دليل المسلم الجديد - [41] الزي الإسلامي للمرأة

منذ 2016-10-15

شرح ميسر لكل ما يتعلق بالزي الإسلامي للمرأة مع بيان الأدلة الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية.

الزي الإسلامي للمرأة
الحمد لله
قال الشيخ محمد صالح المنجد:
الحجاب في اللغة: الستر، والحجاب: اسم ما احتجب به، وكل ما حال بين شيئين فهو حجاب.
والحجاب: كل ما يستر المطلوب ويمنع من الوصول إليه كالستر والبواب والثوب ... ألخ.
والخمار: من الخمر، وأصله الستر، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خمروا آنيتكم »، وكل ما يستر شيئا فهو خماره.
لكن الخمار صار في العرف اسما لما تغطي به المرأة رأسها، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للخمار في بعض الإطلاقات عن المعنى اللغوي.
ويعرفه بعض الفقهاء بأنه ما يستر الرأس والصدغين أو العنق.
والفرق بين الحجاب والخمار أن الحجاب ساتر عام لجسم المرأة، أما الخمار فهو في الجملة ما تستر به المرأة رأسها.
النِّقاب - بكسر النون -: ما تنتقب به المرأة، يقال: انتقبت المرأة، وتنقبت: غطت وجهها بالنقاب.
والفرق بين الحجاب والنقاب: أن الحجاب ساتر عام، أما النقاب فساتر لوجه المرأة فقط.
وأما زي المرأة الشرعي فهو الذي يغطي رأسها ووجهها وجسمها كاملاً.
إلا أن النقاب أو البرقع - والذي تظهر منه عيون المرأة - قد توسعت النساء في استعماله وأساءت بعضهن في لبسه، مما جعل بعض العلماء يمنع من لبسه لا على أنه غير شرعي في الأصل، بل لسوء استعماله وما آل إليه الحال من التساهل والتفريط واستعمال أشكال جديدة من النقاب غير شرعية تشتمل على توسيع فتحتي العينين حتى يظهر منهما الخدّ والأنف وشيء من الجبهة.
وعليه: فإذا كان نقاب المرأة أو برقعها لا يظهر منهما إلا العين وتكون الفتحة على قدر العين اليسرى كما ورد عن بعض السلف فإن ذلك جائز، وإلا فإن عليها أن تلبس ما يغطي وجهها بالكامل.
قال الشيخ محمد  الصالح العثيمين رحمه الله تعالى:
الحجاب الشرعي: هو حجب المرأة ما يحرم عليها إظهاره، أي : سترها ما يجب عليها ستره، وأولى ذلك وأوله: ستر الوجه؛ لأنه محل الفتنة ومحل الرغبة.
فالواجب على المرأة أن تستر وجهها عن من ليسوا بمحارمها … فعلم بهذا أن الوجه أولى ما يجب حجابه، وهناك أدلة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة وأقوال أئمة الإسلام وعلماء الإسلام تدل على وجوب احتجاب المرأة في جميع بدنها على من ليسوا بمحارمها.
(فتاوى المرأة المسلمة:1 / 391 ، 392).
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى:
الصحيح الذي تدل عليه الأدلة: أن وجه المرأة من العورة التي يجب سترها، بل هو أشد المواضع الفاتنة في جسمها؛ لأن الأبصار أكثر ما توجه إلى الوجه، فالوجه أعظم عورة في المرأة، مع ورود الأدلة الشرعية على وجوب ستر الوجه.
من ذلك : قول الله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن} [النور:31]، فضرب الخمار على الجيوب يلزم منه تغطية الوجه.
ولما سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن قول الله تعالى: {يدنين عليهن من جلابيبهن} [الأحزاب:59]، غطى وجهه وأبدى عيناً واحدةً، فهذا يدل على أن المراد بالآية: تغطية الوجه، وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لهذه الآية كما رواه عنه عَبيدة السلماني لما سأله عنه.
ومن السنة أحاديث كثيرة، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى المحرمة أن تنتقب وأن تلبس البرقع"، فدل على أنها قبل الإحرام كانت تغطي وجهها.
وليس معنى هذا أنها إذا أزالت البرقع والنقاب حال الإحرام أنها تبقي وجهها مكشوفاً عند الرجال الأجانب، بل يجب عليها ستره بغير النقاب وبغير البرقع ، بدليل حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم محرمات، فكنا إذا مرَّ بنا الرجال سدلت إحدانا خمارها من على رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه".
فالمحرمة وغير المحرمة يجب عليها ستر وجهها عن الرجال الأجانب؛ لأن الوجه هو مركز الجمال، وهو محل النظر من الرجال ... ، والله تعالى أعلم . (فتاوى المرأة المسلمة : 1 / 396 ، 397).
وقال أيضاً:
لا بأس بستر الوجه بالنقاب أو البرقع الذي فيه فتحتان للعينين فقط؛ لأن هذا كان معروفاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن أجل الحاجة، فإذا كان لا يبدو إلا العينان فلا بأس بذلك، خصوصاً إذا كان من عادة المرأة لبسه في مجتمعها .
(فتاوى المرأة المسلمة: 1 / 399).

والله تعالى أعلى وأعلم.

شروط الزي الإسلامي للمرأة
الحمد لله
قال الشيخ الألباني، رحمه الله تعالى:
شروط الحجاب:
أولا: استيعاب جميع البدن إلا ما استثني
فهو في قول الله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما}.
ففي الآية الأولى التصريح بوجوب ستر الزينة كلها وعدم إظهار شيء منها أمام الأجانب إلا ما ظهر بغير قصد منهن فلا يؤاخذن عليه إذا بادرن إلى ستره .
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره:
أي: لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كالرداء والثياب يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه لأن هذا لا يمكن إخفاؤه.


ثانيا: أن لا يكون زينة في نفسه
لقول الله تعالى: {ولا يبدين زينتهن} فإنه بعمومه يشمل الثياب الظاهرة إذا كانت مزينة تلفت أنظار الرجال إليها ويشهد لذلك قول الله تعالى: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} } [الأحزاب:33]، وقوله صلى الله عليه وسلم : «ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤونة الدنيا فتبرجت بعده فلا تسأل عنهم».  أخرجه الحاكم (1/119) وأحمد (6/19) من حديث فضالة بنت عبيد رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين وسنده صحيح وهو في  (الأدب المفرد).


ثالثا: أن يكون صفيقا لا يشف

فلأن الستر لا يتحقق إلا به، وأما الشفاف فإنه يزيد المرأة فتنة وزينة، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العنوهن فإنهن ملعونات»  زاد صلى الله عليه وسلم في حديث آخر : «لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا ». رواه مسلم من رواية أبي هريرة  رضي الله تعالى عنهم.
قال ابن عبد البر  رحمه الله تعالى:  أراد صلى الله عليه وسلم النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف لا يستر فهن كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة . نقله السيوطي في (تنوير الحوالك:3/103).


رابعا: أن يكون فضفاضا غير ضيق فيصف شيئا من جسمها
فلأن الغرض من الثوب إنما هو رفع الفتنة ولا يحصل ذلك إلا بالفضفاض الواسع، وأما الضيق فإنه وإن ستر لون البشرة فإنه يصف حجم جسمها أو بعضه ويصوره في أعين الرجال وفي ذلك من الفساد والدعوة إليه ما لا يخفى فوجب أن يكون واسعا وقد قال أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهم: " كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال: «ما لك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي، فقال: مرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها» " أخرجه الضياء المقدسي في (الأحاديث المختارة:1/441) وأحمد والبيهقي بسند حسن.


خامسا : أن لا يكون مبخرا مطيبا 

لأحاديث كثيرة تنهى النساء عن التطيب إذا خرجن من بيوتهن، ونحن نسوق الآن بين يديك ما صح سنده منها :
1-عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية»
2-عن زينب الثقفية رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيبا».
3-عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة».
4-عن موسى بن يسار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم: " أن امرأة مرت به تعصف ريحها فقال: يا أمة الجبار المسجد تريدين؟ قالت: نعم ، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «ما من امرأة تخرج إلى المسجد تعصف ريحها فيقبل الله منها صلاة حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل».
ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث على ما ذكرنا العموم الذي فيها فإن الاستعطار والتطيب كما يستعمل في البدن يستعمل في الثوب أيضاً لا سيما وفي الحديث الثالث ذكر البخور فإنه للثياب أكثر استعمالاً وأخص.
وسبب المنع منه واضح وهو ما فيه من تحريك داعية الشهوة وقد ألحق به العلماء ما في معناه كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة وكذا الاختلاط بالرجال ، انظر (فتح الباري:2/279) .
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: وفيه حرمة التطيب على مريدة الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال . نقله المناوي في (فيض القدير) في شرح الحديث الأول لأبي هريرة  رضي الله تعالى عنه.


سادساً: أن لا يشبه لباس الرجل
فلما ورد من الأحاديث الصحيحة في لعن المرأة التي تشبه بالرجل في اللباس أو غيره، وإليك ما نعلمه منها :
1. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل».
2. عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس منا من تشبه بالرجال من النساء، ولا من تشبه بالنساء من الرجال».
3. عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم قال: «لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء ، وقال: أخرجوهم من بُيُوتِكُمْ، وقال: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلاناً، وأخرج عمر فلاناً»  وفي لفظ آخر: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال».
4. عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق والديه والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال والديوث».
5. عن ابن أبي مليكة -واسمه عبد الله بن عبيد الله- قال قيل لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: إن المرأة تلبس النعل؟ فقالت: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجلة من النساء».
وفي هذه الأحاديث دلالة واضحة على تحريم تشبه النساء بالرجال، وعلى العكس، وهي عادة تشمل اللباس وغيره إلا الحديث الأول فهو نص في اللباس وحده.


سابعاً: أن لا يشبه لباس الكافرات 
فلما تقرر في الشرع أنه لا يجوز للمسلمين رجالاً ونساءً التشبه بالكفار سواء في عباداتهم أو أعيادهم أو أزيائهم الخاصة بهم وهذه قاعدة عظيمة في الشريعة الإسلامية خرج عنها اليوم   - مع الأسف - كثير من المسلمين حتى الذين يعنون منهم بأمور الدين والدعوة إليه جهلاً بدينهم أو تبعاً لأهوائهم أو انجرافاً مع عادات العصر الحاضر وتقاليد أوروبا الكافرة حتى كان ذلك من أسباب تأخر المسلمين وضعفهم وسيطرة الأجانب عليهم واستعمارهم {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ}.
  وينبغي أن يعلم أن الأدلة على صحة هذه القاعدة المهمة كثيرة في الكتاب والسنة وإن كانت أدلة الكتاب مجملة فالسنة تفسرها وتبينها كما هو شأنها دائماً.


ثامناً: أن لا يكون لباس شهرة
فلحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ثم ألهب فيه ناراً». (حجاب المرأة المسلمة: ص 54 - 67).

والله تعالى أعلى وأعلم.

وفيما يتعلق بلون الزي الإسلامي للمرأة جاء في (فتاوى الجنة الدائمة:17/100):
لا يجوز للمرأة أن تخرج بثوب مزخرف يلفت الأنظار ، لأن هذا مما يغري بها الرجال ، ويفتنهم عن دينهم ، وقد يعرضها لانتهاك حرمتها اهـ .
وجاء فيها أيضاً (17/108):
لباس المرأة المسلمة ليس خاصاً باللون الأسود، ويجوز لها أن تلبس أي لون من الثياب إذا كان ساتراً لعورتها، وليس فيه تشبه بالرجال، وليس ضيقاً يحدد أعضاءها، ولا شفافا يشف عما وراءه، ولا مثيراً للفتنة اهـ .
وجاء فيها أيضاً (17/109):
لبس السواد للنساء ليس بمتعين، فلهن لبس ألوان أخرى مما تختص به النساء، لا تلفت النظر، ولا تثير فتنة اهـ .
وقد اختارت كثير من النساء لبس السواد لا لكونه واجباً، وإنما لكونه أبعد عن الزينة، وقد ورد ما يدل على أن نساء الصحابة كن يلبسن السواد ، روى أبو داود (4101) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ: "لَمَّا نَزَلَتْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ خَرَجَ نِسَاءُ الأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ مِنْ الأَكْسِيَةِ". صححه الألباني في (صحيح أبي داود).
وقالت اللجنة الدائمة (17/110): وهو يوحي بأن ذلك اللباس أسود اللون اهـ.
والله تعالى أعلى وأعلم.


عورة المرأة أمام النساء والمحارم
الحمد لله
أولا:
عورة المرأة أمام محارمها كالأب والأخ وابن الأخ هي بدنها كله إلا ما يظهر غالبا كالوجه والشعر والرقبة والذراعين والقدمين، قال الله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور:31].
فأباح الله تعالى للمرأة أن تبدي زينتها أمام بعلها (زوجها) ومحارمها، والمقصود بالزينة مواضعها، فالخاتم موضعه الكف، والسوار موضعه الذراع، والقرط موضعه الأذن، والقلادة موضعها العنق والصدر، والخلخال موضعه الساق.
قال أبو بكر الجصاص رحمه الله تعالى في تفسيره: " ظاهره يقتضي إباحة إبداء الزينة للزوج ولمن ذكر معه من الآباء وغيرهم ، ومعلوم أن المراد موضع الزينة وهو الوجه واليد والذراع ...فاقتضى ذلك إباحة النظر للمذكورين في الآية إلى هذه المواضع ، وهي مواضع الزينة الباطنة ؛ لأنه خص في أول الآية إباحة الزينة الظاهرة للأجنبيين ، وأباح للزوج وذوي المحارم النظر إلى الزينة الباطنة . وروي عن ابن مسعود والزبير : القرط والقلادة والسوار والخلخال ...
وقد سوى في ذلك بين الزوج وبين من ذكر معه ، فاقتضى عمومه إباحة النظر إلى مواضع الزينة لهؤلاء المذكورين كما اقتضى إباحتها للزوج " انتهى .
وقال البغوي رحمه الله تعالى: " قوله تعالى : {ولا يبدين زينتهن} أي: لا يظهرن زينتهن لغير محرم، وأراد بها الزينة الخفية، وهما زينتان خفية وظاهرة، فالخفية: مثل الخلخال، والخضاب في الرِّجْل، والسوار في المعصم، والقرط والقلائد، فلا يجوز لها إظهارها، ولا للأجنبي النظر إليها، والمراد من الزينة موضع الزينة " انتهى .
وقال في (كشاف القناع:5/11): "ولرجل أيضا نظر وجه ورقبة ويد وقدم ورأس وساق ذات محارمه . قال القاضي على هذه الرواية: يباح ما يظهر غالبا كالرأس واليدين إلى المرفقين" انتهى .
وهؤلاء المحارم متفاوتون في القرب وأمن الفتنة ، ولهذا تبدي المرأة لأبيها ما لا تبديه لولد زوجها ، قال القرطبي رحمه الله تعالى: "لما ذكر الله تعالى الأزواج وبدأ بهم ثنّى بذوي المحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة، ولكن تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر ، فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها. وتختلف مراتب ما يُبدى لهم ، فيبدى للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج" انتهى .
ثانيا:
المقرر عند الفقهاء أن عورة المرأة مع المرأة هي ما بين السرة والركبة، سواء كانت المرأة أما أو أختا أو أجنبية عنها، فلا يحل لامرأة أن تنظر من أختها إلى ما بين السرة والركبة إلا عند الضرورة أو الحاجة الشديدة كالمداواة ونحوها.
وهذا لا يعني أن المرأة تجلس بين النساء كاشفة عن جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة، فإن هذا لا تفعله إلا المتهتكات المستهترات، أو الفاسقات الماجنات، فلا ينبغي أن يساء فهم.
قول الفقهاء: "العورة ما بين السرة والركبة" فإن كلامهم ليس فيه أن هذا هو لباس المرأة، الذي تداوم عليه، وتظهر به بين أخواتها وقريناتها، فإن هذا لا يقره عقل، ولا تدعو إليه فطرة.
بل لباسها مع أخواتها وبنات جنسها ينبغي أن يكون ساترا سابغا، يدل على حيائها ووقارها، فلا يبدو منه إلا ما يظهر عند الشغل والخدمة، كالرأس والعنق والذراعين والقدمين، على نحو ما ذكرنا في مسألة المحارم.

والله تعالى أعلى وأعلم.

الزي الإسلامي للمرأة في الصلاة
الحمد لله
الزي الشرعي للمرأة في الصلاة هو كلُ لباسٍ ساترٍِ لجميع بدنها عدا الوجه والكفين، ويكون واسعاً فضفاضاً، بحيث لا يحدد شيئاً من أعضائها.
ويدل على اشتراط كون لباس المرأة ساتراً لجميع بدنها في الصلاة : حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها لمَّا سُئِلت عما تصلي فيه المرأة من الثياب ، فقالت : "تُصَلِّي فِي الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ السَّابِغِ الَّذِي يُغَيِّبُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا" رواه أبو داود (639). وقد روي مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر في (بلوغ المرام: ص40) : وصحح الأئمة وقفه. وقال ابن تيمية: المشهور أنه موقوف على أم سلمة إلا أنه في حكم المرفوع (شرح كتاب الصلاة من العمدة:ص 365) .
وقوله صلى الله عليه وسلم : «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ حَائِضٍ إِلا بِخِمَارٍ» رواه أبو داود (641) والترمذي (377) وابن ماجة (655) وصححه الألباني في (صحيح الجامع:7747) .
وقوله ‏(‏حائض‏)‏ المراد بالحائض: البالغة أي بلغت الحيض.
والخمار: ما تغطي به المرأة رأسها.
والدرع: قميص المرأة الذي يغطي بدنها ورجلها ويقال له : سابغ إذا طال من فوق إلى أسفل .
وانظر : (عون المعبود شرح سنن أبي داود).
فلا بد في اللباس أن يكون ساتراً لجميع البدن عدا الوجه، واختلف العلماء في وجوب ستر المرأة للكفين والقدمين في الصلاة:
أما الكفان: فذهب الجمهور إلى عدم وجوب سترهما، وعن الإمام أحمد فيهما روايتان، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية عدم الوجوب، وقال في الإنصاف: وهو الصواب.
وأما القدمان : فالجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة على وجوب سترهما، وهو الذي عليه فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء (6/178) .
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى:
"أما المرأة فكلها عورة في الصلاة إلا وجهها واختلف العلماء في الكفين: فأوجب بعضهم سترهما، ورخص بعضهم في ظهورهما، والأمر فيهما واسع إن شاء الله تعالى، وسترهما أفضل خروجاً من خلاف العلماء في ذلك، أما القدمان: فالواجب سترهما في الصلاة عند جمهور أهل العلم " انتهى.
(مجموع فتاوى ابن باز:10/410).
وذهب الإمام أبو حنيفة والثوري والمزني إلى جواز كشف المرأة قدميها في الصلاة ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ، والمرداوي في الإنصاف .
وقال الشيخ ابن عثيمين في (الشرح الممتع:2/161) :
" وليس هناك دليل واضح على هذه المسألة، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الحرة عورة إلا ما يبدو منها في بيتها وهو الوجه والكفان والقدمان. وقال : إن النساء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كُنَّ في البيوت يَلْبَسْن القُمُص ، وليس لكل امرأة ثوبان ، ولهذا إذا أصاب دم الحيض الثوب غسلته وصلت فيه ، فتكون القدمان والكفان غير عورة في الصلاة ، لا في النظر ، وبناء على أنه ليس هناك دليل تطمئن إليه النفس في هذه المسألة فأنا أقلد شيخ الإسلام فيها، وأقول: إن هذا هو الظاهر، إن لم نجزم به، لأن المرأة حتى وإن كان لها ثوب يضرب على الأرض فإنها إذا سجدت سوف يظهر باطن قدميها " انتهى .
وانظر : (المغني:1/349) ، (المجموع:3/171) ، (بدائع الصنائع:5/121) ، (الإنصاف:1/452) ، (مجموع الفتاوى لابن تيمية: 22/114) .
وإذا كان الثوب خفيفاً بحيث يشف عما تحته ، ويظهر من ورائه لون الجلد فإنه لا يعتبر ساترا .
(روضة الطالبين للنووي:1/284) ، (المغني:2/286) .
ويدل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا : قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ» . . . الحديث. رواه مسلم (2128) .
وقوله : «كاسيات عاريات» قال النووي في (المجموع:4/3998) : "قيل: تلبس ثوباً رقيقاً يصف لون بدنها، وهو المختار" انتهى.
وقال ابن عبد البر في (التمهيد:13/204): "وأما معنى قوله : «كاسيات عاريات » فإنه أراد اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر ، فهن كاسيات بالاسم ، عاريات في الحقيقة " انتهى .
ويدل على كونه واسعاً فضفاضاً: حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كساني قُبطية مما أهداه له دحية الكلبي ، فكسوتها امرأتي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مالك لا تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي . فقال: مرها فلتجعل تحتها غلالة إني أخاف أن تصف حجم عظامها». رواه البيهقي في (السنن الكبرى:2/234) وحسنه الألباني في (جلباب المرأة المسلمة:ص 131).
والقبطية ثياب كتان بيض رقاق تعمل بمصر . (لسان العرب:7/373) .
والغلالة ثياب تلبس تحت الثياب.
وعلى هذا فلا يجوز للمرأة أن تلبس ثياباً ضيقة تحدد عورتها ، كالبنطلون .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
"حتى وإن كان واسعاً فضفاضاً ، لأن تميز رِجْل عن رِجْل يكون به شيء من عدم الستر، ثم إنه يخشى أن يكون ذلك من تشبه النساء بالرجال، لأن البنطال من ألبسة الرجال" انتهى . (مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين:12/286) .

أما عن صحة الصلاة، إن خالفت وصلت بهذه الثياب الضيقة، فإنها صحيحة، لأن الواجب عليها ستر العورة وقد حصل.

وقال الشيخ صالح الفوزان:
" الثياب الضيقة التي تصف أعضاء الجسم وتصف جسم المرأة وعجيزتها وتقاطيع أعضائها لا يجوز لبسها، والثياب الضيقة لا يجوز لبسها للرجال ولا للنساء، ولكن النساء أشدّ ؛ لأن الفتنة بهن أشدّ.
أما الصلاة في حد ذاتها؛ إذا صلى الإنسان وعورته مستورة بهذا اللباس؛ فصلاته في حد ذاتها صحيحة؛ لوجود ستر العورة، لكن يأثم من صلى بلباس ضيق؛ لأنه قد يخل بشيء من شرائع الصلاة لضيق اللباس ، هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية : يكون مدعاة للافتتان وصرف الأنظار إليه، ولاسيما المرأة، فيجب عليها أن تستتر بثوب وافٍ واسعٍ ؛ يسترها، ولا يصف شيئًا من أعضاء جسمها، ولا يلفت الأنظار إليها ، ولا يكون ثوبًا خفيفًا أو شفافًا ، وإنما يكون ثوبًا ساترًا يستر المرأة سترًا كاملاً " انتهى . (المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان:3/454).

والله تعالى أعلى وأعلم.

  • 3
  • 0
  • 38,700
المقال السابق
[40] الجنة والنار
المقال التالي
[42] مسائل فقهية خاصة بالنساء

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً