كذبة في إبريل

منذ 2018-04-12

في ظل عالم كهذا العالم، وواقع كهذا الواقع: تغدو كذبة إبريل كذبة متواضعة خجولة خفيفة الظل..

((فإنه إن كان صدق الله قد ازداد بكذبي لمجده؛ فلماذا أدان أنا بعدُ كخاطئ؟!))

(رسالة بولس إلى أهل رومية، على لسان الكاذب)

(1)
يحدثونك عن كذبة إبريل، تأييدًا ورفضًا، وكأن الكذب في إبريل ظاهرة فاذة غريبة عن أخواتها الكذبات المتسلسلات المستمرات التي نحياها ونتنفسها، حتى أصبحت جزءًا من كياننا. ليت الكذب كان في إبريل. ليت الكذب كان معروفًا متفقًا عليه مسبقًا كما يصارحنا إبريل الصادق المظلوم، الذي يفاتحنا بوضوح واختصار: أنا أكذب. أين الصدق الذي نعيشه لنفزع من كذبة أو كذبات، جزئية، مكشوفة؛ في شهر؟ أليست حياتنا جبلًا من الكذب المتراكم المتراكب، الذي بلغ تمتينه وتأسيسه، وتمادى شيوعه واستمراره: إلى أن أصبح الكذب هو الصدق بحد ذاته، ومن يخالفه هو كاذب أو مفتر. ألم يصدُق المتنبي -الذي لم يكن متنبيًا أيضًا!- حين قال إذن:

وشأنُ صِدقِك عند النَّاس كِذْبُهُمُ *** وهل يُطابَق مُعوَجٌّ بمعتدلِ

(2)
باختصار: إنه عالم الأكاذيب. الحاكم يكذب على الشعب. ملكٌ كذاب، كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم أبشع المجرمين يوم القيامة عند الله. نحن نخضع في إذعان ومهانة لمكيافيلي حين صارحنا أنه «يجب أن نفهم أنه يستحيل على الأمير أن يحترم القيم الأخلاقية، وأنه مجبر في أغلب الأحيان على التصرف ضد الإنسانية والإحسان، بل وضد الدين؛ من أجل المحافظة على الدولة»، هكذا الحكام قبل ميكيافيلي وبعده بطبيعة الحال، فقط قال لنا أبو السياسة الحديثة أنه لا يجب على الحكام أصلا أن ينكروا ذلك ويتظاهروا بالصلاح. ولكن ليس الحكام فقط يكذبون. المحكومون أيضا يكذبون. حول الحاكم جوقة ضخمة من الإعلام وعلماء الدين والمثقفين والأثرياء؛ يمارسون له أشد أنواع البغاء رذيلةً. حتى عوام الشعوب المنتهكة المعدمة، ونخبها المسماة بالطبقة الوسطى، وبفضل الفساد والإفساد المتتالي؛ صار بعضهم يقاسم الحكام المصالح، فيكذب معهم، وبعضهم مطموس عليه يصدّق كذب الحاكم، ويكذّب عينيه وقلبه، ويكذب على نفسه، ويحارب من يَصْدُقه!

(3)
وحتى على الجانب الديني، المفترض كونه أكثر المجالات قداسة وطهارة. ما هذا الكذب الذي يسبح فيه؟ بين من يكذبون على الله وعلى أنفسهم، فينتعلهم أي مجرم طاغية، عالمين بذلك أو غافلين جاهلين، أو متأولين مستصلحين، يمارسون التطبيل والتبرير والرقص حرفيًّا، يبدلون مواقفهم بتغير إشارة بوصلة الحاكم ودوائره، بلا حياء من الله ولا الناس. وبين من يناوئ الحكام ولو على حساب جماجم المستضعفين، ويصدر البيانات الكاذبة التي ليست أكثر من جعجعة عن انتصارات وفتوحات ودول كونية افتراضية، ولا يأبهون بعظم الفساد والإفساد الذي اضمحلت أمامه كل مصلحة. حتى أضحى كثيرٌ منهم مرضى نفسيين بالوهم والحياة المزدوجة والانفصام عن الواقع.

حتى في المجالات العلمية المحضة. بين من يدعى التجديد والتنوير، وهو من أعظم الناس تعصبًا وجهلًا، ومن يدعي المحافظة والسلفية وليس يقصد إلا تقليد نفسه وبعض شيوخه وسحق من يخالفه ولو كانوا من السلف أنفسهم!، وبين غلاة التراث الذين لا يقبلون أي تنقيح له ولا مراجعة ولا اجتهاد مسؤول! ثم ترى من يدعي المحافظة والاتباع والسلفية: بلغ بهم تسيبهم، وفرط دعواهم الاجتهاد مع افتقاد أبسط أدواته: إلى التسيب والانحلال من المسائل المعروفة المشهورة بل وبعض المجمع عليه، بفضل تلك الدعوى الكاذبة. وعلى نقيضهم أولئك الذين يدعون التنوير والتجديد، وجدناهم في ركاب أقذر العصابات الإجرامية ظلامية وتخلفًا واستبدادًا.

وهكذا يصير «مَنْ وُجِدَ مِنْ علماء الحقِّ في هذه القرون المتأخِّرة رُمِي بالابتداع ومخالفة الإجماع» كما قال المعلّمي متألمًا ذات مرة. حتى من يعترف بغيره من العلماء، رافعًا عقيرته بنفي التعصب، هو الآخر يقصر تلك الفضيلة عن غيره لمجرد خلافه له، ويحصر رخصة الاعتراف المقدسة في مجموعة أو مجموعات معينة، ويسحبها من مخالفه، فانمحق الاجتهاد، وعم التقليد المحض المتعصب، باسم السلفية وباسم المذهبية سواء. ففشا الفساد بين الطرفين كما هو مشاهد. كما يقول المعلمي نفسه أيضا: «لمّا تكافأت هذه الأربعة المذاهب اصطلح فقهاؤها على أن يعترف كلٌّ منهم للآخر، ويتعصبوا على مَن خرج عنهم. فصار الاجتهاد مطرودًا متعصَّبًا عليه، ومن تظاهر به قيل: هذا مبتدع خارج عن المذاهب الأربعة، فاجتمعوا على أذيته، ولم يجد من يردُّ عنه، لأن أمور الدولة بأيديهم. ثم يجيء طالب العلم، فيرى هوانَ الاجتهاد وما وقع فيه صاحبه من المشقة والعناء، فتنصرف همتُه عن سلوك تلك الطريق، لما يرى أن نتيجتها في الدنيا العناء والتعب، بخلاف طريق التقليد، فإنه يرى نتيجتها في الدنيا القضاء والإفتاء، والمناصب العالية، والرتب السامية، والأموال الواسعة، والمواكب التابعة، إلى غير ذلك».

(4)
فلندعنا من النخبويين إذن، سواء أكانوا سياسيين أو إعلاميين أو مثقفين أو علماء دين. لنرجع على أنفسنا، وكدِّنا المتلاحق اللاهث خلف القيم الفاضلة. العدالة، والسعادة والرفاه. يكذبون علينا نعم، ولكننا نكذب على أنفسنا أكثر، حين نصدقهم، وحين نتمادى في البناء على كذبهم. لم يعد الأمر: «اكذب اكذب حتى يصدقك الآخرون» كما كان يقول جوبلز وزير الكذب النازي، بل صار: «اكذب أكثر حتى تصدق نفسك». ألسنا نكذب حين ندعي أننا نحب العدالة، والحال أن حكيمنا الجاهلي زهير بن أبي سلمى كان ناظرًا إلى الناس حين قال: ومن لا يظلمِ الناسَ يُظْلَمِ. ألم يكن المتنبي صادقًا أيضا حين قال:

والظلمُ من شِيَم النفوس فإن تجد ** ذا عفةٍ؛ فلعلةٍ لا يظلمُ!

لقد سبق صاحبُنا المتنبي الحكيم، الأديبَ العجمي في «حِكمه» -لاروشفوكو- الذي قال بجرأة صادقة: «إن حب العدالة بالنسبة لأغلبية الناس ليس إلا خوفًا من عذاب الظلم». هل إذا تمكنّا -نحن- سنكون صالحين عادلين طيبين ضدهم -هم-، أم سنصبح مستبدين ظالمين لكل من يخالفنا في نقير أو قطمير؟ هل إذا أمِنَّا العقوبة سنحسن الأدب؟ إننا لم نجرب ذلك على الأقل في عصرنا، ولكن التاريخ يعطينا كم كان أكثر المستبدين أخلاقيين بالنسبة لأنفسهم! لقد قال بعض الفلاسفة قديما إن قمة الطغيان لابد أن يرافقها قمة المثالية، على كل حال. ألم يناد نيتشه المجنون على الساخطين على الدهر الرامين إياه بكل نقيصة، بأنكم فقط لم تمنحوا الفرصة للاستمتاع بالنقائص!:
«أنظر إلى صغار الناس. وأخص منهم الشعراء. بأي بيان يشكون الدهر وتصاريفه؟! إذا ما أصغيتَ إلى هذا الأنين الشاكي؛ فلا يفوتنك أن تنصت لنبرات اللذة في كل شكوى! إن الحياة تقول لمن يشكو، وهي تتحكم فيه بغمزة من عينيها: إنك عاشقي، فانتظرني لحظة لأتفرغ لك!».

وقبل ذلك كله، وبعده، ألم يقل الله الحق المبين: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ} [الشورى من الآية:27]، وقال: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ}[البقرة من الآية:251]!

(5)
حتى السعادةألسنا نكذب حين ندعي أننا سعداء، في حين أنه ليس لدينا أي مبرر للسعادة! هل نتفلسف كثيرًا عندما نقول: ما معنى السعادة في عالم ناقص في نفسه، لا يعطي أكثر مما يأخذ، كل حلوائه خاطفة. أرسطو القديم محق عندما قال لابنه نيقوماخوس ناصحًا: «إن خطّافا واحدا لا يدل على حلول فصل الربيع، كما أن يوما واحدا مشمسا لا يدل عليه، وبالمثل: فليس يوم واحد ولا لحظة قصيرة كافيين للحديث عن الهناء والسعادة»! نحن في عالم ناقصة فيه ذواتنا، ناقصة فيه أعمالنا، لم نتحقق فيه بصورة كاملة قط. هل نوافق ستيورات مل حين رأى «أن الشخص الذي لديه تطلعات راقية سيشعر دائما أن السعادة التي ينشدها، كيف ما كانت؛ هي سعادة غير تامة»!

السعادة التامة على كل حال، ليست لحظية، أو ينبغي أن تكون هكذا إن لم نرد الكذب على أنفسنا. إنها «مرتبطة بالديمومة» كما حاول لويس لافيل أن يعبّر، أو أن السعادة «هي المستقبل. وأحيانا تحيل على الماضي، لكنها نادرا جدا ما تكون السعادة مرتبطة بالحاضر»، كما قال الفيلسوف الفرنسي جورج غوسدروف. ليست حياتنا فقط التي تفتقر إلى السعادة الحقيقية. الحضارة كلها ناقصة مفتقرة للسعادة، لأنها فانية، ولا معنى لها في نفسها إلا إن ارتبطت بمعنى سام، هو الفضيلة المرتبطة بالوجود الإلهي الدائم. حتى الحضارة التي ترغب في النجاح والرفاه أكثر من غيرها، هل ستكون سعيدة حقًّا كي تنجز إنجازا جبارا كهذا الإنجاز، أم أنه «لكي تنتصر حضارة ما، لابد من وجود نوع من الردع، ومن غياب السعادة» كما نبهنا هربرت ماركوز المتشائم. لقد أطنب فرويد كثيرا في نقده الحضارة والثقافة فيما يتعلق بـ «السعادة وهاجس التقدم».

(6)
ماذا يمكن أن نقول أيضا عن حياتنا الاجتماعية على صعيد الصدق والكذب. حبنا الذي ليس بحب ولكن رغبة. صداقتنا التي ليست أكثر من مصالح. أعمالنا التي ليست أعمالًا، وإهمالنا الذي غدا أسلوب حياة. جدنا غير الجاد، وهزلنا المتسم بالإتقان. جرائمنا المعذورة، ومحاسن غيرنا المهدورة. ابتساماتنا التي لا معنى لها. تهانئ العيد الجماعية التي تقول للمهنئين: «لقد نجوتُ من ثقل الاشتغال بتهنئتكم لأنكم أوغاد لا تستحقون تضييع الوقت، أو لأن عندي الكثيرين من عيِّنتكم». النفاق المسمى ذكاء اجتماعيًّا، والوقاحة المسماة صراحة، والتفاهة المسماة خفة ظل، والثقل المسمى وقارًا، والحرام المسمى عيبًا، والدين المسمى تقاليد. وحتى الزمالك القادم منذ قرن. نحن نعيش في أعظم نسيج متضافر من الكذب اللفظي والسلوكي.

(7)
في ظل عالم كهذا العالم، وواقع كهذا الواقع: تغدو كذبة إبريل كذبة متواضعة خجولة خفيفة الظل. بل يصبح تصنيف كذبة إبريل ككذبة؛ هو أكبر كذبة في إبريل

Editorial notes: المصدر: مدونات الجزيرة

عمرو بسيوني

باحث شرعي بمبرة الآل والأصحاب

  • 1
  • 0
  • 8,826

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً