الحكمة من مشروعية حجاب المرأة

منذ 2019-10-08

لا يوجدُ أمرٌ محرَّمٌ ولا كبيرةٌ، إلا وحاطَها اللهُ وحَمَاها مِن جميعِ جهاتِها، حتى لا يَتوصَّلَ الناسُ إليها...

لا يوجدُ أمرٌ محرَّمٌ ولا كبيرةٌ، إلا وحاطَها اللهُ وحَمَاها مِن جميعِ جهاتِها، حتى لا يَتوصَّلَ الناسُ إليها فيقَعُوا فيها؛ فحرَّمَ اللهُ الشِّرْكَ والكفرَ، وحرَّم وسائِلَه، وأغلَقَ المنافِذَ إليه، وحرَّم السِّحْرَ، وحرَّم وسائلَه، وحرَّم الرِّبَا، وحرَّم وسائلَه، وحرَّم الزِّنَى، وحرَّمَ الوسائلَ المُفْضِيةَ إليه.

والوسائلُ أكثرُ مِن الغاياتِ والمقاصد؛ فكلُّ غايةٍ لها أكثرُ مِن وسيلةٍ توصلُ إليها، كالذاهبِ إلى مَكَّةَ، فكلُّ جهاتِها الأربعِ وما بينَها وأوديَتِها وجبالِها وسِكَكِها تؤدِّي إليها، وكلما كان الشيءُ شديدَ التحريمِ، شدَّد اللهُ في وسائلِه، ولو كثُرَت، واحتاطَ له مِن وقوعِ الإنسانِ فيه، ولو مِن وسائلَ بعيدةٍ، بخلافِ تحريمِ الصغائرِ، فتحريمُ وسائلِها ضعيفٌ؛ كالفَرْقِ بين الحُفْرةِ الصغيرةِ، والهُوَّةِ السحيقةِ، فالأُولَى تُحاطُ مِن قريبٍ، والثانيةُ تُحاط مِن بعيدٍ.


والزِّنَى مِن أكبرِ الكبائِرِ؛ قال اللهُ تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} [الفرقان: 68 - 70]، وقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]،


وقد ذكَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم السَّبْعَ المُوبِقاتِ، ولم يَنُصَّ على الزِّنَى منها؛ وإنَّما قال: «وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ»  يعني: بالزِّنَى؛ ليدُلَّ على أنَّ مجرَّدَ قذفِ البريءِ به، مُهلِكٌ ومُوبِق؛ فكيفَ بالوقوعِ فيه أو إشهارِه وإذاعتِه؟! وفي هذا تعظيمٌ للزنَى أعظمَ مما لو نصَّ عليه باسمِه، وقد قال صلى الله عليه وسلم -كما في «الصحيحين» -: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ».


وإذا انتشَرَ الزِّنَى، فلِأَنَّ وسائِلَهُ الموصلةَ إليه يسيرةٌ، فإذا تيسَّرتِ الوسائلُ سهُلَ الوصولُ إلى الغاياتِ؛ ولهذا أخبَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ مِن علاماتِ الساعةِ: ظهورَ الزِّنَى، وظهورُه يكونُ بظهورِ وسائلِه، وقوةِ الدعوةِ إلى الاستهانةِ به؛ ففي «الصحيحين» مِن حديثِ أَنَسٍ رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَى».

ومِن وسائلِ الزنَى المحرَّمَةِ لأجلِه: النَّظَرُ، والسُّفُورُ، والخضوعُ بالقولِ، والغَزَلُ، والاختلاطُ، والخَلْوةُ، وهذه خطواتٌ واحدةٌ تلي الأُخْرَى، أوَّلُها النظرُ، ثم يسيرُ حتى يتكلَّمَ بالفُحْشِ، ثم يختلِطَ، فيَخلُوَ، فيَمَسَّ، فيَزنِيَ، وهذا ما بَيَّنَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم كما في «الصحيح»: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى أدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ؛ فَزِنَى العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَتَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَدِّبُهُ».


وقد ذكَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم التفكُّرَ بالزنى وتَمَنِّيَه؛ لأنَّه يثيرُ قوَّة ًكامنةً في النفسِ، ورغبةً للبحثِ عنه؛ ليبدأَ الإنسانُ خُطُواتِ الوقوعِ فيه، ولن يَصِلَ إلى الزنى إلا بهذه الوسائلِ التي نَهَى اللهُ عنها، وكلما كانَتِ الوسيلةُ إلى الفاحشةِ أقرَبَ، وتسهيلُها لها أقوَى، كان التأكيدُ على تحريمِها في القرآنِ والسُّنَّةِ أشدَّ.


ولا يُقدِّرُ تحريمَ الوسائلِ، مَن لم يعرِفْ خطرَ الغاياتِ، وشدةَ تحريمِها؛ ولهذا حينَما يتساهَلُ أحدٌ بالزنى، ويقعُ فيه ويعتادُه، تظهَرُ عليه علاماتُ الاستهانةِ بالوسائلِ الموصلةِ إليه، وعدمِ المبالاةِ بها، والاستهزاءِ بمَن يُشدِّدُ فيها، ولو لم يتجرَّا على التصريحِ بأنَّه مِن أهلِ الزنى، وقد جعَلَ اللهُ سُنَّةً عقليةً ونقليةً: أنه لا يَهْدِمُ الوسائلَ إلا مَن لم يؤمِنْ بالغاياتِ.
وقد عظَّمَ اللهُ الزنى، وشدَّد في تحريمِ وسائِلِه في الجنسَيْنِ؛ رجالاً ونساءً، فيشرِّعُ للجنسَيْنِ جميعاً حكماً، ويشرعُ للذَّكَرِ حكماً، وللأُنثى حكماً -كلٌّ بما يصلُحُ لفطرتِه- شرائِعَ وتكاليفَ متقابلةً لحفظِ الوسائلِ، لو أُحكمتْ، ما وقَعَ الناسُ في الغاياتِ المحرَّمةِ.


ولما كان افتتانُ الرجلِ بالمرأةِ أقوى، ولأنه أجسرُ في الإقدامِ على الزنى، شُدِّدَ عليه في تحريمِ وسيلةِ النظرِ أكثَرَ مِن المرأةِ، وإنِ اشترَكَا في أصلِ النهيِ؛ ولكنَّ الرجلَ أكثرُ جرأةً لِمَا بعدَ النظرِ، فيأتي بالخطوةِ التي تليها، والمرأةُ غالباً لو نظرَتْ لا تَجسُرُ على ما بعدَ النظرِ كالرجلِ؛ لذا قال اللهُ تعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32]؛ فجعَلَ الطَّمَعَ في الرجُلِ، مع احتمالِ ورودِه مِن المرأةِ؛ وذلك تعظيماً للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتطهيراً لنسائِه، ولبيانِ خَصُوصيَّةِ الرجالِ.

  • 2
  • 0
  • 343

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً