فوائد من كتاب الوابل الصيب (2-4)

منذ 2019-11-28

وإذا أقبل على الخالق عز وجل, وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس, والنفس مشغوفة بها, ملأى منها, فكيف يكون ذلك إقبالاً وقد ألهته الوساوس والأفكار, وذهبت به كل مذهب ؟!

من فوائد الصدقة وثمارها الطيبة:

للصدقة تأثيراً عجيباً في دفع أنواع البلاء, ولو كنت من فاجر أو ظالم, بل من كافر, فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعاً من البلاء, وهذا أمر معلوم عند الناس.

والمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه, وانفسح بها صدره,...فكلما تصدق اتسع وانفسح وانشرح, وقوي فرحه, وعظم سروره, ولو لم يكن في الصدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبد حقيقاً بالاستكثار منها والمبادرة إليها.

دواوين الظلم عند الله عز وجل ثلاثة:

والظلم عند الله عز وجل يوم القيامة له دواوين ثلاثة, ديوان لا يغفر الله منه شيئاً, وهو الشرك به, فإن الله لا يغفر أن يشرك به, وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئاً, وهو ظلم العباد بعضهم بعضاً, فإن الله تعالى يستوفيه كله.

وديوان لا يعبأ الله به شيئاً, وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه عز وجل, فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محواً, فإنه يُمحي بالتوبة والاستغفار, والحسنات الماحية, والمصائب المكفرة, ونحو ذلك, بخلاف ديوان الشرك, فإنه لا يمحى إلا بالتوحيد, وديوان المظالم لا يُمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها, واستحلالهم منها.

الالتفات المنهي عنه في الصلاة: التفات القلب, والتفات البصر:

الالتفات المنهي عنه في الصلاة قسمان:

أحدهما: التفات القلب عن الله عز وجل إلى غير الله تعالى

والثاني: التفات البصر.

وكلاهما منهي عنه, ولا يزال الله مقبلاً على عبده ما دام العبد مقبلاً على صلاته, فإذا التفت بقلبه أو بصره, أعرض الله تعالى عنه.

ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو قلبه, مثل رجل قد استدعاه السلطان, فأوقفه بين يديه, وأقبل يناديه ويخاطبه, وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يميناً وشمالاً أو قد انصرف قلبه عن السلطان فلا يفهم ما يخاطبه به, لأن قلبه ليس حاضراً معه, فما ظن هذا الرجل أن يفعل به السلطان ؟! أفليس أقل المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتاً مُبعداً وقد سقط من عينيه ؟! فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب, المقبل على الله تعالى في صلاته, الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه, فامتلأ قلبه من هيبته, وذلت عنقه له, واستحيي من ربه تعالى أن يقبل على غيره, أو يلتفت عنه, وبين صلاتيهما كما قال حسان بن عطية: إن الرجلان ليكونان في الصلاة الواحدة, وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض....وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على الله عز وجل, والآخر ساهٍ غافل, فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله وبينه وبينه حجاب لم يكن إقبالاً ولا تقرباً فما الظن بالخالق عز وجل.

وإذا أقبل على الخالق عز وجل, وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس, والنفس مشغوفة بها, ملأى منها, فكيف يكون ذلك إقبالاً وقد ألهته الوساوس والأفكار, وذهبت به كل مذهب ؟!

 

الشيطان يغار من الإنسان إذا قام في الصلاة:

العبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه, فإنه قد قام في أعظم مقام, وأقربه, وأغيظه للشيطان, وأشدِّه عليه, فهو يحرص ويجتهد كل الاجتهاد أن لا يقيمه فيه, بل لا يزال به يعدهُ ويُمنيه ويُنسيه, ويجلب عليه بخيله ورجِلِه حتى يهوِّن عليه شأن الصلاة, فيتهاون بها, فيتركها.

فإن عجز عن ذلك منه وعصاه العبد وقام في ذلك المقام, أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه ويحُول بينه وبين قلبه, فيذكره في الصلاة ما لم يكن يذكر قبل دخوله فيها حتى ربما قد نسي الشيء والحاجة, وأَيِس منها, فيُذكره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها ويأخذه عن الله عز وجل فيقوم فيها بلا قلب, فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبلُ على ربه عز وجل الحاضرُ بقلبه في صلاته فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها, بخطاياه وذنوبه وأثقاله لم تخفَّ عنه بالصلاة

فإن الصلاة إنما تُكفرُ سيئات من أدى حقها, وأكمل خشوعها, ووقف بين يدي الله عز وجل بقلبه وقالبه, فهذا إذا انصرف منها وجد خفَّة من نفسه, وأحسّ بأثقال قد وضعت عنه, فوجد نشاطاً وراحةً وروحاً, حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها, لأنها قرة عينه, ونعيم روحه, وجنة قلبه, ومستراحه في الدنيا, فلا يزال في سجن وضيق حتى يدخل فيها, فيستريح بها, لا منها.

عناوين السعادة:

الله سبحانه وتعالى المسئول المرجو الإجابة...أن يجعلكم ممن إذا أنعم الله عليه شكر, وإذا ابتلى صبر, وإذا أذنب استغفر, فإن هذه الأمور الثلاثة هي عنوان سعادة العبد, وعلامة فلاحه في دنياه وأخراه.

 

مراتب الناس في الصلاة:

الناس في الصلاة على مراتب خمسة:

أحدها: الظالم لنفسه, وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها.

الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها, لكنه قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة, فذهب مع الوساوس والأفكار.

الثالث: من حافظ على حدوها وأركانها, وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار, فهو مشغول بمجاهدة عدوه, لئلا يسرق منه صلاته, فهو صلاة وجهاد.

الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها, واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها, لئلا يضيع منها شيئاً, بل همُّه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي وإكمالها...قد استغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه تبارك وتعالى فيها.

الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك, ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز وجل, ناظراً بقلبه إليه, مراقباً له, ممتلئاً من محبته وعظمته, كأنه يراه ويشاهده, وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات, وارتفعت حُجُبُها بينه وبين ربه, فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أعظم مما بين السماء والأرض, وهذا في صلاته مشغول بربه عز وجل, قرير العين به.

فالقسم الأول: معاقب, والثاني: محاسب, والثالث: مُكفَّر عنه, والرابع: مُثاب, والخامس: مُقرب لأن له نصيب ممن جعلت قرة عينه في الصلاة, فمن قرت عينه بصلاته في الدنيا قرَّت عينه بقربه من ربه عز وجل في الآخرة وقرَّت عينه أيضاً به في الدنيا, ومن قرَّت عينه بالله قرَّت به كلُّ عين, ومن لم تقرَّ عينه بالله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. 

  • 4
  • 0
  • 1,059

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً