بدايات نبش القبور

منذ 2017-04-06

رأيناهم يدلون المبدلين للشرائع ومن يحمون الإباحيين ويوالون العدو الصليبي والصهيوني ويحاربون الدين وأصوله وشريعته، رأيناهم يدلونهم على إخوانهم ويستفزونهم عليهم. فلما رأينا أهل الأهواء، غلاة ومرجئة، منهم من ينضوي تحت ألوية بشار وحفتر، ومن ينتظمون مع الكنيسة والعسكر، والعلمانيين والملاحدة ضد الإسلام وأهله، ثم رأينا الغلاة ينسقون مع حفتر وهو يفسح لهم الطريق، ورأينا المرجئة يقاتلون معه كولي أمر شرعي، ثم رأيناه وجنوده ينبشون القبور وينساقون الى ما يتأذى منه الحيوان..

تتجارى بهم الأهواء :
قديما ناقشت أحد الغلاة الذين يكفرون الناس بالإصرار على المعاصي، فذكرت له حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «وأنا اختبأت دعوتي شفاعتة لأمتي، فهي نائلة منكم إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا»  والحديث نص في محل النزاع.. فلما أتيته به قال لي باللهجة الدارجة (لأّه) ففوجئت وصُعقت؛ إذ كنت أظن أن تكفيره للناس بالمعاصي يجعله شديد الحساسية لمعصيته الشخصيه.. فقلت له: ماذا؟ قال (لأه)، قلت له: هذا حديث رسول الله نص في محل النزاع فكيف تقول هذا؟ فكرر قوله، فغضبت وصرخت فيه.. ثم تركته.
مرت أعوام، ثم ناقشت أحد المتلبسين برداء السلف وهو يقول بقول المرجئة فسهرنا ليلة يحتج فيها بحديث الجارية: أين الله؟ قالت في السماء، وقال هذا كاف وهذا هو أصل الدين.. فقلت له نعم في الأحكام الظاهرة هذا الكلام صحيح، أما أن هذا هو الإسلام على الحقيقة فلا بد من ترك الشرك وإفراد الله بالعبادة، فالمقصود ليس تلفظا محضا في العلاقة بين العبد وربه على الحقيقة.. أما الأحكام فيكفي التلفظ وتكفي دلالة الشعيرة بل ويكفي الانتساب والولادة لأبوين مسلمين.. لكن الحقيقة شيء آخر وهي حقيقة التوحيد بعبادة الله وترك الشرك.. 
فرفض الرجل هذا الكلام، وهو موجِه لشباب كثير، فأوردت له نصا قاطعا في محل النزاع، وهي آية آل عمران فقلت له إن الله تعالى يقول {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} فسمى الله (لا اله إلا الله) كلمة، وفسرها بفعل وترك، وذكر أحد مفردات الشرك تنويها بشأنه ولملابسة خاصة بالمخاطَبين، وجعل ترك الشرك عاما ومستغرقا فقال (شيئا) وهي نكرة في سياق النفي فتفيد العموم والاستغراق، وأن ضد هذا هو الشرك، وأن من تولى عن هذه الحقيقة فليس بمسلم وهي دلالة قوله تعالى (فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) يعني دونكم..
لم يجعلني الرجل أكمل دلالة الآية وقال لي أيضا بالدارجة المصرية (لأ) قلت له: يعني إيه لأ؟ قال: لأ..! قلت له لمَ ؟ قال لأن هذه الآية ليس فينا بل في أهل الكتاب ! قلت له: إن الله تعالى يقول (سواء بيننا وبينكم) قال: لأ، أعدت عليه الكلام أنا أكرر: (سواء)، وهو يكرر: لأ..!!
صُعقت ثانية للرد الصريح لدلالة الآيات، بل ولنصها وليس فقط معناها، وهي من أقوى الدلالات..
عجبت لأنهم يدّعون رقة القلوب والاهتمام بالسنن الظاهرة والتشديد في الأخذ من اللحية وإسبال الثوب ولو من غير كِبْر.. ولم أتصور أن يجرؤ أحد أن يقول لنص آية ودلالتها: لأ !
استحضرت حادثة مناقشة الغلاة، مع مناقشة المرجئة، ورأيت بل أمسكت بيدي حديث رسول الله (تتجارى بهم الأهواء كما يتجاري الكَلِب بصاحبه لا يترك عرقا ولا مِفصلا إلا دخله).
ثم رأيناهم يدلون المبدلين للشرائع ومن يحمون الإباحيين ويوالون العدو الصليبي والصهيوني ويحاربون الدين وأصوله وشريعته، رأيناهم يدلونهم على إخوانهم ويستفزونهم عليهم.
فلما رأينا أهل الأهواء، غلاة ومرجئة، منهم من ينضوي تحت ألوية بشار وحفتر، ومن ينتظمون مع الكنيسة والعسكر، والعلمانيين والملاحدة ضد الإسلام وأهله، ثم رأينا الغلاة ينسقون مع حفتر وهو يفسح لهم الطريق، ورأينا المرجئة يقاتلون معه كولي أمر شرعي، ثم رأيناه وجنوده ينبشون القبور وينساقون الى ما يتأذى منه الحيوان..
لم يكن العجب كثيرا، ولا المفاجأة؛ بل كان الحزن كبيرا إذ سارت الأهواء الى مداها، ولا ندر الى أين مستقرها ومنتهاها..

مدحت القصراوي

كاتب إسلامي

  • 4
  • 0
  • 1,236

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً