فوائد من كتاب روضة المحبين لابن القيم (2-4)

منذ 2019-09-13

ومما يدلُّ على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفكُ عن تعظيم صاحبه, ومحبته, والميل إليه.

 

الجمال المحبوب لذاته:

 الجمال ينقسم قسمين: ظاهر, وباطن.

والجمال..المحبوب لذاته..جمال العلم, والعقل, والجود, والعفة, والشجاعة, وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده وموضع محبته, كما في الحديث الصحيح: ( « إن الله لا ينظر إلى صوركم, وأموالكم, ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » )

وهذا الجمال الباطن يُزيِّن الصورة الظاهرة, وإن لم تكن ذات جمالٍ, فيكسو صاحبه من الجمال, والمهابة, والحلاوة بحسب ما اكتسبت روحه من تلك الصفات, فإن المؤمن يُعطى مهابة, وحلاوة بحسب إيمانه, فمن رآه هابه ومن خالطه أحبه, وهذا أمر مشهود بالعيان, فإنك ترى الرجل الصالح, الحسن, ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة, وإن كان..غير جميل, ولاسيما إذا رُزق حظّاً من صلاة الليل, فإنها تُنور الوجه, وتحسنه.

وقد كان بعض النساء تكثرُ من صلاة الليل, فقيل لها في ذلك, فقالت: إنها تحسِّنُ الوجه, وأنا أحبُّ أن يحسن وجهي.

ومما يدلُّ على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفكُ عن تعظيم صاحبه, ومحبته, والميل إليه.

الجمال الظاهر نعمة من الله على عبده إن شكرها بتقواه ازداد جمالاً

الجمال الظاهر زينة خصَّ الله بها بعض الصور عن بعض, وهي من زيادة الخلق, التي قال الله تعالى فيها: {يزيدُ في الخلق ما يشاء } [فاطر:1] قالوا: هو الصوت الحسن والصورة الحسنة, والقلوب كالمطبوعة على محبته كما هي مفطورة على استحسانه.

وكما أن الجمال الباطن من أعظم نعم الله على عبده, فالجمالُ الظاهر نعمة منه أيضاً على عبده, يُوجب شكراً, فإن شكراه بتقواه وصيانته, ازداد جمالاً على جماله, وإن استعمل جماله في معاصيه سبحانه, قلبه له شيناً ظاهراً في الدنيا قبل الآخرة, فتعود تلك المحاسنُ وحشةً, وقبحاً, وشيناً, وينفر عنه كل من رآه, فكلُّ من لم يتق الله في حسنه وجماله, انقلب قبحاً وشيناً يشينه به بين الناس, فحسن الباطن يعلو قبح الظاهر ويستره, وقبحُ الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره.

وقال بعض الحكماء: ينبغي للعبد أن ينظر كلَّ يوم في المرآة, فإن رأى صورته حسنةً, لم يشينها بقبيح فعله, وإن رآها قبيحةً, لم يجمع بين قُبح الصورة وقُبح الفعل

أقسام النفوس ومحابِّها:

النفوس ثلاثة: نفس سماوية عُلوية, فمحبتها منصرفة إلى المعارف, واكتساب الفضائل, والكمالات الممكنة للإنسان, واجتناب الرذائل, وهي مشغوفة بما يقربها من الرفيق الأعلى, وذلك قُوتُها, وغذاؤُها, ودواؤًها, واشتغالها بغيره هو داؤُها.

ونفس سبعية غضبية, فمحبتها منصرفة إلى القهر, والغي, والعلو في الأرض, والتكبر, والرئاسة على الناس بالباطل, فلذتها في ذلك, وشغفُها به.

ونفس حيوانية شهوانية, فمحبتها منصرفة إلى المأكل, والمشرب, والمنكح, وربما جمعت بين الأمرين, فانصرفت محبَّتُها إلى العلو في الأرض, والفساد.

الملائكة أولياء لأصحاب النفس السماوية العلوية:

الملائكة أولياء هذا النوع في الدنيا والآخرة, قال تعالى:   {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم تُوعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نُزلاً من غفور رحيم}  [فصلت:30-32]

فالملك يتولى من يناسبه بالنصح له, والإرشاد, والتثبيت, والتعليم, وإلقاء الصواب على لسانه, ودفع عدوه عنه, والاستغفار له إذا زلَّ, وتذكيره إذا نسى, وتسليته إذا حزن, وإلقاء السكينة في قلبه إذا خاف, وإيقاظه للصلاة إذا نام عنها, وإيعاد صاحبه بالخير, وحضَّه على التصديق بالوعد, وتحذيره من الركون إلى الدنيا, وتقصير أمله, وترغيبه فيما عند الله, فهو أنيسه في الوحدة, ووليه, ومعلِّمه, ومثبتُه, ومسكِّن جأشِه, ومرغبِّه في الخير, ومحُذرة من الشرَّ, يستغفر له إن أساء, ويدعو له بالثبات إن أحسن, وإن بات طاهراً يذكر الله بات معه في شعاره, فإن قصده عدو له بسوءٍ وهو نائم, دفعه عنه.

الشياطين أولياء لأصحاب النفوس السبعية الغضبية:

الشياطين أولياء النوع الثاني قال تعالى { تالله لقد أرسلنا إلى أُمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم} [النحل:63] وقال تعالى: ] {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذُريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلاً}  [الكهف:50] فهذا النوع بين نفوسهم وبين الشياطين مناسبة طبعية, بها مالت أوصافهم, وأخلاقهم, وأعمالهم, فالشياطين تتولاهم بضدِّ ما تتولى به الملائكة من ناسبهم, فتؤزُّهم إلى المعاصي أزّاً, وتزعجهم إليها إزعاجاً, ويزينون لهم القبائح, ويخففونها على قلوبهم, ويحلونهم في نفوسهم, ويثقلون عليهم الطاعات ويُثبطونهم عنها, ويقبحُونها في أعينهم, ويلقون على ألسنتهم أنواع القبيح من الكلام, وما لا يفيد, ويزينونه في أسماع من يسمعه منهم, يبيتون معهم حيث باتوا, ويقليون مهم حيث قالوا, ويشاركونهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم, يأكلون معهم ويشربون معهم وينامون معهم.قال تعالى: {ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً}  [النساء:38]

من علامات المحبة التي يستدل بها عليها:

منها: كثرة ذكر المحبوب, واللهجُ بذكره وحديثه, فمن أحبَّ شيئاً أكثر من ذكره بقلبه ولسانه, ولهذا أمر الله سبحانه عباده بذكره على جميع الأحوال, وأمرهم بذكره أخوف ما يكونون, فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون} [الأنفال:45]

ومن علامتها: الانقياد لأمر المحبوب وإيثارُه على مراد المحبوب..قال الله تعالى: {قُل إن كنتم تُحبونُ الله فاتبعوني يُحببكم الله}  [آل عمران:31] فجعل سبحانه متابعة رسوله سبباً لمحبتهم له, وكونُ العبد محبوباً لله أعلى من كونه محبّاً له, فليس الشأنُ أن تحبُّ الله, ولكن الشأن أن يُحبك الله, فالطاعة للمحبوب عنوان محبته.

ومنها: قلةُ صبر المحب عن المحبوب, بل ينصرف صبره إلى الصبر على طاعته, والصبر عن معصيته, والصبر على أحكامه, فهذا صبرُ المحب.

ومنها: الإقبالُ على حديثه, وإلقاءُ سمعه كله إليه,...وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا قارئاً يقرأ وهم يستمعون, وكان عمر بن الخطاب إذا دخل عليه أبو موسى, يقول: يا أبا موسى, ذكِّرنا ربنا, فيقرأ أبو موسى, وربما بكي عمر.

ومنها: محبة دار المحبوب وبيته,...وهذا هو السرُّ الذي لأجله عكفت القلوب على محبة الكعبة البيت الحرام, حتى استطاب المحبون في الوصول إليها هجر الأوطان 

ومنها: محبة أحباب المحبوب...وكان أنس بن مالك يحبُّ الدباء كثيراً, لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبعها من جوانب الصحفة.

ومنها: غيرتهُ لمحبوبه وعلى محبوبه, فالغيرة له: أن يكره ما يكره, ويغار إذا عصي محبوبه, وانتهك حقه, وضُيع أمرُه, فهذه غيرة المحب حقاً.

والدين كلُّه تحت هذه الغيرة, فأقوى الناس ديناً أعظمهم غيرةً, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( «أتعجبون من غيرة سعدٍ, لأنا أغير منه, والله أغير مني» ) فمحبُّ الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله, وإذا خلا قلبه من الغيرة لله ورسوله فهو من المحبة أخلى, وإن زعم أنه من المحبين, فكذب من ادعى محبة محبوبٍ من الناس, وهو يرى غيره ينتهك حُرمة محبوبه, ويسعى في أذاه ومساخطه, ويستهين بحقه, ويستخف بأمره, وهو لا يغار لذلك, بل قلبه بارد, فكيف يصحُّ لعبدٍ أن يدَّعى محبة الله, وهو لا يغار لمحارمه إذا انتهكت ولا لحقوقه إذا ضيعت,..وإذا ترحلت هذه الغيرة من القلب ترحلت منه المحبة, بل ترحل منه الدين, وإن بقيت فيه آثاره.

  • 0
  • 0
  • 1,239

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً