حكاية التدين في سوريا

منذ 2017-08-23

في هذه المقالة يسرد الكاتب حال لؤلؤة ثمينة كريمة، شكَّلت أوساط عقد نفيس، حتى إذا انفرط تدحرجت حباته وتباعدت، فاختفى بريقها الآخّاذ بتجافيها عن أخواتها، وحَالَ الضياعُ دون ائتلافهن، وهذه اللؤلؤة هي بلاد الشام التي تعد أكبر أخواتها وأجمل مثيلاتها.

    إن أمة الإسلام أمة واحدة مهما تباعدت أقطارها وتناثرت أجزاؤها، فالمسلمون جميعاً تربطهم صلة عظيمة هي أخوة الدين، التي تُعد من أقوى الصلات وأمتن الروابط، فقد تختلف أعراقنا، وتتباين أصولنا، وتتمايز عاداتنا وثقافاتنا، ولكن يبقى لنا رابط وثيق يجمعنا فيجعل منا قوةً لا يُستهان بها، فديننا الحنيف هو من يَلُمُ شَعْثَنا، ويُوحد قِوانا، ويؤلف بيننا، فالدين كسلسلة الذهب البرّاقة التي تجمع حبات اللؤلؤ المتناثرة، فتُشكل منها عِقداً فريداً نفيساً، وقَطْعُ ذلك الخيط هو ضياعٌ لجميع حبات العقد، وهذا ما عَكَفَ عليه أعداء ديننا في تمزيق وحدتنا وإضعاف قوتنا.

 

وفي هذه المقالة أسرد حال لؤلؤة ثمينة كريمة، شكَّلت أوساط عقد نفيس، حتى إذا انفرط تدحرجت حباته وتباعدت، فاختفى بريقها الآخّاذ بتجافيها عن أخواتها، وحَالَ الضياعُ دون ائتلافهن، وهذه اللؤلؤة هي بلاد الشام التي تعد أكبر أخواتها وأجمل مثيلاتها، وحديثنا عن الجواهر يكبر ويربو بالكلام عن أثمن شيء فيها، وأغلى شيء في بلد ما هو التدين والاعتقاد فسيكون محور كلامنا في هذه المقالة عن التدين في بلاد الشام حاله ومآله، أرجو الله عز وجل أن يوفقنا لما فيه الخير إنه سميع مجيب.  

  • مفهوم التدين: هو التمسك بعقيدة معينة، يلتزمها الإنسان في سلوكه، فيؤمن بها، ويخضع لها، ويأخذ بتعاليمها.

ويتفاوت الناس في ذلك قوة وضعفاً، حتى إذا ما بلغ الضعفُ غايته، عُدّ ذلك خروجاً عن الدين وتمرداً عليه .[1]

  • أنماط التدين : يقول الدكتور محمد مختار الشنقيطي، أنماط التدين:
  •    التدين الذهني: متعة المعرفة النظرية بالدين، دون التزام عملي أو ثراء روحي.
  •    التدين الوجداني: حماس عاطفي للدين دون خبرة بحقائقه أو التزام بتعاليمه.
  •    التدين الشعائري: التزام دقيق بالشعائر، مع إهدار الواجبات الاجتماعية.
  •    التدين الاجتماعي: بذل طاقة التدين في خدمة المجتمع، وإهمال تعاليمه في الحياة الشخصية.
  •    التدين السلوكي: مواظبة على شعائر الدين بالعادة، دون معرفة أو تفكير بها.
  •    التدين النفعي: التزام ظاهر بتعاليم الدين مراءاة، فأصحابه يقلون عند الفزع ويكثرون عند الطمع.
  •    تدين ردة الفعل: فأهل السوابق الجنائية .. يحاولون الاستدراك، وقد يتطرفون في ردة فعلهم.
  •    الورع الشعبي: صبغ الدين بصبغة فلكلورية تختلط فيها البدعة بالسنة، والثقافة بنصوص الوحي.
  •    التدين المتكامل: هو الذي جمع بين: العقل والوجدان - الالتزام الفردي والجماعي - الشعائر والوظيفة الاجتماعية - توحيد الخالق ووحدة الوجهة: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)[2]. وبلاد شام كغيرها من البلاد، فقد اجتمعت فيها جميع هذه الأنماط وتفاوتت عبر الأزمنة.


 

  • بلاد الشام المباركة:

    لمعرفة أحوال التدين في بلد ما علينا أن نعرف تاريخه، فالأحداث لاعب أساسي في فكر وثقافة ذلك البلد.

    لم يبق الدين حكراً على أشرف بقاع الدنيا (مكة والمدينة) بل كان من أوسع وأسرع الأديان انتشاراً، فمن خصائص ديننا الشمولية، وقد كانت بلاد الشام ثالث بقاع الأرض قدسية، بقدسية أولى القبلتين بيت المقدس الحبيب قبلتنا الأولى، ومسرى نبينا r, وأول وجهة لنشر الدعوة بعد مكة والمدينة المنورة أعاده الله لنا سالماً.

 

  • ما هي بلاد الشام ؟

بلاد الشام هي: (سوريا ، فلسطين ، الأردن ، جبل لبنان) وقد شتت سياسات الاحتلال أجزائها، فعملت على تقسيمها بعد انهيار الدولة العثمانية، حتى أصبح كل جزء منها دولة مستقلة، لها دستور ورئيس وحدود وعَلَم وأفكار مختلفة عن غيرها من الدول.

 

  • فضائل بلاد الشام :

وللشام فضائل عظيمة وجمة ونكتفي بذكر آية وحديث فليس المقام لذكر فضائلها. لقد بارك الله الشام الحبيب بقوله:

  • (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)[3].
  • وذكر نبينا الأكرم r فضلها وقدسية أرضها حيث قال r: (بينا أنا نائم إذ رأيتُ عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننتُ أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعمد به إلىالشام، ألا وإنالإيمانحين تقعالفتنبالشام[4](.
  • لقد دعا لها نبينا rبالبركة مراراً فعن ابن عمر، قال: قال رسول الله r: (اللهم بارك لنا في شامنا، وفي يمننا) قال: قالوا: وفي نجدنا؟ قال: قال: (اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا) قال: قالوا: وفي نجدنا؟ قال: قال: (هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان)[5].
     
  • الشام مقصد ومرقد كثير من عظماء التاريخ، من الصحابة والخلفاء والسلاطين والقادة الفاتحين:

  والشام قبلة الجهاد والفتوحات منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم، فكثير منهم وفدوا إليها فاتحين ودعاة هداة، فمنهم: (خالد بن الوليد، وأبو الدرداء، وبلال الحبشي، وأم حبيبة، وأم سلمة، وعمار بن ياسر، ومعاوية بن أبي سفيان، وحرملة بن الوليد، وزيد بن ثابت، وفُضالة بن عبيد الأنصاري، وحسان بن ثابت وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين.
ثم خلفاء بني أمية، فالشام عاصمة دولة الأمويين، ثم السلاطين الأيوبيين، كصلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، والعلماء العاملين كالإمام النووي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن عساكر، والذهبي، إضافة إلى الفارابي، وهناك الكثير منهم لا يتسع المقام لذكرهم.


وفي دراسة أعدتها دائرة الإحصاء والتخطيط في الآثار السورية للأستاذ "أحمد فائز الحمصي" تحمل عنوان: (العظماء الذين ماتوا ودفنوا في دمشق) نجد شخصيات تاريخية مهمة دفنت في دمشق منذ الفتح العربي الإسلامي لبلاد الشام حتى آخر سلاطين العثمانيين.


وتأتي الدراسة على ذكر:

  • ستة (6) من أهل البيت.
  • ستة وعشرون (26) صحابياً.
  • أحد عشرة (11) من التابعين.
  • عشرة (10) من خلفاء بني أمية.
  • أربعة (4) من سلاطين وملوك السلاجقة والأتابكة.
  • خمس وخمسون (55) من السلاطين والملوك والأمراء الأيوبيين.
  • أربعة وستون (64) من ملك وسلطان وأمير من المماليك حتى الولاة العثمانيين, وأعلام المشاهير.


      فمن خلال هذا السرد اليسير من تاريخ الشام الحافل، نصل لنتيجة أن بلاد الشام تربة خصبة طيبة، لغرس بذور التدين الصحيح المعتدل، وبذلك نجد السر العظيم في قصد الكثير من شيوخ وطلاب العلم لهذا البلد المبارك.

     
  • الشام مركز علمي هام ووجهة طلاب العلم:

      لقد كانت بلاد الشام وعلى مَرِّ العصور منهلاً للدين والعلوم، ومركزاً للعلماء، ومَحجّاً لطلاب العلم ورثةِ الأنبياء، فما خلا زمن من عصر الخلافة الراشدة إلى عصرنا هذا إلا وقد نهضت فيها كوكبة من العلماء العاملين، دعاة إلى الله عز وجل، ينشرون ديننا الإسلامي الحنيف، بنور الوحي القرآني، ومنهج العلم النبوي، بهمة عالية صادقة، ونشاط فريد، وإخلاص ملموس.

      وقد عَرف الحكّام والوزراء أهمية دمشق، فاهتموا بإنشاء المدارس فيها ففي مطلع القرن الخامس الهجري قام الوزير السلجوقي "نظام الدين" بتشييد العديد من المدارس في عواصم تاريخية هامة مثل (دمشق والموصل وبغداد). وفي عهد نور الدين الزنكي أُنشأ في سوريا ثلاثمائة وسبعون مدرسة شرعية[6].  

     
  • الدولة العثمانية:

لقد غدت دولة الإسلام في عهد الخلافة العثمانية واسعة كبيرة، يهابها القاصي والداني، تُجبى إليها الأموال من كل حدب وصوب، ممتدة لا تحول بينها حدود مصطنعة، موحدة تحت حكم خليفة المسلمين، ترفرف فوقها راية واحدة، وبقيت كذلك حتى توصلت دول الكفر والمكر إلى ما يضعفها ويَفتّ ساعدها ألا وهو سلاح التفرقة، فمن الشعارات الصهيويهودية (فَرِّقْ تَسُدْ)، وبدأت تلك الدول تحيك مؤامراتها الكيدية ليلاً ونهاراً، حتى استطاعوا تقطيع أوصالها، حيث كانت أكبر دولة تحكم ثلاث قارات، فتلاشى ذلك العملاق الذي أرّق تلك الدول، وقضّ مضجعها، فأضحت بلادنا ضعيفة سقيمة مستهدفة، بحدود وهمية استعمارية تفصلها عن أخواتها من البلاد الإسلامية.

وللدولة العثمانية أثر كبير في انتشار التدين في الشام، وقد تجلى ذلك في:

  • بناء المساجد العظيمة في دمشق وحلب.
  • إنشاء المدارس الشرعية.
  • انتشار دُور الكُتّاب التي كانت تهتم بتحفظ القرآن الكريم.
  • تعليم اللغة العربية والحساب والأخلاق.
  • الاهتمام بالأوقاف الخيرية.

 

  • خصائص التدين في بلاد الشام:
  • الوسطية والبعد عن الغلو مع التمسك بالأصول.
  • مرونة عرضهم وسلاسة طرحهم .
  • قبول الآخر وعدم التعصب للرأي. يقول:الكاتب "يوهانس رايسنر": (لم أجد في سورية وفلسطين آثار العداء الشديد بين الصوفية والسنة كما هو الحال في شمال أفريقيا والهند)[7].
  • رحابة الصدر والسماحة عند عموم أهل الشام "شيوخاً وعامة".
  • البساطة وعدم التكلف.
     
  • عوامل انتشار التدين في الشام:

أ‌- اهتمام العلماء بالقرآن الكريم حفظاً وتلاوة وعملاً ، ووفرة القراء المجازين بسند إلى رسول الله r.

ب‌-   انتشار المعاهد الشرعية ودورها الهام في تخريج الدعاة. من هذه المعاهد العلمية الشرعية:

  • مجمع الشيخ المحدث الأكبر بدر الدين الحسني، للعلوم العربية والإسلامية، جمعية الإسعاف الخيري (الأمينية) في دمشق. وكان يُدرس (المذهب الشافعي).
  • معهد الغراء للعلوم الإسلامية، في دمشق، وكان يدرس (المذهب الشافعي).
  • معهد الفرقان للعلوم الإسلامية في دمشق وكان يدرس (المذهب الشافعي).
  • معهد الفتح الإسلامي في دمشق، وكان يدرس (المذهب الحنفي).
  • معهد التهذيب والتعليم في دمشق، وكان يدرس (المذهب الشافعي).
  • معهد الأنصار في دمشق وكان يدرس (المذهب الشافعي).
  • معهد الخسروية في حلب وكان يدرس (المذهب الحنفي).
  • معهد الكلتاوية في حلب وكان يدرس (المذهب الحنفي).
  • معهد الحصري في معرة النعمان.

     
  • ملاحظة: يتفاوت إنتاج هذه المعاهد للدعاة والعلماء، حسب:
  • المنهج الفكري للمعهد.
  • مسافته مع النظام الحاكم وعلاقته به.
  • شخصية القائم على إدارة هذه المنشئة.

    فليس كلها على سوية واحدة، ولا يمكننا وضع الجميع في قالب واحد، ولا أن نصدر حكماً واحداً عليهم كافة.

ت‌-   حب أهل الشام لطلاب العلم، واهتمامهم بهم، والإنفاق عليهم.
ث‌-   انتشار العلماء العاملين من كل المذاهب والمشارب، والتعامل الودي المحترم بينهم جميعاً.

  • فقد عاصرت في "معهد الشيخ بدر الدين الحسني"، شيخين كريمين عالمين: شيخ الحديث شيخنا عبد القادر الأرناؤوط، وشيخ التربية والأخلاق الشيخ عبد الرحمن الشاغوري (رحمهما الله تعالى) يُدرّسان في معهد واحد، ويجلسان في مجلس واحد، ويأكلان من مائدة واحدة، وكل منهما يُقدّر الآخر ويحبه ويُجلّه.
  • ورأيت شيخنا الفقيه الجليل "محمد علي شقير" حفظه الله تعالى، يجلس في درس شيخنا شيخ القراء في بلاد الشام "كريم راجح" حفظه الله تعالى، وكان الشيخ "كريم" إذا عرضت له مسألة فقهية يحيلها إلى شيخنا "محمد شقير". فهذه هي سمات علماء الشام وأخلاقهم حيث تواضعهم وحبهم وتقديرهم لبعضهم، رحم الله من توفي منهم، وبارك الله في حياة وعلم الباقين.

ج‌-    انتشار دروس العلم (في كافة العلوم والفنون) في كل المساجد المركزية، ومعظم المساجد الفرعية، من صلاة الفجر إلى صلاة العشاء.

ح‌-    شهرة معظم تُجار الشام بالورع، ومعرفتهم الحلال والحرام، وأحكام البيوع، فأكثرهم كان من العلماء وطلاب العلم.

خ‌-    مُدارسة الكتب القديمة، وعدم الاكتفاء بالكتب المعاصرة.

د‌- وفرة شيوخ وعلماء المذاهب الأربعة، جعل الشام قبلة لكل باحث ومتعلم.

ذ‌- انتشار الجمعيات الخيرية التي تعنى بالفقراء والمساكين، وعون طلاب العلم، وكفالة الأيتام.

ر‌- احترام أهل الشام للعلم، وتوقيرهم للعلماء، فكان للعالم كلمة مسموعة عند الكثير من الناس.

ز‌- التدين الفطري عند الناس عموماً، إضافة إلى التدين الكسبي الذي يجعل المرء ملتزماً بمحيطه.

س‌-    انتشار الأوقاف في سوريا في العصر العثماني، يقوليوهانس رايسنر: (كان يوجد في سورية ولبنان 4000 وقف في عام 1934 بقيمة تعادل 5000 مليون فرنك فرنسي)[8].

ش‌-    لا يُكلف طالب العلم الشرعي عبء الإنفاق على التعلم، فعموم المعاهد الشرعية تُقدم المسكن واللباس والطعام مجاناً.

 

  • المذاهب السائدة في سوريا:

    كما أسلفت فإن البلاد الشامية تمتاز بالوسطية والمرونة وقبول الآخر، وفي بلاد الشام أتباع للمذاهب الأربعة دون أي تصادم وتمايز بينهم، ويسود فيها المذهب الشافعي بشكل عام، مع أن المذهب المعمول به في الدستور السوري هو المذهب الحنفي. وفي الشام أيضاً أتباع للمذهب المالكي وللمذهب الحنبلي، وفي وزارة الأوقاف لدينا أربعة مفاتٍ على المذاهب الأربعة، إضافة إلى المفتي العام للجمهورية.  

    وتعقد حلقات  العلم لدروس الفقه بالمذاهب الأربعة في جميع المساجد فكل أمام يُدرّس المذهب الذي يدين به.

 

  • التيارات الفكرية الدينية في سوريا:
  • التصوف: وهو المنهج السائد في سوريا، وهذا المنهج متفاوت بين اعتدل وإفراط وتفريط، وذلك لكثرة الطرق واختلاف مشاربها. أما النظام النصيري الحاكم فهو يُقرّب من عتبته كل متطرف ومتشدد في طريقته بل ويدعمه ويُمكّنه.
  • الإخوان المسلمون: منهج معتدل ومُحارَب وممنوع في سوريا، وقد قام النظام المجرم في الثمانينيات بمجازر عدة للقضاء على هذا الفكر فقتل واعتقل عشرات الآلاف وهجر الكثير.
  • الحركة العلمية[9]: كوكبة من العلماء التفتوا إلى العلم، يوافقون جماعة "الإخوان" في فكرهم ومنهجهم العلمي دون التحزب والتنظيم والولاء لهم، وقد يتفقون مع السلفية العلمية بمنهجهم دون الانتساب لهم، من أمثال الشيخ الطنطاوي رحمه الله تعالى.
  • السلفية العلمية الفكرية: ويمتاز هذا التيار في سوريا  بوسطيته وعدم تشدده ولا يعتبر سائداً في بلادنا، بل أقرب إلى النادر ، بسبب محاربة النظام لأي صنف يحمل سمة السلفية بجميع أصنافها، وقد يكون أتباع هذا المنهج كُثر ولكنهم لا يُظهرون أنفسهم خوفاً من نار الحاكم. أما المتشددون المتطرفون فهم من صناعة النظام، أو من تربية النظام، أو من استيراد النظام.

    أُجمِلُ لكم التيارات الدينية الفكرية: بأن هذه التيارات الأربعة وأتباعها، يتميزون عموماً بالوسطية والاعتدال، وأما من كان منهم متشدداً في مذهبه، مغالياً في سلوكه، متقوقعاً في فكره، تراه الآن يتملق على أعتاب الطاغية يقدم الطاعة.
  • حزب البعث الحاكم يصادر الحريات ويُسيّس التدين وينشر الفساد والتشيع:

    لم تستطع أي سلطة حاكمة أتت إلى سوريا أن تسيطر على حرية التدين ومكانة العلماء، ولا حتى فرنسا بجبروتها وسطوتها، فقد كانت تحسب ألف حساب للعلماء، إلى أن جاء حزب البعث المجرم في السبعينيات، فاستطاع بسياسة الحديد والنار، فرض سيطرته على العلماء والشيوخ، فاعتقل وقتل عشرات الآلاف من العلماء والدعاة والملتزمين وطلاب العلم وأهليهم، ومن عجزت عنه هَجّرته أو فرَّ بدينه خارج البلاد.
  • أما سياسة تَسْيّس التدين: فقد عمد حافظ الأسد إلى سياسة القمع الطائفي لأهل السنة في سوريا، فلم تَسلم منه محافظة أو قرية أو بلدة، وبعد أحداث حماة ومجازرها ولكي يُشغل الناس ويُسكت الرأي العالمي، قام بتقريب مفتي الجمهورية منه الذي أعانه في بداية حكمه فأفتى بصحة رئاسته (فقد كان نُصيرياً بينما يشترط الدستور السوري أن يكون الرئيس مسلماً)، ومقابل ذلك رفع الأسد يده الأمنية عن دعوة ونشاط ذلك المفتي حصراً، ومن جهة أخرى ألهى الناس بإنشاء معاهد لتحفيظ القرآن الكريم في المساجد ووسمها باسمه (معاهد الأسد) حيث جعل تلك المعاهد تحت مراقبة جميع أجهزة الأمن في سوريا، وملأ سجونه بمعارضيه من الدعاة والشيوخ فأرهب الأهالي، وبذلك ضرب العصافير بحجر واحد:
  • راقب المعاهد.
  • راقب نشاطات جميع المساجد المختلفة وشيوخها ودعاتها.
  • أسكت الناس بخدعة افتتاح مُتَنفس لهم (معاهد التحفيظ).
  • أوهم الشعب بإسلامه.
  • صادق مفتي الجمهورية فجعله يده اليمنى.
  • نشره للسفور والفساد: وذلك باستقدام نساء قرى الساحل (النُّصيريات) السافرات إلى العاصمة والمدن الكبرى (وقد كانت بلادنا معروفة بحشمتها وتسترها وعِفتها، فالحجاب كان يشمل حتى نساء النصارى في أحياء دمشق القديمة).فأعطى الضوء الأخضر لتلك النسوة في الدخول إلى جميع مفاصل الدولة حتى في المجال العسكري والأمني والاستخباراتي، وأسند لهنّ الوظائف فشاع السفور والفساد في الدولة. وبذلك فتح الباب أمام كل شاذ ليخرج من جحره ويساعد المفسد بفساده.

    إضافة إلى نشره الرذائل المختلفة من حانات الخمور، والربا ودور الزنا والقمار إلى غير ذلك من الكبائر والفواحش.

    وقد كان جميع من يفتح البارات، وبيوت الدعارة، وصالات القمار، وعمليات التهريب، وتجارة الحشيش، ونهب آثار البلد، من آل الأسد وعائلته، ورؤساء الفروع الأمنية، وقادة الجيش، يدعمهم الوزراء وقادة حزب البعث، وأكثرهم من أبناء الساحل النُّصيريين.

 

  • سياسة التشيع: لقد كان للتقارب السوري الإيراني آثار سلبية مهلكة، فقد التقى النظامان في قواسم مشتركة وهي:
  • كون كل منهما لا يمت إلى الإسلام بصلة.
  • كلاهما له عداوة متأصلة لأهل السنة.
  • كلاهما له اتفاقيات سرية ولقاءات ودية مع إسرائيل، فهي المحركة لهم لضرب الهلال السني.
  • النظام السوري يمد إيران بالنفوذ للسيطرة على المنطقة، مقابل دعم إيران للنظام بالسلاح والمليشيات.

    كل ذلك جعل لحافظ أسد أن يطلق يد التشيع في بلادنا، وقد كان أرباب التشيع يدفعون أموالاً طائلة لإغراء الناس وفتح الحسينيات، وذلك: لقلة حيلة الكثير من أفراد الشعب الفقير الذي جَهّله النظام، مما أدى إلى قيام البعض اليسير من ضعاف النفوس بالتشيع مقابل عرض من الدنيا قليل.

 

  • أصناف شيوخ الشام وموقفهم من النظام السوري:  
  • بعض الشيوخ لم يرض بما يقوم به الأسد، فحارب وحرّض وقاتل فاستشهد.
  • بعضهم لم يرض بالظلم والجور، ولم يستطع فعل شيء، فاختار الخروج من البلد.
  • بعضهم لم يرض ولكنه بقي يجابه الجلاد بلسانه وفكره، حتى اعتقل ومات في المعتقل تحت التعذيب.
  • بعضهم لم يرض الظلم فاعتزل السياسة دون مداهنة ونفاق، والتفت للعلم والتربية والأخلاق فأنشأ جيلاً لا يرضى الهوان والذل.
  • بعضهم داهن ونافق وسار كما يُراد له بحجج واهية، وحِكم مزيفة، فبانت عورته في ثورتنا المباركة، ومازال يكذب وينافق حتى الآن.

 

  • التدين في سوريا وثورة الربيع العربي:

    مهما امتد الظلم، واستعلى المستبد، فلا بد ليوم يظهر فيه الحق، وتعلو فيه العدالة، وتخبو نار الجور والاسترقاق، ولنا عَبر التاريخ عِبر كثيرة وأمثلة حية على انتصار الحق وخذلان الباطل.ولهذا الأمر انفجرتالثورة السورية المباركة، وكان ذلك في 15/3/2011م التي تهدف إلى:
  • الحرية والخروج من الاستبداد والقمع والذل وكم الأفواه، الذي كان يمارسه حاكم ظالم.
  • العيش الطيب، والمواطنة العادلة.
  • حرية التدين والاعتقاد والفكر والعيش والكلمة.
  • التنعم بمقدرات ونعم هذا البلد المعطاء، الذي نهب وغصب خيره جماعةٌ فاسدة مفسدة مارقة ظالمة لا تعرف الإنسانية.
  • السلام والوئام والمحبة، لا القتل والتدمير والدماء والاعتقال.
  • هدفها الحياة لا الموت.

    وأسرد مختصراً مظاهر التدين في ظل هذه ثورة الربيع العربي حيث:
  • كشفت معادن الناس ومنهم الشيوخ، فبعضهم لم يكونوا أصحاب شهرة ومقام، فبرق نورهم ولمع نجمهم بالوقوف في وجه الظلم والفساد والقتل.
  • وبالمقابل ظهرت فئات أخرى كنا نحسبهم رموز التدين والأخلاق، فكشفت الثورة حقيقتهم، ونزعت ورقة التوت عنهم، فبرزت أنيابهم التي أضحت تقطر من دماء أبنائنا بعد مساندتها نظامهم المجرم.
  • عندما فرض النظام بحديده وناره سطوته على مراكز بعض المحافظات (التي تحت يده) عبر الانتشارات الأمنية الواسعة، قام بإطلاق يد شبيحة الحواجز على العباد، لا لإرساء الأمن والطمأنينة، بل لنشر الفساد والدعارة والنهب واللصوصية على أبناء السنة خصوصاً فأدى هذا الإجراء إلى:
  • منع النساء من ستر الوجه والتنقب، بل فرض كشف الرأس في بعض المناطق والحالات.
  • ترك الشباب (إن وُجِدوا، حيث أن الكثير فرّ هرباً من التجنيد) سنة اللحية خوفاً من بطش الحواجز الأمنية.
  • هجر الكثير من الأهالي صلاة الجماعة والمساجد، خوفاً من ملاحقة النظام.
  • ترك الأهالي أعمال الخير من إيواء المشردين، وإعالة اليتامى، ومساعدة الجرحى، خوفاً من اتهام النظام لهم "بإعانة ذوي الإرهابيين".
  • تحول بعض المساجد المركزية إلى أماكن شيعية حيث يمارسون طقوسهم من لطم وندب.
  • مضايقة الأهالي والنساء على الحواجز وخاصة أبناء السنة.
  • انتشار الرذيلة بين الناس والشباب، فالرذيلة عند النظام فضيلة يتساهل مع مرتكبها.
  • تحول بعض (ممن يسمى بالشيوخ) إلى رجال مخابرات وعمالة وسمسرة بين الأهالي وفروع الأمن، وتحريض الشباب للتطوع في الميليشيات الأسدية والميليشيات الشيعية.

    هذا وهناك الكثير من الممارسات الإجرامية بحق التدين والأخلاق والفضيلة يمتهنها هذا النظام المجرم وأعوانه في شامنا الشريف تأبى الأقلام تدوينها، ويضيق الصدر لذكرها.

    ومع كل ذلك فالأمل يكبر ويكبر أمام عزائم الكثير من أبناء شعبنا الصامد، في مقاومة مخرز الجائر بعزيمة الإيمان، وقوة التدين المتأصل من الكتاب والسنة.
  • نتاج التدين الأخلاقي في سوريا:

      المسلم السوري إيمانه بربه كبير، وعقيدته متينة راسخة، نشأ على الخير وبذله، يأكل من عمل يده، فلا تُذله لقمةُ العيش، صاحب مروءة ونخوة، شريف عفيف النفس، كريم جواد يؤثر غيرَه على نفسه، غيور على دينه وشرفه وعرضه، بسيط طيب، هين لين، يَألف ويُؤلف، خفيف الظل، طَلْق الوجه، كلامه يدخل القلب، مُسالم لا يتعدى على أحد، ولكنه لا يسكت عن حقه، ولا يستكين للظلم والذل.

    ملحوظة: طبعاً ليس جميع أبنائنا السوريين من المتدينين الملتزمين (هداني الله وإياهم) ولكن لا تخلو في غالبهم هذه السمات الكريمة التي تربوا عليها.
  • وأخيراً :

      وهكذا نجد التدين في سوريا كيف كان قديماً عندما كانت البلاد حرة أنظمتها وحكوماتها تحترم علماءها، فتولهم المكانة العالية، فكانت كلمة العالِم مسموعة لها أثرها في الحاكم والمحكوم، وعندما اغتصبت عصابة مارقة هذا البلد الطيب، ضاعت الحريات، وانتهكت الحقوق، وانتشر الفساد، فصار التدين هو فكر الحاكم وأقواله وتعاليم حزبه متمثلة في دمى متحركة اسمها (شيوخ السلطان).

    وفي الختام أقول لكم: إن أكثر هذه الكلمات مما عايشته وأدركته وسمعته وشاهدته وأعلم حقيقته في بلدي الحبيب سوريا، لا كلمات من وحي الخيال والأوهام.

    أسأل المولى عز وجل أن أكون قد أديت ما عرفته بكل أمانة وصدق إنه سميع مجيب.  


    والحمد لله رب العالمين

               فراس السقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مجلة البحوث الإسلامية السعودية.

[2] الأنعام - الآية 162

[3] سورة الإسراء - الآية 1

[4] مسند أحمد - الجزء 29- ص310

[5] البخاري - الجزء2- ص33

[6] مقالة "المدارس الدينية في سوريا" - محمد منصور - موقع أندلسيات

[7] كتاب "الحركات الإسلامية في سورية من الأربعينيات حتى نهاية عهد الشيشكلي" - يوهانس رايسنر

[8] كتاب "الحركات الإسلامية في سورية من الأربعينيات حتى نهاية عهد الشيشكلي" - يوهانس رايسنر

[9] الحركة العلمية : ليست تنظيماً أو تكتلاً وإنما اصطلحته  لجمع هذه الفئة من العلماء المستقلين عن التحزبات الدينية والسياسية.

  • 5
  • 0
  • 16,728

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً