غيرَ أنك فانِ

لكن أي متسابق فذيخشى أن يفارق ذكر الموت قلبه فيجعل عليه قفلاً إيمانيًّا يضمن عدم تسرب ذكر الموت منه، يعلمنا صناعة هذه الأقفال حداد إيماني بارع هو الربيع بن خثيم حيث يقول: "لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة واحدة لفسد".

لكن الشيطان يتحفز فإذا غفل الإنسان لحظة سرق المفتاح وتسلل إلى القلب فتسري الغفلة في الأوصال فوجب التنبيه عن طريق برقية منعبد الله بن مسعود جاء فيها: "إنكم في ممر الليل والنهار، في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، من زرع خيرًا يوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرًّا يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع".

لغز الشاطبي

كان الإمام الشاطبي صاحب كتاب (الموافقات) كثيرًا ما يتمثل هذه الأبيات:

أتعرف شيئًا في السماء يطير *** إِذا سار هاج الناس حيث يسير

فتلقاه مركوبًا وتلقاه راكبًا  *** وكل أمير يعتليه أسير

يحثُّ على التقوى ويُكره قربه *** وتنفر منه النفس وهو نذير

فلم يُستزَر عن رغبة في زيارة ***  ولكن على رغم المزور يزور

هل عرفت الحل؟ إنه النعش، من امتطى صهوته كان أسيره، إذا رآه الناس قصر أملهم وزاد عملهم، ومع ذلك يكرهه الناس وينفرون من رؤيته، بل ويتناسونه حتى يزورهم رغمًا عنهم.

رحم الله الإِمام الشاطبي، كان كلما لمس غياب ذكر الموت عن القلوب أنشد لغزه وذكر نعشه، لأنه تعلم وعلم أن ذكر الموت هو الحياة، وأن الاتعاظ برؤية النعش على الأعناق هو السبيل إلى الفوز في هذا السباق.

وإذا كان الموت غائبًا عنك لحظة قراءة هذه الكلمات فلا بد للغائب من وصول، ولابد بعد الفراق من لقاء.

هكذا فهم الخليفة الرابع علي بن أبي طالبحقيقة الموت فقال: «إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة» 5، وإذا كان الأمر كذلك فما أسرع الملتقى وما أعجل الوصول.

والوصول إلى الموت يوصلك إلى لقاء الرب، فيومًا ما ستختلي بربك وتنفرد به لحظة الحساب، أما الأهل فينصرفون عنك إلى نُزَهِهم ومُتعِهم، فكيف تَرى علاقتك اليوم بمن تنفرد به غدًا؟!

فإذا كنت من أصحاب العزم الفتي والقلوب السباقة فما أحلى هذا اللقاء وما أشد الشوق إليه، مصداق ذلك قول رسول الله: «من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه» [صحيح مسلم: 2685].

ولقد كان صحابة رسول الله -كما أرادهم -يحبون لقاء الله، يصفهم أبو عتبة الخولاني فيقول: "كان من صفة أصحاب رسول الله أن لقاء الله أحب إليهم من الشهد (العسل في شمعه)، وكانوا يحبون الموت أكثر مما يحب أحدكم الصحة".

من أجل هذا رحَّب معاذ بن جبل عند احتضاره بالموت قائلاً له: "مرحبًا بالموت زائر مغيب، وحبيب جاء على فاقة"، كأنه يستقبل حبيبًا طال انتظاره وزاد شوقه إليه.

أنا لا أخاف الموت بل هو بغيتي ووسيلتي لتحقق الغايات

فبه يُتاح لي اللقاء وتزدهي روحي برؤية سيد القدوات

وليس هذا بعجيب على من سلك هذا الطريق، لأن (من كان في سجن التُّقى فالموت يطلقه، ومن كان هائمًا في وادي الهوى فالموت له حبس يوثقه، موت المتعبدين عتق لهم من استرقاق الكد ورفق بهم من تعب المجاهدة، وموت العصاة سبي يرِقّون به لطول العذاب).

خالد أبو شادي

طبيبٌ صيدليّ ، و صاحبُ صوتٍ شجيٍّ نديّ. و هو صاحب كُتيّباتٍ دعويّةٍ مُتميّزة

  • 5
  • 0
  • 3,472
المقال السابق
[08] اللصوص
المقال التالي
[10] أبواب الخير مفتوحة

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً