المستبد في كل عصر ومصر[2]

منذ 2016-09-25

لابد للحق من قوة تحميه من سطوة المستبد فحينما يري الظالم قوتك يرتدع عن غيه،

سلمية الصراع لا تعني الاستكانة والخنوع 

كانت كلمة الحق التي أبطلت حجة الباطل مع سلمية الدعوة بمكة سبيل الدعوة في حينه، ولما تمادى الباطل في غيه بعد الهجرة  كان ولابد لذاك الحق من قوة تحميه من بطشة المستبد فجاء الإذن بالقتال بغير فرضية قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج:39]، وأنزلت هذه الآية ضمن آيات أرشدتهم إلى أن هذا الإذن إنما هو لإزاحة الباطل الذي يحول بين بلوغ النور للناس، وإقامة شعائر الله، قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج:41]، وإزاء تلك المكائد وهذه الإخطار الداخلية والخارجية كان لابد من إظهار المسلمين لقوتهم، وأن تشعر العرب أن هذه الدولة الوليدة لها أنياب تفتك بمن عاداها؛ فكان من حكمة النبي تأمين الجبهة الداخلية بعقد المصالحة بين الأوس والخزرج، ونشر روح الإخاء بين المهاجرين والأنصار، وتأمين الجبهة الخارجية بإعلان سيادة المدينة على حدودها، وبسط السيطرة على طريق التجارة؛ فكانت المناورات العسكرية ودوريات الاستطلاع تجوب حدود المدينة، فلابد للحق من قوة تحميه من سطوة المستبد فحينما يري الظالم قوتك يرتدع عن غيه،

ولكنها قريش بقوتها المادية ومكانتها السيادية انظر إلى عتادها وعدتها؛ فكان من الحكمة أن يبسط المسلمون سيطرتهم على طريق قريش التجاري من مكة إلى الشام، واختار رسول الله صلّى الله عليه وسلم لبسط هذه السيطرة خطتين متوازيتين:

الأولى: عقد معاهدات الحلف أو عدم الاعتداء مع القبائل التي كانت مجاورة لهذا الطريق، أو كانت تقطن ما بين هذا الطريق وما بين المدينة مثل معاهدته صلّى الله عليه وسلم مع اليهود، ومع جهينة قبل الأخذ في النشاط العسكري، وكانت مساكنهم على ثلاثة مراحل من المدينة.

الثانية: إرسال البعوث واحدة تلو الأخرى إلى هذا الطريق فكانت الغزوات والسرايا قبل بدر، وبدأ المسلمون في النشاط العسكري فعلا بعد نزول الإذن بالقتال، وقاموا بحركات عسكرية هي أشبه بالدوريات الاستطلاعية قبل غزوة بدر الكبرى قام المسلمون بأربع غزوات وأربع سرايا، وكان الهدف هو:
 الاستكشاف والتعرف على الطرق المحيطة بالمدينة والمسالك المؤدية إلى مكة، وعقد المعاهدات مع القبائل التي مساكنها على هذه الطرق، وإشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها بأن المسلمين أقوياء، وأنهم تخلصوا من ضعفهم القديم، وإنذار قريش عقبى طيشها حتى تفيق عن غيها الذي لا تزال تتوغل في أعماقه، ولعلها تشعر بتفاقم الخطر على اقتصادها وأسباب معايشها؛ فتجنح إلى السلم، وتمتنع عن إرادة قتال المسلمين في عقر دارهم، وعن الصد عن سبيل الله، وعن تعذيب المستضعفين من المؤمنين في مكة، حتى يصير المسلمون أحرارا في إبلاغ رسالة الله في ربوع الجزيرة[1]، 

1- سرية سيف البحر رمضان سنة 1 هـ. الموافق سنة 623 م بقيادة حمزة بن عبد المطلب مع ثلاثين رجلا من المهاجرين يعترض عيرا لقريش جاءت من الشام بقيادة أبو جهل بن هشام ومعه ثلاثمائة رجل تدخل مجدي بن عمرو الجهني- وكان حليفا للفريقين جميعا- بين هؤلاء وهؤلاء، حتى حجز بينهم، فلم يقتتلوا. 
2- سرية رابغ شوال سنة 1 من الهجرة- أبريل سنة 623 م بقيادة عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين راكبا من المهاجرين يعترضون أبا سفيان ومعه مائتين وترامى الفريقان بالنبل، ولم يقع قتال،
3- سرية الخرّار ذي القعدة سنة 1 هـ الموافق مايو سنة 623 م بقيادة سعد بن أبي وقاص مع عشرين راكبا يعترضون عيرا لقريش، وعهد إليه أن لا يجاوز الخرار فخرجوا مشاة يكمنون بالنهار ويسيرون بالليل حتى بلغوا الخرار صبيحة خمس، فوجدوا العير قد مرت بالأمس.
4- غزوة الأبواء أو ودان صفر سنة 2 هـ الموافق أغسطس سنة 623 م خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا من المهاجرين فلم يلق كيدا فعقد معاهدة حلف مع عمرو بن مخشي الضمري.
5- غزوة بواط ربيع الأول سنة 2 هـ سبتمبر سنة 623 م خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائتين يعترضون عيرا لقريش بقيادة أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمائة بعير ولم يلق كيدا.
6- غزوة سفوان بدر الأولى شهر ربيع الأول سنة 2 هـ سبتمبر سنة 623 م خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا لمطاردة كرز بن جابر الفهري ولم يدرك كرزا وأصحابه، فرجع من دون حرب.
7 غزوة ذي العشيرة جمادي الأولى، وجمادي الآخرة سنة 2 هـ الموافق نوفمبر وديسمبر سنة 623 م خرج النبي صلى الله عليه وسلم في خمسين ومائة ويقال: في مائتين، من المهاجرين على ثلاثين بعيرا يعتقبونها يعترضون عيرا لقريش ذاهبة إلى الشام فوجد العير قد فاتته بأيام، وهذه هي العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، فصارت سببا لغزوة بدر الكبرى
8- . سرية نخلة رجب سنة 2 هـ الموافق يناير سنة 624 م بقيادة عبد الله بن جحش الأسدي في اثني عشر رجلا من المهاجرين كل اثنين يعتقبان على بعير خرجوا لرصد عيرا لقريش، وجمع الأخبار، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفلت نوفل، ثم قدموا بالعير والأسيرين إلى المدينة.

الملاحظ في هذه السرايا والغزوات أنها خلت من الدماء وأنها اعتمدت على إظهار القوة وإن كان عدد القوة الضاربة في كل غزوة أو سرية أقل بكثير من قوى المشركين في العتاد والعدة إلا أن الفارق كان في قوة الإيمان، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجبر أحدا على الخروج وكان الأمر بالخيار، وكذلك كانت السرايا والغزوات من المهاجرين، وأن هناك غزوة وسرية فارقتان في الصراع:

الأولى غزوة سفوان: في هذه الغزوة أغار كرز بن جابر الفهري في قوات خفيفة من المشركين على مراعي المدينة، ونهب بعض المواشي، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا من أصحابه لمطاردته حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر، ولكنه لم يدرك كرزا وأصحابه، فرجع من دون حرب، وهذه الغزوة تسمى بغزوة بدر الأولى.

الثانية سرية نخلة: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة في اثني عشر رجلا من المهاجرين، كل اثنين يعتقبان على بعير، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم كتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه. فسار عبد الله ثم قرأ الكتاب بعد يومين فإذا فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها عير قريش، وتعلم لنا من أخبارهم» فقال: سمعا وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك، وأنه لا يستكرههم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، وأما أنا فناهض، فنهضوا كلهم، غير أنه لما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه.
وسار عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة، وفيها عمرو بن الحضرمي وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة، فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب، الشهر الحرام، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اجتمعوا على اللقاء، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله وأسروا عثمان والحكم وأفلت نوفل، ثم قدموا بالعير والأسيرين إلى المدينة، وقد عزلوا من ذلك الخمس، وهو أول خمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام.
وأنكر رسول الله صلّى الله عليه وسلم ما فعلوه، وقال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» ، ووقف التصرف في العير والأسيرين[2]، وبعد ذلك أطلق رسول الله صلّى الله عليه وسلم سراح الأسيرين، وأدى دية المقتول إلى أوليائه [3]. 
تلكم السرايا والغزوات قبل بدر، لم يجر في واحدة منها سلب الأموال وقتل الرجال، إلا بعد ما ارتكبه المشركون في قيادة كرز بن جابر الفهري، فالبداية إنما هي من المشركين مع ما كانوا قد أوتوه قبل ذلك من الأفاعيل وفي ذلك رد قاطع على شبهة المشككين من المستشرقين وأعداء الدين.
وبعد وقوع ما وقع في سرية عبد الله بن جحش تحقق خوف المشركين، وتجسد أمامهم الخطر الحقيقي، ووقعوا فيما كانوا يخشون الوقوع فيه، وعلموا أن المدينة في غاية من التيقظ والتربص، تترقب كل حركة من حركاتهم التجارية، وأن المسلمين يستطيعون أن يزحفوا إلى ثلاثمائة ميل.

إعلام الإفك يثير الشبهات
وكحال الأعلام الماجن في كل عصر يبدل الحق زورا وجد المشركون فيما حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم الله، وكثر في ذلك القيل والقال حتى نزل الوحي حاسما هذه الأقاويل، وأن ما عليه المشركون أكبر وأعظم مما ارتكبه المسلمون: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:217]، فقد صرح الوحي بأن الضجة التي افتعلها المشركون لإثارة الربية في سيرة المقاتلين المسلمين لا مساغ لها، فإن الحرمات المقدسة قد انتهكت كلها في محاربة الإسلام، واضطهاد أهله، ألم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام حين تقرر سلب أموالهم وقتل نبيهم؟ فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأة، فأصبح انتهاكها معرة وشناعة؟! لا جرم أن الدعاية التي أخذ ينشرها المشركون دعاية تبتنى على وقاحة ودعارة[4]. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (الرحيق المختوم).
(2) (ابن كثير (البداية والنهاية [3/247])، (الألباني ( فقه السيرة [215] سنده صحيح مرسلا).
(3) (الرحيق المختوم).
(4) (الرحيق المختوم).

 

المصدر: فريق عمل طريق الاسلام

محسن العزازي

كاتب إسلامي

  • 5
  • 0
  • 3,106

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً