كيف يُدعى إلى الإصلاح بمشاريع الإتراف المؤذية؟

منذ 2017-02-14

ما رأيت وقاحة ولا صفاقة أسمج ولا أصلد من أن يدافع بعض الناس في إطار مجال تخصصهم على الفساد والإفساد باسم الصلاح والإصلاح

ما رأيت وقاحة ولا صفاقة أسمج ولا أصلد من أن يدافع بعض الناس في إطار مجال تخصصهم على الفساد والإفساد باسم الصلاح والإصلاح، وأن يمرروا مشاريع التخريب والتغريب باسم البناء والترشيد، ولعلها حقيقة لا يجرؤ اليوم أحد على إنكارها، حتى وإن كان هذا الأحد أو الواحد ممن تعلق بهذه المشاريع يرجو ويرتقب الخير منها، ذلك أن هذا الرجاء والارتقاب لم يسفر صبحه، ولم يجن أصحابه إلا الدخول إلى جحر الضب واقتحام سراديبه المظلمة والتأذي بريحه النتنة.
فلا الحضارة التي تشدقوا بمستشرف تحقيقها قامت لهم، ولا الحياة العصرية والمدنية المتطورة ازدهرت لهم، ولا العلم ولا التعليم ولا التقدم حازوا مفاوزه، ولا انحسرت في مجتمعاتهم الجريمة ولا قلّ الشر إذا وقب غاسقهم، ولا الواقع الذي تعمدوا نقل غثه دون سمينه عالجوه من دعوى نفاقه الاجتماعي، أو صانوه ومنعوه من التردي في دركات البهيمية وتسفلات الجاهلية الأولى.
وربما لن ننكر أن هذا السطو الذي حلّ فيه الهدم محل البناء، ما كان ليكون لو بقي علماء الأمة وأشرافها من المصلحين حقًا وصدقًا متمسكين ومستمسكين بمواقفهم المنبثقة عن الفهم الصحيح للمنهج الإسلامي في مقام الإصلاح والمشاريع التربوية الضخمة، من جهة اعتقادهم في كون أن هذا الإصلاح هو ثغر توقيفي الوسائل والأدوات.
فالمجتمع الإسلامي الأول وما تلاه من منارات حضارية مشرقة من تاريخ الأمة، إنّما عاد فيها فضل الإشراق على إحراق المجاهدة في تجلية النصوص دون هدرها والتطفيف في الأخذ بأحكامها، والعمل بها في منابر الدعوة والبيان والتبليغ، دون تجاوزها للأخذ والنهل من تراث ما راكمته المجتمعات والحضارات التي حصل معها فعل التماس عبر الطلب الدعوي، ولا شك أن المعلوم من التاريخ بالضرورة يشير إلى أن الفتن والأزمات وترادف النكسات لم تحصل في تاريخ الأمة ولم يسجل لها وجود إلا بعد فتح الحدود الجغرافية واقتحام العقبة المعرفية من طرف الوافدات الإغريقية والفارسية، ومصادفتها لهوى الاقتباس والترجمة والتأثر في نفوس الكثير من المتميّزين معرفيا من أبناء الأمة، من المحسوبين على النخبة والفئة العالمة، من الذين مضت بهم العقود وسارت بهم الركبان، وهم في حالة عكوف وشأن اعتكاف في محاولة منهم لصنع إطارات جديدة لمسمى الإيمان وبث ذوقه الحسي المحدث والمبتدع في الصدور مباشرة بعد استخلاصه من ركام الفلسفات والوثنيات الإغريقية والفارسية، وهو الإيمان الذي لم يكن بينه وبين حقيقة جنسه ونوعه في ظل شريعتنا الغراء، وعلى وفق أمري التنزيل والإرسال لازم مشاكلة أو اقتضاء مشابهة ومجانسة، في مقابل أن صار هذا الحق مستوحشا مستغربا، بل مطاردا في جفوة في أزمنة من التاريخ الإسلامي، كانت قد تميّزت بتأثر الخلافة بزخرف القول وتصديق بهتان القوم، حيث ساندت الباطل من موقعها وامتحنت الناس في معتقدهم، وأكرهتهم على اعتناق مذاهب الباطل كما هو محبور مسطر في مظان التاريخ الإسلامي، كقضية القول بخلق القرآن وما صاحبها من تضييق وقَدَرة على أهل الحق والمتمسكين بعراه يومها (كالإمام أحمد نموذجًا).
ولسنا هنا في مقام نقل هذه المآسي التي ملأت روع أصحابها بتفصيل قد يصرفنا عن وجهة ومقصود ربط هذه الحلقات بأختها مما نعيشه اليوم من حيدة خرقاء في ميادين وأوراش البناء الحضاري والإصلاح المدني في شقيه الروحي والمادي، والذي تحكم معادلات الإصلاح فيه منظومتي التعليم والتربية وما لهما من ارتباط وثيق بسمو الأخلاق ومحاسن مئناتها.
وقد قيل يومًا في محفل من محافل التخطيط لهدم الصرح الأخلاقي والعلمي لهذه الأمة: "أنه متى ما أردت هدم مجتمع ونسف حضارة أمة ما فما عليك إلا أن تُعمِل معاول الهدم أولا في البناء المعنوي للمدرسة ثم التعريج به عطفا على هدم كيان الأسرة"، ثم انتظر ثمرة ذلك من خلال أوّل تخريجة يعصر نوعها خمرا ويتغنى جنسها شعرًا ذاعرًا، ويقتحم مستيسر الموبقات ويهتك مستسهل الحرمات ويتعدى الحدود المتسطاعة الظهور والنقب، بل يكون هذا الجيل نفسه المادة الخام والوقود المشتعل مع هوى ومبتغى من كاد ومكر ودبر ثم قال: "كأس وغانية يفعلان بالمسلمين ما لم تفعله مدافع الحروب الصليبية".
والمستغرب أن يمضي القوم في تدليسهم وختلهم، مستبدلين وقالبين المفاهيم والمسميات، فتراهم يصفون وينعتون الفساد وما يترتب عليه من إفساد بكونه ضمانا ورعاية وصونا لمنافعنا واستبقاء واستقرارا للآفاق العليا لتعليمنا، وتقسيما لأعباء المجاهدة والكفاح والمدافعة بالسوية بيننا في هذا المجال، كل من موقعه ينتصر لحظ مأموله -الصادق أو الكاذب أو المتوهم- في تطهير مناهج التعليم وسلوك الناشئة من أوضار الضعف ومظاهر الشغب والتمرد والتسفل الأخلاقي الذي تفشى وانتشر انتشار النار في الهشيم بين صفوف الناشئة والأجيال المتعلمة بكل أطيافها ومختلف توجهاتها.
ولنأخذ كمثال على هذا النوع من المشاريع مسرحيتي (مدرسة المشاغبين) و(العيال كبرت)، وهما العملان الفنيان المصريان اللذان سرى تأثيرهما وبقي مفعولهما واقعا إلى حدود اللحظة الراهنة، ينتقل من جيل إلى آخر بتواتر متصل الحلقات، وإعلام بئيس عض ويعض على الركس والنجاسة بنواجذ الحرص ووجدان التيمن، حيث نجد أن مسرحية (مدرسة المشاغبين) عرضت لأول مرة عام 1973م، بينما كان عرض الثانية أي مسرحية (العيال كبرت" عام 1979م أي بعد مرور ست سنوات على عرض الأولى.
وقد لا يحتاج المرء إلى التعريف بالمسرحيتين فهما كما يقال: "ناران على علم"، ولا بممثليهما فلعلهم في وجدان الجماهير وأذهانها أقرب وأشهر من رؤساء مصر أنفسهم، بقدر ما نحتاج إلى أن نقف مع دعوى وزعم الأهداف التي سطرها أصحاب هذين المشروعين، مقارنة مع ما تلا العروض من كوارث استوعبت مآسيها المدرسة والأسرة استيعابا حائفا، بل تسببت في تدمير جيل بأكمله من الناحية السلوكية والأخلاقية.
ولننظر أولا إلى الهدف الذي رامت تحقيقه مسرحية مدرسة المشاغبين مثلا، والذي مفاده وصول المتعلمة والشباب العربي إلى الإيمان بقدرة الشخص -وخاصة الأنثى في إسقاطها الرمزي- على تغيير الواقع إلى الأفضل، كتحد له لوازمه من إصرار ومجاهدة، وهو التغيير الذي انحصر حصول مغزاه في نهاية أحداث المسرحية فقط، وذلك من خلال نجاح المعلمة في تغيير هؤلاء المشاغبين أخلاقيًا ثم تعليميًا، بينما نجد الواقع المراد إصلاحه قد انقلبت فيه هذه الرسالة المقاصدية ـ إن كان ثمة رسالة تربوية أرادها المخرج المطبع مع الكيان الصهيوني (علي سالم) تبليغها لمكونات الأسرة التعليمية بأرض الكنانة، ومنها إلى باقي البلدان العربية الإسلامية التي عربدت فيها المسرحية ذات اليمين وذات الشمال ـ إذ الملاحظ بعد إدمان الإعلام البئيس على عرض المسرحية بتكرار مدخول، أن المسرحية أفلحت ونجحت في محو ونسف مبادئ تكنين صور التقدير والتبجيل لرموز العلم ومصادر تلقي المعرفة، بل أسهمت في ازدياد جرعات الشغب والتمرد على مكونات المشهد التعليمي داخل المدرسة والجامعة، وكذا إسقاط الرمزية الثقافية عن المعلم، وسلخ الدلالة التربوية والقدسية عن الفضاء المدرسي باعتبار أن كل الأحداث دار نزقها داخل الفصل المدرسي أو في مكتب السيد الناظر.
واليوم يعمد بعض النكرات إلى إدراج مقاطع من المسرحية لاستكمال حلقة من حلقات السخرية السياسية والتهكم على بعض القادة السياسيين، مساهمين بقصد أو غيره في رد هذه الأجيال ودفعها للرجوع إلى النص والمشهد الكامل للمسرحية، لتنهل منه الناشئة وتأخذ بعلو سند مظاهر الانحراف السلوكي الذي كان ضحيته ومادة مأساته من كاد أن يكون رسولًا.
فإلى الله المشتكى وهو حسبنا ونعم الوكيل.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

محمد بوقنطار

محمد بوقنطار من مواليد مدينة سلا سنة 1971 خريج كلية الحقوق للموسم الدراسي 96 ـ97 الآن مشرف على قسم اللغة العربية بمجموعة مدارس خصوصية تسمى الأقصى.

  • 5
  • 0
  • 1,335

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً