في الهجرة!!

منذ 2018-09-13

إن الدرس الأبرز في الهجرة هو أن الله أغاث الأرض بالوحي، هو أن الوحي وحده قادر على إصلاح ما أفسد حزب الشيطان

{بسم الله الرحمن الرحيم}
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

      تعرَّض صاحب الظلال- رحمه الله- إلى تأخر تشريع الجهاد لما بعد الهجرة. حاول أن يبحث عن العلّة في أمر الله للمؤمنين بالصبر على الأذى في مكة دون رد وذكر أسبابًا، يقول: لتتربى النفوس المؤمنة حتى تتجرد لله ويذهب عنها الانتقام لنفسها، وحتى لا تنشأ معارك داخل البيوت بين من آمن ومن لم يؤمن؛ ولعلم الله بأن الذين يعذِّبون المؤمنين سيكونون منهم بعد قليل؛ ولأن النخوة العربية كانت تثور للمظلوم وتنتصر له، ومخافة أن تستأصل قريش أفرادَ الدعوة في مكة، ولأن الدعوة كانت قائمة يمثلها شخص الحبيب- صلى الله عليه وسلم- محميًا في سيوف بني هاشم فلم تكن هناك حاجة لفرض الجهاد والدعوة قائمة. هكذا تكلم - رحمه الله وأسكنه فسيح جناته-.

  وعند التدبر نجد أن هذه الأسباب لم تنقطع بالهجرة. بل زادت واشتدت!!

 فقد كانت الهجرة اقتحام لمزيدٍ من المخاطر. لم تكن الهجرة - بحسابات العقل- سوى إثارة للأحمر والأسود على المسلمين!!
 قبل الهجرة كانت قريش وحدها هي التي تعادي الجماعة المؤمنة، وبعد الهجرة حرضت قريش كفار المدينة على المهاجرين فتجمعوا لقتالهم وكادوا يقضون على الدعوة في مهدها، والقصة مشهورة؛ فبات في العدواة قريش ومن لم يؤمن من الأوس والخزرع، ثم جاءت يهود وكانت تحيط بالمدينة (قريظة والنضير وخيبر ووادي القرى وفدك) وتجاور المسلمين بداخلها (بنو قينقاع) وكانت يهود أكثر عددًا وعتادًا من المسلمين وأصحاب قضية ولديهم فوق السلاح والرجال الشبهات وبدؤوا ببثها مباشرة حين رأوا النبي-صلى الله عليه وسلم، وفعَّلوا المنافقين.. أمدوهم بالشبهات. وزاد الأعداء عدوًا رابعًا: الأعراب حول المدينة، وقد كانت عامة غزوات النبي وسراياه فيهم؛ ومما يذكر-كمثالٍ-أن قبيلة سليم بن منصور دخلت الحرب بعد بدر مباشرة وكانت بعيدة الدار(غزوة قراقرة الكدر)، وكذا أبناء عمومتهم من هوازن (بني عامر بن صعصعة تحديدًا) وغطفان، وخزاعة (بنو المصطلق) وهذيل وغسان، وقبل بدر حاولت ضمرة وغيرها. فقد كانت الهجرة بمثابة تقليب الناس على الجماعة المؤمنة واستنفار العداوات لا كبحها.

 ولم تحل الهجرة مشكلة الاقتتال الداخلي الذي كان يخشى منه لو فرض الجهاد في مكة، فلم تكن كل بيوت الأنصار قد دخلت في الإسلام بعد الهجرة، وبالفعل تجمع من لم يؤمن ليقاتل من آمن وكادت تقوم الحرب الأهلية ودعمت قريش من لم يؤمن واليهود حضور بعددهم وسلاحهم، فضلًا عن أن مجتمع المدينة كان مقسومًا داخليًا ومهيئًا للحرب الأهلية بطبعه: فأوس وخزرج، وقريظة والنضير، وتحالفات عسكرية داخلية (قريظة والأوس في مقابل النضير وقينقاع والخزرج) وخبرات قتالية وطنت الأحقاد والآلام،..

وأكذب ما يمكن أن تسمعه هو النخوة العربية عند أهل الجاهلية، كانوا بأسوأ حال: يعبدون الأصنام، ويقطعون الأرحام، ويأتون الفواحش، ويسيئون الجوار، ويأكل القوي منهم الضعيف كما وصف جعفر، فأين كانت النخوة؟؟!!

 ولم تكن القبائل تهب إلا لسادتها والمقدمين فيها، ومرات معدودة. وحين بعث فيهم محمد- صلى الله عليه وسلم- لم تظهر فيهم أدنى أمارة على المروءة، باستثناء حالات فردية ولبعض الوقت فكما كان أبو طالب كان أبو لهب. كانوا على ما وصف جعفر بن أبي طالب؛ فلم ينصروا أخاهم ظالمًا أو مظلومًا كما ادعوا، بل حبسوا أخاهم وعذبوه، وما زالوا به حتى خرج من بينهم سرًا، ولم يتركوه، بل لاحقوه وقاتلوه وحاولوا أن يقتلوه فقط لأنه قال ربي الله، لأنه أراد أن يغير نظام الحياة ليكون على مراد الله في خلقه!!

واستدعاء النماذج الجاهلية في الكرم- كحاتم الطائي- والشجاعة- كعمرو بن كلثوم والسموأل بن عدي- تستبطن الحديث عن تطور في البيئة، وتستبطن صرف الناس عن النماذج الإسلامية، فقد كان أكرم العرب سعد بن عبادة-رضي الله عنه- هو وأبيه وابنه، وزكاهم الصادق-صلى الله عليه وسلم-، وأين شجاعة دعار طيء-كما وصفهم سيدهم- ومن حولها من الأعراب من شجاعة أبي بكر يوم الردة وعمر وعثمان يوم حاصروه وعلي والزبير وطلحة وأسد الصحابة؟!

فخ معرفي نصبه أرباب "التطور الفكري" و "حتمية تأثير البيئة"!!

إن الدرس الأبرز في الهجرة هو أن الله أغاث الأرض بالوحي، هو أن الوحي وحده قادر على إصلاح ما أفسد حزب الشيطان.

النبي- صلى الله عليه وسلم- صنعه ربه، والصحابة صنعهم النص (القرآن والسنة) كليةً، ونزل الوحي بالجزيرة لأنها خلية من أي أثرٍ للمعارف ليعلم الجميع أن الوحي وحده قادر على صنع أفضل نموذج بشري، وقد سمعت الدكتور مصطفى محمود يتحدث في ندورة فقال: استعرضت الديانات ثم جئت إلى الإسلام فقلت لا يمكن أن يكون هذا من الأرض.. مختلف كليةً وضرب أمثلة بتطور الصحابة وطبيعة النص القرآني.

لهذا  كانت الهجرة!!

كانت إعلانًا صريحًا عن أن الخلاف داخل مكة عقدي بحت وليس خلافًا داخليًا!!

كانت إعلانًا صريحًا عن الله وحده هو الذي ينصر الدين بعد أن يستفرغ القائمون عليه وسعهم في تحقيق الإيمان وما يستطيعون من أسباب. 

  • 12
  • 0
  • 538

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً