دليل المسلم الجديد - (31) الأدلة على صحة دين الإسلام

منذ 2016-08-15

الحمد لله إن الأدلة على صحة دين الإسلام، وصدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم كثيرة لا تكاد تنحصر؛ وهذه الأدلة كافية لإقناع كل منصف عاقل باحث عن الحق بتجرد وإخلاص.

الحمد لله إن الأدلة على صحة دين الإسلام، وصدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم كثيرة لا تكاد تنحصر؛ وهذه الأدلة كافية لإقناع كل منصف عاقل باحث عن الحق بتجرد وإخلاص، ويمكن إجمال بعض من هذه البراهين فيما يلي:

أولاً: دلالة الفطرة
إن دعوة الإسلام هي الموافقة للفطرة السوية، وإلى ذلك أشار قول الله عز وجل: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم:30].
وقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ» (أخرجه البخاري [1358]، ومسلم [2658]).

وقوله صلى الله عليه وسلم: «تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ» أي كما تولد البهيمة مجتمعة الأعضاء وسليمة من النقص، وما يحدث لها من قطع الأذن أو غيرها فيكون بعد ولادتها.

وهكذا كل إنسان يولد مفطور على الإسلام، وأي انحراف عن الإسلام فهو خروج عن الفطرة ولا شك، ولذلك فإننا لا نجد شيئًا من تعاليم الإسلام يخالف الفطرة قط، بل كل الأحكام العقدية والعملية موافقة للفطرة السليمة السوية، أما ما سوى الإسلام من أديان واعتقادات فتشتمل على ما يخالف الفطرة، وهذا أمر ظاهر بيّن عند التأمل والتدبر.

ثانيًا: البراهين العقلية
أكثرت نصوص الشرع من مخاطبة العقل، وتوجيهه إلى النظر في الحجج والبراهين العقلية، ومن دعوة أصحاب العقول وأولي الألباب إلى تدبر الدلائل القطعية على صحة الإسلام.

قال الله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29].

قال القاضي عياض في وجوه إعجاز القرآن الكريم: "جمع فيه من بيان علم الشرائع والتنبيه على طرق الحجاج العقليات، والرد على فرق الأمم ببراهين قوية وأدلة بينة، سهلة الألفاظ موجزة المقاصد، رام المتحذلقون بعدُ أن ينصبوا أدلة مثلها، فلم يقدروا عليها" انتهى من (الشفا: [1/390]).

فلم تشتمل نصوص الوحي على شيء تحيله العقول أو ترفضه، ولم تأت بمسألة تخالف بداهة عقلية أو تناقض قياسًا عقليًا ؛ بل ما جاء أهل الباطل بقياس لباطلهم إلا رده بالحق والبيان العقلي الواضح.

قال الله تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان:33].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "أخبر سبحانه أن الكفار لا يأتونه بقياس عقلي لباطلهم إلا جاءه الله تعالى بالحق، وجاءه من البيان والدليل وضرب المثل بما هو أحسن تفسيرًا، وكشفًا وإيضاحًا للحق من قياسهم" انتهى من (مجموع الفتاوى: [4/106]).

ومن الأمثلة على الأدلة العقلية في القرآن قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:82].
جاء في تفسير القرطبي: "إنه ليس من متكلم يتكلم كلامًا كثيرًا إلا وُجد في كلامه اختلاف كثير، إما في الوصف واللفظ؛ وإما في جودة المعنى، وإما في التناقض، وإما في الكذب، فأنزل الله عز وجل القرآن وأمرهم بتدبره؛ لأنهم لا يجدون فيه اختلافًا في وصف ولا ردًا له في معنى، ولا تناقضًا ولا كذبًا فيما يخبرون به من الغيوب وما يُسرّون" انتهى من (الجامع لأحكام القرآن: [5/290]).

وقال ابن كثير: "أي: لو كان مفتعلاً مختلقًا، كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم {لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} أي: اضطرابًا وتضادًّا كثيرًا؛ أي : وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله " انتهى من (تفسير القرآن العظيم: [1/802]).

ثالثًا: المعجزات ودلائل النبوة
إن الله تعالى قد أيد النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بالعديد من المعجزات والخوارق والآيات الحسية التي تدل على صدق نبوته وصحة رسالته كانشقاق القمر له، وتسبيح الطعام والحصى بين يديه، ونبوع الماء من بين أصابعه، وتكثيره للطعام ونحو ذلك من معجزات وآيات رآها وعاينها جمع غفير، ونقلت إلينا بالأسانيد الصحيحة التي وصلت إلى حد التواتر المعنوي الذي يفيد اليقين.

1- ومن ذلك ما صح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ، فَقَالَ: اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ قَالَ:  حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ وَالْبَرَكَةُ مِنْ اللَّهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ».

2. المباهلة -وهي الدعاء باللعنة بتضرع واجتهاد-
وقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم من وفد نصارى نجران المباهلة في عيسى عليهالصلاة والسلام وأنه عبدٌ نبي ليس إلهاً ولا ابن إله! فأبوا أن يباهلوه خوفاً من عاقبة كذبهم على الله تعالى وعلماً منهم بصدق النبي محمد صلى الله وسلم الذي يجدونه عندهم في التوراة والإنجيل أنه نبي آخر الزمان، فقد " جاء "العاقب" و "السيد" صاحبا "نجران" إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما: لا تفعل ! فوالله لئن كان نبيّاً فلاعنّا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا"، وهي حادثة تاريخية -أيضاً- يمكن للباحث في التاريخ أن يتأكد من صحتها، وقد ذكرها الله تعالى قد ذكرها في القرآن الكريم.

3. الإسراء والمعراج
وهي حادثة عجيبة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حيث أسري به من مكة إلى بيت المقدس ثم عُرج به إلى السماء فرأى فيها عجباً، وقد استغرقت الرحلة جزء يسيراً من الليل، فلمّا أعلن النبي صلى الله عليه وسلم للناس ما حصل معه كانت فرصة للمشركين لتكذيبه والطعن في نبوته ورسالته، وكل المشركين يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن رأى من قبل بيت المقدس فكانت فرصتهم في سؤاله عن أوصاف بيت المقدس! فجلاَّه له ربُّه تعالى فرآه رأي العين فصار يصفه لهم وهم في غاية الدهشة من ذلك.

4. انشقاق القمر
وهي حادثة تاريخية -أيضاً- وهي مدونة في القرآن الكريم ، فقد طلب الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية رأي العين، فانشق القمر أمامهم شقين فصار كل شق في جهة فقال لهم النبي صلى الله عليه سلم «اشْهَدُوا»، ومن المعلوم أن طلب آية عظيمة ثم حصولها لهم بعد ذلك من الله تعالى فيه أعظم دليل على صحة النبوة والرسالة للمطلوب منه ذلك. (أخرجه البخاري [3579]).

رابعًا : النبوءات
ويُقصد بالنبوءات هنا: ما أخبر به الوحي من أمور وأحداث تقع في المستقبل سواء في حياته النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو بعد مماته.

وما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من الأمور المستقبلية إلا وقع كما أخبر تمامًا، وهذا دليل على أن الله عز وجل قد أوحى إليه وأطلعه على أشياء من علم الغيب الذي لا يمكن الوصول إليه إلا بالوحي، ومن ذلك:

1. انتصار الروم على الفرس بعد هزيمتهم من قبَلهم أول الأمر.
قال الله تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ ...}  [الروم:2-4] إلى قوله تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم:6]
وكلمة "بِضع" في اللغة تدل على ما بين ثلاث وتسع، وقد جاء انتصار الروم على الفرس بعد سبع سنين من نزول الآية.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "وقوله تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ} أي : هذا الذي أخبرناك به - يا محمد -صلى الله عليه وسلم- مِن أنا سننصر الروم على فارس وعد من الله حق، وخَبَر صدق لا يُخلف، ولا بد من كونه ووقوعه" (تفسير ابن كثير: [6 / 305]).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي  رحمه الله تعالى: "وهذا من الأمور الغيبية التي أخبر بها اللّه تعالى قبل وقوعها ووجدت في زمان من أخبرهم اللّه تعالى بها من المسلمين والمشركين، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} أن ما وعد اللّه به حق فلذلك يوجد فريق منهم يكذبون بوعد الله، ويكذبون آياته" انتهى من (تفسير السعدي:ص 636).

2. انتصار المسلمين في معركة "بدر"
قال الله تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر:45].
قال القرطبي رحمه الله  تعالى: "وهذا مِن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر" انتهى من (تفسير القرطبي: 17 / 146).

وقال الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى: "وهذا بشارة لرسوله صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو يعلم أن الله منجز وعده، ولا يَزيد ذلك الكافرين إلا غروراً فلا يعيروه جانب اهتمامهم وأخذ العدة لمقاومته" انتهى من (التحرير والتنوير: [27 / 213]).

3. موت أبي لهب على الكفر
قال الله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ . مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ . سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ } [المسد:1-3].
وفي هذه الآيات إخبارٌ من الله تعالى أن عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم أبا لهب سيموت على الكفر ولن يدخل في الإسلام، وهو أمر غيبي أوحاه الله سبحانه لنبيِّه عليه الصلاة والسلام، وكان بإمكان أبي لهب أن يعلن إسلامه ليكذِّب هذا الخبر -ولو في الظاهر- لكنه لم يفعل، وقد أحدثت هذه الآيات وقعاً عظيماً على بعض الكفار الذين أرادوا البحث في القرآن عن أخطاء ليشككوا المسلمين بكتاب ربِّهم تعالى ، فأبهرتهم هذه الآية -من ضمن آيات كثيرة- فما كان من هذا الراغب بالتشكيك بالقرآن إلا أن يُعلن إسلامه ويصير من الدعاة للإسلام ، وهو الدكتور "جاري ميلر"، ومما قاله في صدد هذه الآيات: "هذا الرجل -أبو لهب- كان يكره الإسلام كرها شديداً لدرجة أنه كان يتبع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أينما ذهب ليقلل من قيمة ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم، إذا رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم إلى أناس غرباء فإنه ينتظر حتى ينتهي الرسول صلى الله عليه وسلم من كلامه ليذهب إليهم ثم يسألهم ماذا قال لكم محمد صلى الله عليه وسلم؟ لو قال لكم أبيض فهو أسود! ولو قال لكم ليل فهو نهار! والمقصد أنه يخالف أي شيء يقوله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ويشكك الناس فيه.

وقبل 10 سنوات من وفاة أبي لهب نزلت سورة في القرآن اسمها "سورة المسد"، هذه السورة تقرر أن أبا لهب سوف يذهب إلى النار، أي بمعنى آخر: أن أبا لهب لن يدخل الإسلام، وخلال عشر سنوات كاملة كل ما كان على أبي لهب أن يفعله هو أن يأتي أمام الناس ويقول: "أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول إني لن أسلم وسوف أدخل النار ولكني أعلن الآن أني أريد أن أدخل في الاسلام وأصبح مسلماً، الآن ما رأيكم هل  النبي محمد صلى الله عليه وسلم صادق فيما يقول أم لا؟ هل الوحي الذي يأتيه وحي إلهي؟"، لكنَّ أبا لهب لم يفعل ذلك تماما، رغم أن كل أفعاله كانت هي مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكنه لم يخالفه في هذا الأمر، يعني القصة كأنها تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأبي لهب أنت تكرهني وتريد أن تُنهيني؟ حسناً لديك الفرصة أن تنقض كلامي! لكنه لم يفعل خلال عشر سنوات كاملة! لم يسلم، ولم يتظاهر حتى بالإسلام! عشر سنوات كانت لديه الفرصة أن يهدم الاسلام بدقيقة واحدة! ولكن لأن الكلام هذا ليس كلام النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه وحي ممن يعلم الغيب ويعلم أن أبا لهب لن يسلم.

كيف للرسول محمد صلى الله عليه وسلم أن يعلم أن أبا لهب سوف يثبت ما في السورة، إن لم يكن هذا وحيا من الله؟ كيف يكون واثقا خلال عشر سنوات كاملة أن ما لديه حق لو لم يكن يعلم أنه وحي من الله تعالى؟ لكي يضع شخص هذا التحدي الخطير ليس له إلا معنى واحد "هذا وحي من الله سبحانه".

ثانياً:
ما قيل في القرآن يقال في السنَّة النبويَّة، فقد جاءت السنَّة بمسائل من الغيب أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم بوحي من ربِّه تعالى، وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم ، ومما ثبت في ذلك:

1. قوله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة رضي الله عنها: «وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ» (رواه البخاري [3426] ومسلم [2450]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وفي الحديث إخباره صلى الله عليه وسلم بما سيقع ، فوقع كما قال، فإنهم اتفقوا على أن فاطمة عليها السلام كانت أول مَن مات مِن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بعده حتى مِن أزواجه" انتهى من (فتح الباري: [8 / 136]).

2. عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ وَهْوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: «إِنَّ ابْنِى هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (رواه البخاري [3430]).

قال بدر الدين العيني رحمه الله تعالى: " قوله صلى الله عليه وسلم: «فئتين عظيمتين» ووصفهما بالعظيمتين لأن المسلمين كانوا يومئذ فِرقتين: فِرقة مع الحسن رضي الله تعالى عنه، وفرقة مع معاوية رضي الله تعالى عنه، وهذه معجزة عظيمة من النبي حيث أخبر بهذا فوقع مثل ما أخبر " انتهى من (عمدة القاري: [13 / 282]).

3. عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله تعالى عنه قَالَ: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ فَقَالَ: يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ  قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا قَالَ: فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ  قُلْتُ: فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى) قُلْتُ: كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ؟ قَالَ: كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ فَلَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَقُولُ أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ  قَالَ عَدِيٌّ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شِقَّةَ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ قَالَ عَدِيٌّ : فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ ، وَكُنْتُ فِيمَنْ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ)» (رواه البخاري [3400]).

وآخر الحديث عند أحمد في (مسند الإمام أحمد: [30 / 197]): "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَهَا".
(الحَيْرَة) بلد معروف قديما مجاور للكوفة.
(الظَّعِينَة) المرأة في الهودج.
والحديث واضح الدلالة فيما نحن فيه ، وقد تحققت النبوءة الثالثة في زمن الخليفةِ الراشدِ عمر بن عبد العزيز ، وقد ذكر الإمامُ البخاري هذا الحديثَ تحت باب "علامات النبوَّة في الإسلام".

4- ما رواه أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى» (أخرجه البخاري [7118]، ومسلم [2902]).

وقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر تمامًا في سنة 654هـ ، أي بعد وفاته بما يقرب من 644 سنة ، وقد ذكر ذلك المؤرخون ومنهم العلامة أبو شامة المقدسي في كتابه (ذيل الروضتين)، وهو من العلماء الذين عاصروا هذه الواقعة التاريخية، وكذلك الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية: [13/219]) حيث قال: "ثم دخلت سنة أربع وخمسين وستمائة فيها كان ظهور النار من أرض الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، كما نطق بذلك الحديث المتفق عليه، وقد بسط القول في ذلك الشيخ الإمام العلامة الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسي في كتابه الذيل وشرحه، واستحضره من كتب كثيرة وردت متواترة إلى دمشق من الحجاز بصفة أمر هذه النار التي شوهدت معاينة، وكيفية خروجها وأمرها.

وملخص ما أورده أبو شامة أنه قال: وجاء إلى دمشق كتب من المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، بخروج نار عندهم في خامس جمادى الآخرة من هذه السنة، وكتبت الكتب في خامس رجب، والنار بحالها، ووصلت الكتب إلينا في عاشر شعبان ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ورد إلى مدينة دمشق في أوائل شعبان من سنة أربع وخمسين وستمائة كتب من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيها شرح أمر عظيم حدث بها فيه تصديق لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» فأخبرني من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب.

قال : وكنا في بيوتنا تلك الليالي، وكان في دار كل واحد منا سراج، ولم يكن لها حر ولفح على عظمها، إنما كانت آية من آيات الله عز وجل" انتهى .

خامسًا: الشمائل والصفات
من أكبر الأدلة على صدق نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو شخصيته نفسها، وما تحلى به من مكارم الأخلاق وحسن الخصال وجميل الخلال وعظيم الصفات، حيث بلغ النبي صلى الله عليه وسلم درجة من الكمال البشري في حسن الصفات والأخلاق لا يمكن أن تكون إلا لنبي مرسل من عند الله تعالى، فما وُجد خلق حميد إلا دعا له وأمر به وحث عليه وعمل به، وما من خلق ذميم إلا نهى عنه وحذر منه، وكان أبعد الناس عنه؛ حتى بلغ اعتناؤه بالخلق درجة تعليل رسالته وبعثته بتقويم الأخلاق وإشاعة مكارمها، والعمل على إصلاح ما أفسدته الجاهلية منها ، فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ».

أخرجه أحمد (8739) وقال الهيثمي في (المجمع): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
وصحح العجلوني سنده في (كشف الخفا)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع:2349).
والمعجزة دليل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يقول للناس إنه مرسل من الله تعالى، فيتحداه بعضهم أن يبرهن على ذلك، فيؤيده الله عز وجل بالمعجزة، وهي الأمر الخارق للعادة، وقد تحصل له المعجزة من غير أن يتحداه أحد أو يكذبه، فتكون تثبيتاً لأتباعه.

سادسًا: جوهر الدعوة
فأصل دعوة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم تتلخص في بناء معتقدات صحيحة على أسس شرعية وعقلية سليمة، فهي دعوة إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده في إلهيته وربوبيته، فلا يستحق العبادة إلا إله واحد وهو الله سبحانه؛ لأنه رب هذا الكون وخالقه ومالكه ومدبّر شؤونه ومصرّف أموره والحاكم فيه بأمره، والذي يملك الضرّ والنفع، والذي يملك رزق كل المخلوقات، ولا يشاركه في ذلك أحد، ولا يكافئه أو يماثله أحد، فهو منزه سبحانه عن الشركاء والأنداد والأقران والأكفاء.

قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ.وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:1-4].
وقال الله سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110].

فدعوة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم دعوة تهدم الشرك بكل أشكاله، وتخلص الثقلين من كل ما عبد بالباطل؛ فلا عبادة للأحجار والكواكب والقبور، ولا للمال والشهوات والأهواء والسلاطين وطواغيت الأرض.
إنها دعوة جاءت لتحرّر البشرية من عبادة العباد ، وتخرجها من ذلّ الوثنيات وظلم الطواغيت ، وتخلصّها من أسر الشهوات والأهواء الجائرة.

إن هذه الدعوة المباركة تعد امتدادًا وتقريرًا لكل الرسالات الربانية السابقة الداعية للتوحيد؛ ولذلك دعا الإسلام إلى الإيمان بالأنبياء والرسل جميعًا، مع توقيرهم وتعظيمهم، والإيمان بما أنزل عليهم من الكتب، ودعوة كهذه لا ريب أنها الحق.

سابعًا : البشارات
فقد جاءت كتب الأنبياء مبشرة بدين الإسلام وبالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم أخبرنا بوجود بشارات واضحة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل، ولا يزال في كتب اليهود والنصارى -التوراة والإنجيل- بشارات تنبئ بقدومه وتبشّر برسالته وتعطي بعض أوصافه، على الرغم من محاولات الطمس والتحريف المستمرة لهذه البشارات.

قال الله تعالى في كتابه: {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين} [الصف:6]

وقال الله تعالى : {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} [الأعراف:157]، فهاتان الآيتان تدلان على أن النبي صلى الله عليه وسلم مذكور في التوراة والإنجيل، مهما أدعى اليهود والنصارى عدم ذلك، فإن كلام الله تعالى أحسن حديثًا، وأصدق قيلاً.

ومما وورد في الكتب السابقة ما يلي:
أولاً: جاء في التوراة في سفر التثنية الإصحاح الثامن عشر الفقرات 18و19: "يا موسى أني سأقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك أجعل كلامي فيه ويقول لهم ما أمره به والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه"، وهذا النص موجود عندهم الآن ، فقوله :"من إخوانهم"، لو كان منهم من بني إسرائيل لقال سأقيم لهم نبياً منهم، لكنه قال من إخوتهم أي أبناء إسماعيل عليه الصلاة والسلام.

ثانيًا: جاء في إنجيل يوحنا الإصحاح السادس عشر الفقرات 16-17: "إن خيراً لكم أن أنطلق لأني إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط فإذا انطلقت أرسلته إليكم فإذا جاء فهو يوبخ العالم على الخطيئة، وان لي كلاماً كثيراً أريد قوله ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي "، وهذا لا ينطبق إلا على النبي صلى الله عليه وسلم.

ثالثًا: قال ابن القيم رحمه الله: "قال في التوراة في السفر الخامس: "أقبل الله من سيناء، وتجلى من ساعير، وظهر من جبال فاران، ومعه ربوات الإظهار عن يمينه" وهذه متضمنة للنبوات الثلاثة: نبوة النبي موسى عليه الصلاة والسلام، ونبوة النبي عيسى عليه الصلاة والسلام، ونبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فمجيئه من "سينا": وهو الجبل الذي كلم الله تعالى عليه النبي موسى عليه الصلاة والسلام، ونبأه عليه إخبار عن نبوته، وتجليه من ساعير هو مظهر المسيح من بيت المقدس، و "ساعير": قرية معروفة هناك إلى اليوم، وهذه بشارة بنبوة المسيح عليه الصلاة والسلام.

"وفاران": هي مكة، وشبه سبحانه نبوة موسى بمجيء الصبح، ونبوة المسيح بعدها بإشراقه وضيائه ونبوة خاتم الأنبياء باستعلاء الشمس ، وظهور ضوءها في الآفاق، ووقع الأمر كما أخبر به سواء. فإن الله سبحانه صدع بنبوة موسى ليل الكفر فأضاء فجره بنبوته ، وزاد الضياء والإشراق بنبوة المسيح ، وكمل الضياء واستعلن وطبق الأرض بنبوة  الرسول محمد صلوات الله وسلامه عليهم، وذكر هذه النبوات الثلاثة التي اشتملت عليها هذه البشارة نظير ذكرها في أول سورة {والتين والزيتون ، وطور سينين ، وهذا البلد الأمين} ا.هـ (انظر هداية الحيارى ص 110، وما ذكره ابن القيم هو في العهد القديم سفر التثنية الإصحاح 33 فقرة 1).

رابعًا: ذكر الشيخ عبد المجيد الزنداني في كتابه (البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم في الكتب السماوية السابقة) أن إنجيل برنابا في الباب 22 جاء فيه: "وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله"، وجاء في سفر أشعيا: إني جعلت اسمك محمدًا يا محمد، يا قدوس الرب: اسمك موجود من الأبد، وجاء في سفر أشعيا: "وما أعطيته لا أعطيه لغيره، أحمد يحمد الله حمدا حديثا يأتي من أفضل الأرض، فتفرح به البرية، ويوحدون على كل شرف، ويعظمونه على كل رابية " انتهى.

وقد ذكر العلماء العديد من المواضع التي ذكر فيها اسم النبي صلى الله عليه وسلم، مرة بذكر اسمه الصريح، ومرة بذكر وصف لا ينطبق إلا عليه صلى الله عليه وسلم.

واعلم أنه قد طرأ تغيير على الكتب الموجودة الآن من التوراة والإنجيل وحدث تغيير فيها، وقد ذكر المؤرخون من غير المسلمين هذا الأمر، لكن مع ذلك كله لازلنا نجد في التوراة والإنجيل التبشير بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الشيخ رحمة الله الهندي أن النصارى كلما استطاعوا تحريف موضع حرفوه، ولذلك تجد بعض العلماء القدامى يذكرون مواضع في التوراة والإنجيل ليست موجودة الآن، لكن هناك مواضع أخرى لا زالت تبشر بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم وقدومه.

ثامنًا: القرآن الكريم
وهو أعظم المعجزات وأجل الآيات وأظهر البينات، وهو حجة الله تعالى البالغة على خلقه إلى يوم القيامة، وقد اشتمل على وجوه متعددة من الإعجاز مثل: الإعجاز البياني، والإعجاز العلمي، والإعجاز التشريعي، والإخبار بالأمور المستقبلية والغيبية.

أما عن المقصود بقوله تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} [الطور:34]، فهو رد على من زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم تقوَّل القرآن من نفسه، فتحداهم القرآن أن يأتوا بمثله إن كانوا صادقين في زعمهم؛ لأن لازم هذا الادعاء أن هذا في مقدور البشر، فلو كان ذلك صحيحا، فما الذي يمنعهم من الإتيان بمثله وهم أرباب الفصاحة وأساطين البلاغة؟

وقد تحدى الله سبحانه الكفار أن يأتوا بمثله فعجزوا، كما أخبر القرآن الكريم: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء:88].

وتحداهم الله سبحانه أن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين} [هود:13].

وتحداهم الله سبحانه أن يأتوا بسورة واحدة من مثله فعجزوا: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:23].

أما وجه الإعجاز الذي وقع به التحدي فقد اختلف فيه العلماء على أقوال أظهرها كما قال الألوسي: "أن القرآن بجملته وأبعاضه حتى أقصر سورة منه معجز بالنظر إلى نظمه وبلاغته، وإخباره عن الغيب، وموافقته لقضية العقل ودقيق المعنى، وقد تظهر كلها في آية، وقد يستتر البعض كالإخبار عن الغيب، ولا ضير ولا عيب، فما يبقى كاف وفي الغرض واف" انتهى من (روح المعاني: 1/29).

والله تعالى أعلى وأعلم.

  • 12
  • 0
  • 23,016
المقال السابق
(30) الجهاد في الإسلام
المقال التالي
(32) الموت وحسن الخاتمة

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً