التدبر في اللغة

منذ 2019-10-10

في الحديث: «لا تدابروا»؛ وذلك أن يترك كلُّ واحد منهما الإقبالَ على صاحبه بوجهه؛ أي: لا يُوَلِّ بعضكم بعضًا دبره.

التَّدَبُّر: مصدر (تَدَبَّر)، وأصل هذه المادة: (د ب ر) يدل على آخر الشيء وخَلْفِه؛
يقال: دَبَر السهمُ الهدفَ: سقط خلفه، ودَبَر فَلانٌ القوم: صار خلفهم.
وقد اشتقوا من (الدُّبُر) فعلًا، فقالوا: تَدَبَّر: إذا نظر في دُبُر الأمر؛ أي: في غائبه أو عاقبته.
فهو من الأفعال التي اشتُقَّت من الأسماء الجامدة.
ودُبُر كل شيء: عَقِبُه ومُؤَخَّرُه.
ومنه (الدُّبُر) خلاف القُبُل، وفي الحديث: «لا تدابروا»؛ وذلك أن يترك كلُّ واحد منهما الإقبالَ على صاحبه بوجهه؛ أي: لا يُوَلِّ بعضكم بعضًا دبره.
قال أبو عُبيد: «التدابر: المُصَارَمة والهجران؛ مأخوذ من أن يُوَلِّي الرجلُ صاحبَه دُبُرَه وقفاه، ويُعْرِض عنه بوجهه».

ويُقال: أدبر القوم: مضى أمرهم إلى آخره.
ودَبَر القومُ يَدْبُرون دَبارًا: إذا هلكوا.
ودَبِرَ البعير دَبَرًا، فهو أدبر: صار بِقَرْحِه دَبِرًا؛ أي: متأخرًا .
ومنه: دُبُر الشهر: آخره.
ودابر الشيء: آخره.
ودُبُر الأمر: آخره.
والدَّبَار: الهلاك الذي يقطع دابرتهم.
ويُقال: فلان ما يدري قِبَالَ الأمر من دِبَارِه؛ أي: أوَّلَه من آخره.
ومن ذلك: {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} (ق: 40)؛ أي: أواخر الصلوات.
ومنه قيل للنحل: (الدَّبْر)؛ لأنه يُعْقِب ما يُنتفع به، أو لأن سلاحها في أدبارها.
وهكذا قيل للمال الكثير: (الدِّبْر)؛ لأنه يبقى للأعقاب.
ويُقال: دَبَّر الأمر وتَدَبَّره؛ أي: نظر وتَفَكَّر في عاقِبَتِهِ.
ويُقال: اسْتَدْبَرَه؛ أي: رأى في عاقبته ما لم يره في صدره.
ويُقال: عرف الأمر تَدَبُّرًا؛ أي: بأَخَرَة.
ومنه قول جرير:
ولا تَتَّقُونَ الشَّرَّ حتّى يُصيبَكُم ... ولا تعرفونَ الأمرَ إلا تَدَبُّرَا 
قال أَكْثَمُ بنُ صَيفيٍّ لبنيه: «يا بَنِيَّ، لا تَتَدَبَّروا أعجاز أمور قد ولّت صُدُورُها».
والتدبير في الأمر: أن تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته، فهو بمعنى التفكير في دُبُر الأمور ، وذلك بأن يُدَبِّر الإنسان أمره كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته.
ولذا قيل: هو النظر في العواقب بمعرفة الخير، أو إجراء الأمور على علم العواقب.

والتدبير: عِتق العبد عن دُبُر؛ وهو أن يقول له: أنت حرٌّ بعد موتي ، ويقال للعبد: مُدَبَّر.
ويقال: إن فلانًا لو استقبل في أمره ما استدبره لهُدي لوِجْهَةِ أمرِه؛ أي: لو علم في بَدْءِ أمرِه ما عَلِمَه في آخره لاسترشد لأمره.
ومما تقدم يُعْلَم أن أصل التدبُّر: التأمُّل والتفكُّر في أدبار الأمور وعواقبها؛ أي: فيما لا يظهر منها للمُتَأَمِّل بادئ ذي بَدْء .
ثم استُعمل في كل تَأَمُّل، سواء كان نظرًا في حقيقة الشيء وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه، أو لواحقه وأعقابه.

2 - التدبُّر بمعناه العام:
التدبر في الأمر: التفكر فيه؛ أي: تحصيل المعرفتين لتحصيل معرفة ثالثة.
وهو بمعنى قول بعضهم: «إعمال النظر العقلي في دلالات الدلائل على ما نُصبت له» 

أي: تَصَرُّف القلب بالنظر في الدلائل، وهذا تفسير له بالتفكر.
وبعضهم يفرق بينهما؛ باعتبار أن التدبر: تَصَرُّف القلب بالنظر في العواقب، وأما التفكر: فتَصَرُّفه بالنظر في الدليل.
وعبَّر عنه بعضهم بأنه: التفكر في عاقبة الشيء وما يؤول إليه أمره.
وهو بمعنى قول من فَسَّره بالنظر في أعقاب الأمور وتأويلات الأشياء.
وهما تعريفان مُتقَارِبان، والله أعلم.

3 - معنى تدبُّر القرآن خاصَّة (المعنى الشرعي):
هناك تعريفات متعددة لتدبر القرآن وبينها تقارب؛ فمن ذلك:
- قال في الكشاف: «معنى تدبر القرآن: تأمل معانيه وتَبَصُّر ما فيه».
وقال: «وتدبر الآيات: التفكر فيها، والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يَدْبُر ظاهرَها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة؛ لأن من اقتنع بظاهر المتلوِّ لم يَحْل منه بكثير طائل، وكان مَثَلُه كمَثَل من له لِقْحَة دَرُورٌ لا يحلبها، ومُهْرَة نَثُورٌ لا يستولدها».

- وقال القرطبي: «هو التفكر فيه وفي معانيه».
- وقال الخازن: «ومعنى تدبر القرآن: تَأَمُّل معانيه، وتَفَكُّر في حِكَمِه، وتَبَصُّر ما فيه من الآيات» .
- وقال أبو حيان: «هو التفكر في الآيات، والتَّأَمُّل الذي يُفْضِي بصاحبه إلى النظر في عواقب الأشياء».
- وقال ابن القيم: «هو تَحْدِيق نَاظِر القلب إلى معانيه، وجَمْع الفكر على تَدَبُّره وتَعَقُّله».
- وقال السعدي: «هو التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك».
- وقال ابن عاشور: «هو تَعَقُّب ظواهر الألفاظ؛ لِيُعْلَم ما يَدْبُر ظواهرَها من المعاني المكنونة والتأويلات اللائقة».
- وقال عبدالرحمن حبنَّكة: «هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة».
- وقيل: هو التفكر والتَّأَمُّل لآيات القرآن من أَجْل فهمه، وإدراك معانيه، وحِكَمه، والمراد منه.
- وقيل: هو تَفَهُّم معاني ألفاظه، والتفكر فيما تدل عليه آياته مُطَابَقَة، وما دخل في ضمنها، وما لا تتم تلك المعاني إلا به مما لم يُعَرِّج اللفظ على ذِكْره من الإشارات والتنبيهات، وانتفاع القلب بذلك بخشوعه عند مواعظه، وخضوعه لأوامره، وأخذ العِبْرَة منه.
ويجمع ذلك: النظر إلى ما وراء الألفاظ من المعاني والعِبَر والمقاصد، الذي يثمر العلوم النافعة والأعمال الزاكية.
وإنما ذكرت هذه الجملةَ الأخيرة؛ لأنه قد ورد عن جماعة من السلف تفسير التدبر بالعمل والامتثال وما إلى ذلك مما يقع في القلب، ويظهر على الجوارح، ولا ريب أن هذا يكون أعلى مراتب التدبر، وإلا فقد يحصل ببعض ذلك كما لا يخفى.

4 - ذكر بعض عبارات المفسِّرين في معنى التدبر:
من عبارات المفسرين في قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82، محمد: 24]، وقوله تعالى: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29]:
- ابن جرير: «أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في آي القرآن الذي أنزله على نبيه عليه الصلاة والسلام، ويتفكرون في حُجَجِه التي بينها لهم في تنزيله؟ ! ».
- البغوي: «أفلا يتفكرون في القرآن؟ ! » .
- ابن الجوزي: «ليتفكروا فيها».
- القرطبي: «أي: يتفهمونه».
- الخازن: «يتفكرون فيه وفي مواعظه وزواجره».
- أبو حيان: «أي: فلا يتأملون ما نزل عليك من الوحي ولا يعرضون عنه؛ فإنه في تدبره يظهر برهانه ويسطع نوره، ولا يظهر ذلك لمن أعرض عنه ولم يتأمله».
- البقاعي: «أي: يتأملون».
- الشوكاني: «أفلا يتفهمونه ... ».
- ابن عاشور: «يتأملون دلالته ... ».
وبهذا نعلم أن كلامهم يدور على إعمال الفكر والنظر بالتأمل والتفهم في آي القرآن الكريم للتوصل إلى معانيه ومقاصده. والله أعلم.

خالد بن عثمان السبت

أستاذ مشارك في جامعة الإمام عبد الرحمن الفيصل بالدمام قسم التفسير والدراسات القرآنية

  • 1
  • 0
  • 590

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً