دور العلماء والدعاة في الشدائد والفتن (2-2)

منذ 2019-10-12

أخي الداعية:  تفاءل، فِر إلى الله، وأبشر، اثبت وثبِّت، ازرع الإيمان ووضّح الدين، اهتم وأشعل الهمة، رص الصف وفعّل الأمة، وانشر الوعي المبين تفز برضا رب العالمين.


ثالث عشر:  الدعاء سلاحٌ متين: 
حث الناس على الاكثار منه؛ فبه يُكثر القليل، ويُهزم الجمعُ، ويتهاوى الظلمُ، وينتصر المظلومون، وطالما فرّطنا في هذه العبادة والعبودية لله «إن الدعاء هو العبادة» [رواه الأربعة وصححه الترمذي]، به استنصر المرسلون، وبه كشف اللهُ الضراءَ، ومنادي السماء يقول:  ﴿
{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}  [غافر من الآية:  60]، والرحمن يذكّرنا برفع البأساء ويقول:  ﴿ {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا}  [الأنعام من الآية:  43].

رابع عشر:  دور الدعاة في التثبيت:  
إن للدعاة دوراً كبيراً في تثبيت الناس على الحق وفي وقت الأزمات والمحن، والمطلوب من الدعاة أن يُذكّروا الناس بالله وبعظمته وأنه هو الذي يرفع ويُخفض، وهو الذي بيده كل شيء وهو يرفع أقواما ويذل أقواما، وان الله تعالى قادر على كل شيء، وأن عظمة الله تعالى إذا سيطرت على قلوب الناس فإن الإنسان بعدها سيستخف بكل القوى التي تهدد أمنه ومستقبله ويبقى الاعتماد على الله تعالى.

 وعلى الدعاة والعلماء في هذا الباب:

· أن ينشروا بين الناس ثقافة التبشير وأن يبتعدوا عن ثقافة التنفير والتحبيط والتخويف وأن العاقبة للمتقين، وأن الغلبة لهذا الدين وأن يمنحوا الناس الأمل كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم.
· بثّ الأمل وبث المبشرات التي تربط القلوب بالله -عز وجل- واليقين الراسخ بأن النصر حليفنا إذا نحن تمسكنا بديننا.
· الوقوف عند أحاديث الفتن وتأمّل فقهها، واقامة الدروس والمحاضرات في الثبات وعوامله.
· أحاديث عن الانحراف عن صراط الله المستقيم ومخاطره.
· العلم والحذر من فتنة الشبهات والشهوات.
· الإكثار من قراءة سير الثابتين، وفي مقدمتهم الأنبياءُ والصالحين،قال تعالى:  ﴿
{وكُلًا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}  [هود:  120].
· قبل ذلك وبعده لا بد من سؤالهم وإلحاحهم على ربهم بالثبات أسوةً بمن سلفهم:  ﴿
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}  [آل عمران:  8].

خامس عشر:  تصحيح المصطلحات وقلب التهم:
 ثمة مصطلحاتٌ يتلاعب بها المبطلون، ويُوصف بها البرآءُ من الناس، وفي كل حينٍ تُرحّلُ التهمُ إلى آخرين، حتى تتم محاصرةُ الأخيارِ، بل المتدينين بشكل عام، بهذه الألقاب المثيرة للمجتمع، مثل مصطلحات (التطرف)، و(الأصولية)، و(الإرهاب)، وهكذا من مصطلحات جديدة تروّج الآن، وما من شك أن (الإرهاب) منه محمودٌ كما في قوله تعالى:  ﴿
{تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}  [الأنفال من الآية:  60]، ومنه مذمومٌ، وهو ما تجاوز به المرءُ حدودَ الله، وأرهب خلقَ الله بغير حق. وكذا (التطرف) مذموم لكن بشقيه (الغالي، والجافي). وهكذا تُحرّرُ المصطلحات، ويُمنع تلاعبُ أهل الريب فيها وتصديرها. ومن الجميل كذلك ومع تحرير المصطلح أن يُقلبَ على أهل المنكر منكرُهم، وتُرد إليهم بضاعتُهم، ويوصفون بما يستحقون، ومصطلح (الاسترهاب) مصطلح قرآني ﴿ {وَاسْتَرْهَبُوهُمْ}  [الأعراف من الآية:  116]، وهذا المصطلح (الاسترهاب) خليق بمن يتهمون بغير حق، ويُرهبون بلا برهان، فهل نسوّق لهذا المصطلح الشرعي الغائب عن الساحة؟

سادس عشر:  تصبير الناس:
 من المعروف أن للمصيبة المفاجئة روعة تزعزع القلب وتزعجه، فإن صبر المصاب لحظة وقوع الصدمة انكسرت حدتها وضعفت قوتها، فيهون عليه استمرار صبره بعدها؛ لأن المصيبة تَرِد على القلب وهو غير مُوطن لها فتزعجه، وهى الصدمة الأولى، وأما إذا وردت عليه بعد ذلك توطن لها، وعلم أنه لا بد له منها فيصبر، لكنه يكون مضطرًا هنا، وهذا الصبر الاضطراري غير محمود ولا ثواب عليه، ولهذا يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-:  «
[إنما الصبر عند أول صدمة] »[ أخرجه البخاري (7154)، ومسلم (926)]. وعلى المصاب أن يعلم أن حظه من المصيبة ما يحدث له، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أنهما سمعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:  « «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفَّر الله به من سيئاته» »[ أخرجه مسلم (2573)]، والوصب هو المرض، والنصب هو التعب.

سابع عشر:  حث الناس على التقرب إلى الله والإقبال على القرآن:
 فلا بد لنا أثناء المحن والشدائد من أن نحسن صلتنا وعلاقتنا بالله، فله سبحانه ومن أجله يقف الدعاة المواقف التي تُعرِّضهم للمحن، والله وحده المعين والرابط على القلوبِ والمثبت لها، ووسائل التقرب والالتجاء إلى الله كثيرة ولا نستطيع أن نُحصيها هنا، ولكن كل واحد منا أدرى بنفسه وبعيوبها وبما يُصلحها، فيجب عليه الإكثار من الوسائل المعينة له على القربِ من الله. والقرآن العظيم الوسيلة الأولى وهو مصدر للتثبيت والعون في المحنة، وهو حبل الله المتين، والنور المبين، مَن تمسَّك به عصمه الله، ومن اتبعه أنجاه الله، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم.

ثامن عشر: بث الإيمان في القلوب:   
في الأزمة تُقبل القلوب على خالقها، وعلى الدعاة أن يضخوا في القلوب معاني الإيمان والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة والتوبة. إن الأزمة لا تخلو من فتنة وظلمة وجفاف وتيه، وفي الإيمان نور وغيث وهداية، وهذا ما أرشد إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعله وأكد عليه بقوله:  «
«العبادة في الهرج كهجرة إلي» »[ أخرجه مسلم (2948)]. والإيمان أمان، فالله تبارك وتعالى يدافع عن الذين آمنوا، فبقدر الإيمان تكون المدافعة، وبقدر الإحسان تكون المعية، وبقدر العبادة تكون الكفاية.

تاسع عشر:  تعميق أواصر الأخوة ووحدة الصف:
 فأهمية الأخوة عمومًا لا يمكن الجدال والمناقشة فيها، فما بالنا في أوقات الشدائد والابتلاءات، فنكون أحوج وأشد حاجةً لها، فالأخوة تعين على الثبات على المحن، وتعين في اللحظات الحاسمة حين يجد الإنسان من يعينه ويذكره، ويكون من العوامل المعينة على تثبيته، ولنعي الأساليب الخبيثة التي يحاول البعض استخدامها لإثارة الفرقة بين الدعاة، أو على الأقل لإبعادهم عن أهدافهم السامية وتشتيت جهودهم. نحتاج إلى رص الصفوف والقلوب والجهود، ونحتاج إلى نشر أدب الخلاف وفقه الأخوة مع قاموس نظيف للألفاظ، ونحتاج إلى النصح والتصحيح، وبيان الحق والصبر على ذلك، فالمقصود الاجتماع على الحق، والله يقول:  ﴿
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}  [آل عمران:  103]، وأول ما نحتاج إلى الالتفاف حوله ورص الصف معه العلماء العاملون، والمجاهدون المؤمنون، والدعاة الصادقون، نحتاج إلى ترشيد الجهود، إلى التسامي عن المعارك الهامشية حول اسم أو رمز، أو المجادلة عن حظ النفس باسم الدفاع عن الدين أو الأنانية الفكرية الضيقة في (أنا) الفردية أو (نحن) الحزبية، كذلك نحن بحاجة إلى التسامي عن توزيع التهم، فلا نشق الصف بتعيير الآخر بشق الصف.   

عشرون : عدم الالتفات والاهتمام بما يُشاع ويُثار من تُهمٍ وأكاذيب:  
وهذا من واجبات الدعاة توعية الناس به:  ألا يثيروا القلاقل بين إخوانهم في الصف بما يسمعوا من أراجيف مردود عليها، ولكن عليهم التبين والتوثق من أولي الأمر أولًا، ثم يكون رأيهم بعد ذلك، قال تعالى :  ﴿
{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إلّا قَلِيلًا}  [النساء:  83]. وهذه ليست دعوةً لكبت الآراء وتحجيمها؛ ولكنها دعوة لنفقه الأولويات في مواجهة الأزمات، فالأولى هو وحدة الصف وتماسكه أثناء الأزمة، ثم ليكن بعد ذلك تقييم وتقويم وإبداء الآراء بحرية ووضوح وشفافية، ولكن ليس في وقت المحنة والأزمة، فهذا يكون بعدها أولى وأوجب، ولنوحد الجهود والطاقات، ولا ننجر نحو ما يريده البعض منا من التركيز على قضايا فرعية وخلافية وجدلية؛ لتشتيتنا عن قضايانا الكبرى ومهامنا العظيمة.

الحادي والعشرون : توضيح الدين:  
في الأزمات يكثر السؤال والقيل والقال، ويفجر الموقف الواحد ألف سؤال وسؤال، وتلتفت الأمة إلى العلماء ليسمعوا الكلمة، والكلمة هنا غالية، قد تكلف الإنسان رأسه أو وظيفته، وحينئذ فلا بد من قيام لله بتوضيح الدين، خاصة إذا مست الأمة في عقيدتها، وشوش التوحيد، وهمشت الثوابت، ونطق الرويبضة، وقد تكون المسألة بغاية الوضوح وقت الرخاء، فإذا وقعت الواقعة فكأنما غشيتها غمامة! ولا يكفي مجرد التنظير لهذه المسائل، بل يجب تنزيل هذه الأحكام الشرعية على ما يلائمها من الواقع بكل رسوخ وتحقيق كما فعل علماؤنا الأفاضل.

الثاني والعشرون : استشعار الأزمة:  
تمر الأزمة بالأمة، فلا يبالي الداعية بما كان وما يكون، لم يتغير جدوله، ولم يعد نفسه، ولم يضع بصمته في صفحة الأزمة، ولقد عرض للأمة نازلة توجب الاشتغال بما هو أعظم من نوافل التحديث، وأعظم من ذلك أن ترى ذا العلم وذا الدعوة يرى الأزمة تركض إليه وإلى قومه ولم يحرك ساكنًا، ليس لغفلة أو جهالة أو لعجز فيُعذر؛ بل تعاميًا وتماوتًا.

 الثالث والعشرون : استنهاض الهمم:  
على الأمة أن تستنهض هممها، وأن تشكلها بل تفجرها تفجيرًا؛ لأن السيوف والقنابل قبل أن تقصف الرءوس تقصف الهمم، واستنهاض الهمم بالآية والحديث، وبالخطبة وبالقصة، وبالشعر وبالموقف الشجاع، كما فعل عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- في مؤتة، شجّع الناس وأيقظ هممهم، وذكّرهم أنه إما الشهادة أو النصر، فقال الناس:  والله صدق ابن رواحة، وكيف واجه المظفر قطز رحمه الله التتار، وشجع الناس وسما بهممهم حتى هزموا الأعداء شر هزيمة.

أخيرا :

أخي الداعية: 
 تفاءل، فِر إلى الله، وأبشر، اثبت وثبِّت، ازرع الإيمان ووضّح الدين، اهتم وأشعل الهمة، رص الصف وفعّل الأمة، وانشر الوعي المبين تفز برضا رب العالمين.

وفقنا الله وإياك لطاعته وخدمة دينه، وجمعنا وإياك في دار كرامته، ولا تنس كاتب هذه السطور من دعوة بظهر الغيب، وإن كان من صوابٍ فمن الله، وإن كان من نقصٍ أو خطأ فمن نفسي و الشيطان، ورحم الله من سد الخلل.

وصلى اللهم على نبينا محمد على آله وصحبة وسلم.  

د. أمير بن محمد المدري
اليمن - المهرة

  • 8
  • 3
  • 2,288

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً