توحيد الألوهية - (20) كلمة موجزة عن العذر بالجهل

منذ 2018-01-02

وينبغي كذلك أن نعلم أن القول بثبوت العذر بالجهل ليس معناه الترويجَ للجهل والدعوة إليه، أو أن للجهل فضائل، بل الأمر كما قال بعض العلماء: ما عُصي الله بذنب أقبح من الجهل، والجهل هو سبب المعصية، والمُحَرِّض عليها، والدافع إليها؛ قال -تعالى-: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾

(20) كلمة موجزة عن العذر بالجهل

هذه بعض الأمور والأقوال والأفعال التي تُنافي التوحيد، ولكن ينبغي هنا التنبيه على أنه ليس كل صاحب عمل كُفريٍّ كافرًا، ولا كل صاحب بدعة مُبتدعًا، ولا كل صاحب معصية عاصيًا، وهذا من رحمة أهل السنَّة بجهَّال الناس، وأنبِّه كذلك إلى أن الإسراع في التكفير باب خطير؛ قال -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدُهما»، وقال -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري أيضًا: «ومَنْ رمى مؤمنًا بكُفْرٍ فهو كقتلِهِ».

 

قال النووي - رحمه الله:

"اختُلف في تأويل هذا الرجوع؛ فقيل: رجع إليه الكفْر إن كان مستحلاًّ، وهذا بعيد من سياق الخبر، وقيل: محمول على الخوارج؛ لأنهم يُكفِّرون المؤمنين".

 

وقال الحافظ - رحمه الله - في الفتح:

"والتحقيق أن الحديث سِيقَ لزجْر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وقيل: معناه رجعتْ عليه نقيصتُه ومعصية تَكفيره، وهذا لا بأس به، وقيل: يُخشى عليه أن يَؤول به ذلك إلى الكفْر، كما قيل: المعاصي بريد الكفر، فيخاف على من أدامها وأصر عليها سوءُ الخاتمة، وأَرجَحُ من الجميع أن يقال: من قال ذلك لمن لم يُعرف منه إلا الإسلام، ولم يقمْ له شُبهة في زعمه أنه كافر، فإنه يَكفُر بذلك كما سيأتي تقريره، فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفَّر نفسه؛ لكونه كفَّر من هو مثله".

 

وقال الشوكاني - رحمه الله -:

"إن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر، لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدِم عليه إلا ببرهان أوضحَ من شمس النهار؛ فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، وفي لفظ آخَر: «ومَن دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه»؛ رواه مسلم، ففي هذه الأحاديث - وما ورد موردها - أعظمُ زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير، وقد قال - عزَّ وجلَّ -﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 106]، فلا بد من شرْح الصدر بالكُفر، وطمأنينة القلب به، وسكون النفس إليه، فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرِّ، لا سيَّما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام، ولا اعتبار بصدور فعل كُفريٍّ لم يُرِدْ صاحبُه الخروج من الإسلام، ولا اعتبار بلفظ تلفَّظ به المسلم يدل على الكفر وهو لا يَعتقد معناه".

 

وأين مَن يتجرَّأ على تكفير المسلمين من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيحين: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، ومن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «والمسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله»؛ رواه مسلم، والترمذي بلفظ: «لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذله»، ومن قوله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه مسلم وأبو داود والترمذي: «كلُّ المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه»؟

 

قال القرطبي في تفسيره لسورة الحجرات: "وليس قوله -تعالى-:{أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}[الحجرات: 2] بموجب أن يكفرَ الإنسان وهو لا يعلم، فكما أن الكافر لا يكونُ مؤمنًا إلا باختياره الإيمانَ على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافرًا من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره بالإجماع".

 

فلا بد أن نعلم جميعًا أنه لا يلزم من كون الفعل الفلانيِّ شِركًا أن يكون كلُّ مبتدئ به مُشركًا، فلا بد من وجود شروط وانتفاء موانع؛ وموانع التكفير كثيرة منها: الجنون، والصِّغَر، والجهل، والخطأ، والنسيان، والإكراه، والتأويل، وعلى هذا فلا بد من إقامة الحجَّة باستكمال الشروط وانتفاء الموانع قبل الحُكم.

 

وينبغي كذلك أن نعلم أن القول بثبوت العذر بالجهل ليس معناه الترويجَ للجهل والدعوة إليه، أو أن للجهل فضائل، بل الأمر كما قال بعض العلماء: ما عُصي الله بذنب أقبح من الجهل، والجهل هو سبب المعصية، والمُحَرِّض عليها، والدافع إليها؛ قال -تعالى-: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ [النساء: 17] قال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن كل ما عُصي الله به فهو جهالة، وقال غيره: أجمع الصحابة أن كل من عصى الله فهو جاهل، وقال علي - رضي الله عنه -: "كفى بالعلم شرَفًا أن يدَّعيه من لا يُحسنه، ويَفرح به إذا نُسب إليه، وكفى بالجهل ذمًّا أن يتبرَّأ منه مَن هو فيه"، وقال بعضهم:

 

وفي الجهل قبل الموت موتٌ لأهلِه *** وأجسامُهم قبل القُبور قبورُ

وأرواحُهم في وحْشة مِن جُسومِهم *** وليس لهم حتى النُّشور نشورُ

 

ودواء الجهل هو السؤال والتعلُّم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد، وحسّنه الألباني: ((فإنما شفاء العيِّ السؤال))، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الجهلَ داءً، وجعل شفاءَه السؤال، وقال ابن القيم في الشافية الكافية:

 

والجهل داءٌ قاتلٌ وشفاؤه *** أمرانِ في التركيب متَّفقانِ

نصٌّ من القرآنِ أو من سنَّةٍ *** وطبيبُ ذاك العالِمُ الربَّاني

 

ملاحظة:

ليس كل من يُعذر بالجهل عاريًا عن الإثم؛ فمن الناس مَن يُعذر بجهله فلا يأثم ولا يعاقب، ولا يخرج من ملة الإسلام إذا أتى بشيء من الكفر العملي، أو اعتقد كفرًا جاهلاً به، ومن الناس من يُعذر بجهله؛ أي: إنه لا يكفُر ولا يعاقب على هذا الذنب بعينه، ولكنه يعاقب على تقصيره في طلب العلم الواجب؛ كما عزَّر عثمانُ - رضي الله عنه - الحبشيَّة التي زنتْ مع جهلِها بحرمة الزنا، وعزَّر عمرُ - رضي الله عنه - الصحابة الذين شربوا الخمر متأولين قولَه -تعالى-: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ﴾ [المائدة: 93]، فالبلاغ والنِّذارة مناطُ أحكام الدنيا وعذابِ الآخرة، فحكْم الخطاب لا يَثبت في حق المكلَّف إلا بعد البلاغ، كما قرره شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى"، فلا بد إذًا من التَّفرِقة بين كفر النوع وكفر العَين.

 

وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى:

"إن القول قد يكون كفرًا، فيُطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال: من قال كذا، فهو كافر، لكن الشخص المعيَّن الذي قاله لا يُحكم بكفرِه حتى تقوم عليه الحُجَّة التي يكفر تاركُها، وهذا كما في نصوص الوعيد؛ فإن الله -تعالى- قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 10]، فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حقٌّ، لكن الشخص المعيَّن لا يُشهد عليه بالوعيد؛ فلا يُشهد لمعيَّن من أهل القِبلة بالنار؛ لجواز ألا يَلحقه الوعيد؛ لفوات شرط أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريمُ بلَغه، وقد يتوب من فعل المحرَّم، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرَّم، وقد يُبتلى بمصائب تكفِّر، وقد يشفع فيه شفيع مطاع، وهكذا الأقوال التي يُكَفَّر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغْه النصوص الموجِبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تَثبُت، أو لم يتمكَّن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهاتٌ يعذِرُه الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ فإن الله -تعالى- يغفر له خطأه كائنًا ما كان، سواءٌ كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وجماهير أئمة الإسلام.

 

الأدلة على ثبوت العذر بالجهل:

1- قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: 15]، قال ابن حزم في "الإحكام": "فصحَّ أنه لا عذاب على كافر أصلاً حتى تبلغه نِذارة الرسول"، وقال ابن كثير في التفسير: "في هذه الآية إخبار عن عدله -تعالى- وأنه لا يعذِّب أحدًا إلا بعد قيام الحُجَّة عليه بإرسال الرسل إليه"، وقال الألوسي في "روح المعاني" في هذه الآية: "أي: وما صحَّ وما استقام منا، بل استحال في سنَّتنا المبنية على الحِكَم البالغة، أو ما كان في حُكمِنا الماضي وقضائنا السابق - أن نعذِّب أحدًا بنوع من العذاب، دنيويًّا كان أو أخرويًّا، على فعل شيء أو ترك شيء - أصليًّا كان أو فرعيًّا - حتى نبعثَ إليه رسولاً يهدي إلى الحق، ويَردع عن الضلال، ويُقيم الحُجَج، ويمهِّد الشرائع"، وقال الشنقيطي في "أضواء البيان": "ظاهر هذه الآية الكريمة أن الله لا يعذِّب أحدًا من خَلقه حتى يبعث إليه رسولاً يُنذره ويحذِّره، فيعصي ذلك الرسولَ، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار، وادعى بعضهم بأن العذاب المنفيَّ في الآية عذابُ الدنيا، وأجيب عنه من وجهَين:

الأول: أنه خِلاف ظاهر القرآن؛ لأن ظاهر القرآن انتفاءُ العذاب مُطلقًا، فهو أعمُّ من كونه في الدنيا، وصرْف القرآن عن ظاهره ممنوعٌ إلا بدليل يجب الرجوع إليه.

 

والوجه الثاني: أن القرآن دلَّ في آيات كثيرة على شمول التعذيب المنفي في الآية التعذيبَ في الآخِرة؛ كقوله -تعالى-: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى ﴾ [الملك: 8، 9]، وهو دليلٌ على أن جميع أفواج أهل النار ما عُذِّبوا في الآخِرة إلا بعد إنذار الرسل".

 

2- قال -تعالى-: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى.. ﴾ [طه: 134] فقوله: ﴿ مِنْ قَبْلِهِ ﴾ أي: من قبْل بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- ونزول القرآن، ﴿ لَقَالُوا ﴾ أي: يوم القيامة: ﴿ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾ [طه: 135]؛ أي: هلاَّ أرسلتَ إلينا رسولاً ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾؛ أي: نَذِلَّ بعذاب الدنيا، ونخزى بدخول النار في الآخِرة.

 

3- قال -تعالى-: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ [النساء: 165]، قال ابن كثير: "أي: إنه أنزل الكتب وأرسل رسله بالبشارة والنِّذارة، وبيان ما يحبه ويرضاه مما يَكرهه ويأباه؛ لئلا يَبقى لمُعتذر عذْر".

 

4- قال -تعالى-: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الملك: 8، 9] قال الشنقيطي: "هذه الآية تدلُّ على أن الله -تعالى- لا يعذِّب بالنار أحدًا إلا بعد أن يُنذرَه في الدنيا"، ومعلوم أن قوله -تعالى-: ﴿ كُلَّمَا ﴾ يعمُّ جميع الأفواج المُلقَين في النار.

 

5- قال -تعالى-: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾ [الأنعام: 19] قال شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى: "ولا يَثبت الخطاب إلا بعد البلوغ؛ لقوله -تعالى-: ﴿ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾، وقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: 15]، وقوله: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ [النساء: 165]، ومِثل هذا في القرآن متعدِّد، بيَّن - سبحانه - أنه لا يعاقب أحدًا حتى يبلغه ما جاء به الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- ولا يعذِّبه الله -تعالى- على ما لم يبلغْه، فإنه إذا لم يُعذِّبه على ترك الإيمان إلا بعد بلوغ الحجَّة؛ فإنه لا يعذبه على بعض شرائعه إلا بعد البلوغ".

 

6- قال -تعالى-: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 115].

 

7- قال -تعالى-: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [القصص: 47]، قال الألوسي: واستُدلَّ بالآية على أن قول من لم يرسَلْ إليه رسول - إن عُذِّب -: ربي لولا أرسلت إليَّ رسولاً، مما يصلح للاحتجاج، وإلا لما صَلَحَ لأن يكون سببًا للإرسال.

 

8- قال -تعالى-: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ [الأنعام: 155 - 157].

 

ومن أدلة السنَّة:

1- عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن رجلاً حضره الموتُ، فلما يئس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا متُّ، فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا، وأوقدوا فيه نارًا، حتى إذا أكلتْ لحمي وخَلصت إلى عظمي فامتُحِشتْ، فخذوها فاطحنوها، ثم انظروا يومًا رَاحًا فاذروه في اليَمِّ، ففعلوا، فجمَعَه الله، فقال له: لِمَ فعلتَ ذلك؟ قال: مِن خشيتك، فعفر الله له))؛ والحديث رواه البخاري والنسائي وابن ماجه وأحمد، قال عقبة بن عمرو: "وأنا سمعته - يعني النبي صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول ذاك، وكان نبَّاشًا".

 

قال شيخ الإسلام في المجموع:

"فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرَّق هذا التفرُّق، فظن أنه لا يُعيده إذا صار كذلك، وكل واحدٍ - من إنكار قدرةِ الله، وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقتْ - كُفْر!! لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلاً بذلك، ضالاًّ في هذا الظن مخطئًا، فغفر الله له ذلك، والحديث صريح في أن الرجل طمع ألا يُعيده إذا فعل ذلك، وأدنى ذلك أن يكون شاكًّا في المعاد، وذلك كفْر، إذا قامت حجَّة النبوة على مُنكِرِه حُكِمَ بكفْره، وهو بيِّن في عدم إيمانه بالله، ومن تأوَّل قوله: "لئن قدر عليَّ" بمعنى قضى أو بمعنى ضيَّق، فقد أبعد النَّجعة، وحرَّف الكلم عن مواضعه؛ فإنه إنما أمر بتحريقه وتفريقه؛ لئلا يُجمع ويُعاد، وقال: "إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذَرُّونِي في الريح في البحر؛ فوالله لئن قدر الله عليَّ ليُعذبنِّي عذابًا ما عذبه أحدًا"، فذِكْرُ هذه الجملة الثانية بحرف الفاء عقب الأولى يدل على أنها سبب لها، وأنه فعل ذلك لئلا يقدرَ الله عليه إذا فعل ذلك، فلو كان مُقرًّا بقدرة الله عليه إذا فعل ذلك كقدرته عليه إذا لم يفعل ذلك - لم يكنْ في ذلك فائدةٌ له".

 

2- حديث مسلم والنسائي وأحمد وعبدالرزاق عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "ألا أحدثكم عني وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قالوا: بلى، فذكرت ليلةً كان عندها، فلما ظنَّ أنها نامت خرَج إلى البقيع فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، وعاد، فسبقتْه عائشة - بعد أن كانت تبعته - إلى البيت، وفيه: ثمَّ قال: ((أظننتِ أن يَحيف الله عليك ورسوله؟!)) قالت: مهما يَكتم الناس يعلمه الله؟ قال لها: ((نعم))، قال شيخ الإسلام في المجموع: فهذه عائشة أم المؤمنين سألت النبي -صلى الله عليه وسلم-: هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟ فقال لها: ((نعم))، وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها بأن اللهَ عالِم كل شيء يكتمه الناس كافرةً، وأن الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكار علمه بكل شيء، كإنكار قدرته على كل شيء".

 

3- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن ناسًا قالوا: "يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟"؛ والحديث رواه أبو داود والترمذي مُختصَرًا ومُطولاً، وابن ماجه مُختصرًا، وصححه الألباني وعبدالقادر الأرناؤوط، فهذا الحديث يدل على أنهم جهلوا عقيدة الرؤية، حتى سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهل أخبرهم أنهم كفروا بذلك، ويجب عليهم أن يجددوا إسلامهم؟! أم عذَرهم وعلَّمهم الحق؟! ومسائل التوحيد كثيرة جدًّا متشعِّبة، منها ما يعرفه العوام، ومنها ما يعرفه طلاب العلم، ومنها ما لا يعرفه إلا العلماء المتخصِّصون، فبأي ضابط تُضبَطُ هذه المسائل، وبأي حدٍّ يكفر من يجهل شيئًا منها، وهل لا يصير العبد مُسلمًا حتى يتعلم كل هذه المسائل؟! ولماذا إذًا يُحكَم بالإسلام بمجرَّد النطق بالشهادتين؟!

 

4- حديث ذات الأنواط الذي مرَّ علينا ظاهرٌ في أن بعض الصحابة من مسلِمة الفتح الذين لم يتعلموا بعدُ كلَّ أمورِ التوحيد - طلبوا من النبي -صلى الله عليه وسلم- شجرةً يتبرَّكون بها كما يفعل المشركون سواءً بسواء، فهل كفَّرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بأعيانهم، وأخبرهم أنهم خرجوا بذلك من ملة الإسلام، والواجب عليهم أن يتوبوا ويعودوا إلى الدين مرةً ثانية؟! أو يُقام عليهم حدُّ الردَّة على قول مَن لا يَعذِر بالجهل في أمور التوحيد؟! أم عذَرهم بجهلهم وأخبرهم أن ما سألوه هو الكفر بعَينه، وهو ما سألت بنو إسرائيل موسى - عليه السلام؟! فكفَّر مقالتهم، ولم يكفِّر أعيانهم!! فانظر - رحمك الله - أي الفريقَين أهدى سبيلاً وأقوم طريقًا، والحمد لله الذي هدانا إلى سنَّة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وطريقةِ مَن أمرَنا الله باتِّباع طريقته.

 

5- حديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنهما - مرفوعًا: ((يَدرُس الإسلام كما يدرس وَشْي الثوب، حتى لا يُدرَى ما صيام ولا صلاة ولا نُسكٌ ولا صدقة، ولَيُسْرَى على كتاب الله في ليلة فلا يَبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس - الشيخ الكبير والعجوز - يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: "لا إله إلا الله" فنحن نقولها))، فقال له صِلَةُ: ما تُغني عنهم "لا إله إلا الله" وهم لا يَدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟! فأعرض عنه حذيفة، ثم ردَّها عليه ثلاثًا، كل ذلك يُعرض عنه حذيفة، ثم أقبل في الثالثة عليه فقال: "يا صلة، تُنجيهم من النار" ثلاثًا؛ والحديث رواه ابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وصحَّحه الألباني، والحديث ظاهر في العذر بالجهل عندما يُرفع العلم ويَفشو الجهل، ولا يعلم الناسُ من الإسلام غيرَ كلمة التوحيد، ولا يَدرون ما صيام ولا صلاة ولا نسكٌ ولا صدقة.

 

6- حديث سجود معاذ - رضي الله عنه - للنبي -صلى الله عليه وسلم- وقد رواه ابن ماجه وابن حبان، وفيه دليل واضح على أن مَن سجَد لغير لله جاهلاً بأن السجود عبادة ينبغي ألا تكون لغير الله - لا يَكفر بذلك، ويُقاس عليه غيرُه من الكفر العملي، قال الشوكاني في نيل الأوطار: مَن سجد جاهلاً لغير الله، لا يَكفر.

 

7- حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذِ بن عفراء - رضي الله عنها - وفيه: ".. إذ قالت إحداهنَّ: فينا نبيٌّ يعلم ما في غد، فقال: ((دعي هذه وقولي بالذي كنتِ تقولين))؛ والحديث رواه البخاري وابن ماجه بنحوه، وزاد فيه: ((ما يعلم ما في غدٍ إلا اللهُ))، فهل كفَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من ادعى أنه يعلم الغيب، مع أن الواجب اعتقاده أن الله -تعالى- هو وحده عالم الغيب؟! وإنما عذرهن لجهلهنَّ، وقال لهن: ((ما يعلم ما في غد إلا الله)).

 

8- حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أن رجلاً قال للرسول -صلى الله عليه وسلم-: "ما شاء الله وشئتَ"، فقال: ((أجعلْتَني لله ندًّا؟! بل ما شاء الله وحده))؛ والحديث رواه ابن ماجه والبُخاري في "الأدب المُفرد" وأحمد، وحسَّن الألبانيُّ إسناده في "الصحيحة"، وقال في صحيح ابن ماجه: حسن صحيح، فهذا الرجل سوَّى بين مشيئة الله -تعالى- ومشيئة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا من الكفر كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك لم يكفِّره رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وكل هذه أدلة من السنَّة المطهَّرة على ثبوت العذر بالجهل في أمور التوحيد.

 

وهناك كذلك أدلة على ثبوت العذر بالجهل في غيره من أمور الحلال والحرام؛ فمن ذلك الرجل الذي شَهِد أربع مرات على نفسه بالزِّنا، فسأله النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((هل تدري ما الزنا؟))، فقال له: أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً، ووجْه الدَّلالة أن هذا الرجل وجب عليه الحدُّ بعد أن زالتْ شبْهة الجهل بالزنا وحرمته، فأما الجاهل بحرمته، فهو معذور بجهالته؛ قال ابن القيم في "زاد المعاد": إن الحدَّ لا يجب على جاهلٍ بالتحريم؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- سأله عن حُكمِ الزنا، فقال: "أتيتُ منها حرامًا".

 

ونُقل عن عثمان أنه عَذَر جاريةً أعجميةً زنت، وادَّعت جهلها بالزنا، وكذلك ورد عن عمر أنه عَذَر رجلاً في الشام ولم يحدَّه عندما ادعى الجهل بتحريم الزنا، وروى البخاري أن رجلَين رفَعا أصواتهما في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال لهما عمر: "من أين أنتما؟"، قالا: "من أهل الطائف"، قال: "لو كنتما من أهل هذه البلدة، لأوجعتكما؛ أترفعان أصواتكما في مسجد رسول - صلَّى الله عليه وسلَّم؟"، قال ابن حجر: "وفيه المعذرة لأهْل الجهل إذا كان مما يَخفى عليهم مثلُه".

 

وأكتفي بذلك من الأدلة، وأذكر بعض نقولات العلماء في إثبات العذر بالجهل، فمن ذلك ما قاله ابن العربي: "الطاعات كما تُسمى إيمانًا، كذلك المعاصي تُسمَّى كفرًا، لكن حيث يُطلق عليها الكفر لا يُراد عليه الكفر المُخرِج من الملَّة، فالجاهل والمُخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مُشركًا أو كافِرًا، فإنه يُعذر بالجهل والخطأ؛ حتى يتبيَّن له الحجَّة التي يَكفر تاركُها، بيانًا واضحًا ما يلتبس على مثله، ويُنكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعًا يعرفه كلٌّ من المسلمين من غير نظرٍ وتأمل، كما يأتي بيانه - إن شاء الله - ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع".

 

وقال الإمام الطحاوي:

"ولا نكفِّر أحدًا من أهل القِبلة بذنب ما لم يستحلَّه، ولا نقول: لا يضرُّ مع الإيمان ذنبٌ لمن عمله، نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نُقَنِّطُهم، والأمن والإياس يَنقلان عن ملَّة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القِبلة".

 

وقال الحافظ الذهبي في الكبائر:

"واعلم أن كثيرًا من هذه الكبائر إلا الأقل يَجهل خلقٌ من الأمة تحريمَه، وما بلغه الزجْر عنه ولا الوعيد، فهذا الضرب فيه تفصيل، فينبغي للعالم ألا يستعجل على الجاهل، بل يَرفق به ويعلّمه مما علّمه الله، ولا سيَّما إذا كان قريب العهد بجهالته، إلى أن يقول: فمن أين لهذا المسكين أن يعرف شرائع الإسلام، والكبائر واجتنابها، والواجبات وإتيانها؟ ومَن لم يجعل اللهُ له نورًا فما له من نور، فلا يأثم أحد إلا بعد العلم وبعد قيام الحُجَّة عليه، والله لطيف رؤوف بهم؛ قال -تعالى-: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: 15]، وقد كان سادة الصحابة بالحبشة، ويَنزل الواجب والتحريم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا يبلغهم إلا بعد أشهر، فهم في تلك الأمور معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص، وكذا يُعذر بالجهل من لم يعلَم حتى يسمع النصَّ، والله أعلم".

 

وقال الإمام ابن حزم في "الفصل":

صح أنه لا يكفر أحدٌ حتى يبلغه أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا بلغه فلم يؤمنْ به، فهو كافر، فإن آمن به ثم اعتقد ما شاء الله أن يعتقد في نِحلة أو فُتيا، أو عَمِلَ ما شاء الله أن يعمله دون أن يبلغه في ذلك شيء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حكم بخلاف ما اعتقد، أو قال أو عمل، فلا شيء عليه أصلاً حتى يبلغه، فإن بلغه وصحَّ عنده: فإن خالفه مجتهدًا فيما لم يتبيَّن له وجهُ الحق في ذلك، فهو مُخطئ معذور مأجور مرةً واحدةً، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجْران، وإن أخطأ، فله أجْر))، وكل معتقِد أو قائل أو عامِل فهو حاكم في ذلك الشيء، وإن خالفه بعمله معاندًا للحق، مُعتقدًا بخلاف ما عمل به، فهو مؤمن فاسق، وإن خالفه مُعاندًا بقلبه أو قوله، فهو مشرك كافر، سواء ذلك في المعتقدات والفُُُُُُتيا؛ للنصوص التي أوردناها، وهو قول إسحاق بن راهويه، وبه نقول وبالله التوفيق.

 

وقال ابن تيمية في "المجموع":

"إني من أعظم الناس نَهيًا أن يُنسب معيَّن إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي مَن خالَفها كان كافرًا تارةً، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أُقرِّر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعمُّ المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية، وقال - رحمه الله -: لو سجد رجلٌ لرجل على أن هذا من الدِّين، لا يكفر حتى يبيَّن له".

 

وقال ابن القيم في "طريق الهجرتين":

"الأصل الثاني: أن العذاب يُستحق بسببَين؛ أحدهما: الإعراض عن الحُجَّة، وعدم إرادتها، والعمل بها وبموجبها، الثاني: العِناد لها بعد قيامها، وترْك إرادة موجبها، فالأول: كفرُ إعراض، والثاني: كفرُ عناد، وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحُجَّة وعدم التمكُّن من معرفتها، فهذا الذي نفى اللهُ التعذيبَ عنه حتى تقوم حُجَّة الرسل".

 

وقال الشيخ محمد بن عبدالوهاب:

"إذا كنا لا نكفِّر مَن عبد الصنم الذي على قبَّة عبدالقادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما؛ لأجل جهْلِهم وعدم مَن يفهِّمهم، فكيف نكفِّر مَن لم يشركْ بالله إذا لم يُهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!".

 

وقال القرطبي في "التفسير":

"فكما أن الكافر لا يكون مؤمنًا إلا باختياره الإيمانَ على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافرًا من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره بالإجماع".

 

وقال الشيخ أبو بكر الجزائري في رسالة "مَن يُعذر ومَن لا يُعذر" في ذكر أمثلة لهم:

"المثال الخامس: مسلم يَنذِر للأولياء ويذبح لهم أو على أرواحهم، فيقال له في ذلك، فيدَّعي الجهل بعدم الجواز، فإنه يُعذر بالجهل ويُعَلَّم، فإن أصر يؤخذ عليه؛ لأنه أتى شركًا لا خلاف في حرمته وهلاكِ صاحبه، وما أتاه في حال الجهل هو آثِم فيه؛ لعدم تعلُّمه أمورَ دينه، ثم ذكر - حفظه الله - بأجوبة مُشابهة من يدعو غير الله، ومن يطوف بأضرحة الصالحين، ومن يقضي بغير الشرع، ومن يأتي بِدعًا مُفسِّقة أو مكفِّرة، ومَن يدَّعي علم الغيب، ثم قال - حفظه الله -: "وقد تبيَّن أن المسلم يُعذر بالجهل فيما يأتي ويترك، ويَبطل العذرُ بعد تعليمه، وأنه آثِم في تعاطيه المحرَّمَ الذي اعتذر بالجهل فيه، وإثمُه مِن تركه معرفةَ ما يجب عليه تعلُّمه من أمر دينه".

 

قال الشيخ الألباني:

"هذه حقائق لا يعرفها جماهير الناس؛ ذلك لأن دعوة التوحيد مضى عليها زمن طويل، داخَلها كثيرٌ من الشركيات والوثنيات، حتى رانتْ هذه الجراثيم والميكروبات على التوحيد، حتى صار أكثر الناس مرضَى مرَضًا هو الموت الحقيقي؛ لأنه ما فائدة حياة الإنسان في هذه الدنيا وهو يعيش يعبد غير الله -تعالى- وليس هذا فقط فهو يدخل ويكون في المسجد قبرٌ فيأتيه ويطلب منه ما يطلب من الله -تعالى- أقول مع هذه الدَّلالات كلها: نحن لا نستطيع أن نكفِّر المسلمين".

 

هذه بعض أقوال بعض أهل العلم في هذه المسألة، وكل أقوال أهل العلم العدول تحمل نفس هذا المنهج، ومع ذلك فهناك مَن خالف هذا المنهج الواضح، وكفَّر كل من جهل التوحيد في كتابه: "الجواب المفيد في كفر جاهل التوحيد"، وقد استدل مصنِّف الكتاب بعدد من الأدلة من الكتاب والسنَّة، معتمدًا فيها على المراوغة والتدليس، وترك النصيحة لله ولرسوله وللمسلمين، وقد تتبَّعه الدكتور: أحمد فريد - حفظه الله - وأجاب عن أدلته وأدلة غيره ممن نحا هذا المنحى الفاسد في تكفير المسلمين، وذلك في كتابه المبارك: "العذر بالجهل والردُّ على بدعة التكفير"، فارجع إليه تفدْ - إن شاء الله.

محمود العشري

كاتب له عدد من الكتابات في المواقع الإسلامية

  • 1
  • 1
  • 15,024
المقال السابق
(19) الحلف بغير الله
المقال التالي
(21) بعض المسائل التي لها علاقة بتوحيد الألوهية

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً