فوائد من صيد الخاطر لابن الجوزي (1-4)

منذ 2019-12-22

فيوجد في كتابه أشياء مفيدة, وأشياء منتقدة, وقد انتقيت من كتابه بعض الفوائد, أسأل الله الكريم أن ينفع بها, ويبارك فيها.

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فقد اشتهر الحافظ ابن الجوزي رحمه الله بالوعظ, وتاب على يديه الكثيرون, وله مصنفات كثيرة, من أشهرها: كتابه  " صيد الخاطر " وهو كتاب مفيد, لا يخلو من ملاحظات, قال الشيخ عمر بن عبدالله المقبل:* قال العلامة عبدالرحمن السعدي : كلامه في الفصول التي في أول صيد الخاطر...يجب الحذر منها, والتحذير, ولولا أن هذه الكتب موجودة بين الناس لكان للإنسان مندوحة عن الكلام فيه, لأنه من أكابر العلم وأفاضلهم, وهو معروف بالدين والورع والنفع, ولكن لكل جواد كبوة, نرجو الله أن يعفو عنا وعنه, وفي صيد الخاطر أيضاً أشياء تُنتقد عليه, ولكنها دون كلامه في الصفات مثل كلامه عن أهل النار, وفي الخوض في بعض مسائل القدر.

فيوجد في كتابه أشياء مفيدة, وأشياء منتقدة, وقد انتقيت من كتابه بعض الفوائد, أسأل الله الكريم أن ينفع بها, ويبارك فيها.

 

الحذر من تزهيد الشيطان في طلب العلم:

ليس في الوجود شيء أشرف من العلم كيف لا وهو الدليل فإذا عدم وقع الضلال

وإن من خفي مكائد الشيطان أن يُزين في نفس الإنسان التعبد ليشغله عن أفضل التعبد وهو العلم, وهذا من خفي حيل إبليس...وإنما فعل ذلك وزينه...لسببين:

أحدهما: أنه أرادهم يمشون في الظلمة.

والثاني: أن تصفح العلم كل يوم يزيد في علم العالم, ويكشف له ما كان خفي عنه, ويقوي إيمانه ومعرفته, ويريه عيب كثير من مسالكه خصوصاً إذا تصفح منهاج الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة.

فأراد إبليس سدَّ تلك الطرق بأخفى حيلة, فأظهر أن المقصود العمل, لا العلم لنفسه, وخفي على المخدوع أن العلم عمل وأي عمل.

فاحذر من هذه الخديعة الخفية, فإن العلم هو الأصل الأعظم, والنور الأكبر.

الحرص على العلماء العاملين بعلمهم:

لقيت مشايخ أحوالهم مختلفة, يتفاوتون في مقاديرهم في العلم, وكان أنفعهم لي في صحبته: العامل منهم بعلمه, وإن كان غيره أعلم منه.

لقيت عبدالوهاب الأنماطي فكان على قانون السلف, لم يسمع في مجلسه غيبة, ولا كان يطلب أجراً على سماع الحديث, وكنتُ إذا قرأتُ عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه, فكان – وأنا صغير السن حينئذ – يعمل بكاؤه في قلبي.

ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي فكان كثير الصمت, شديد التحري فيما يقول, متقناً محققاً, وربما سئل المسألة الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمانه فيتوقف فيها حتى يتيقن, وكان كثير الصوم والصمت, فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما.ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول.

حلاوة طلب العلم ولذة تحصيله:

لقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا, وأنفقت زمن الصبوة والشباب في طلب العلم, فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا لو حصل لي ندمت عليه.

ثم تأملت حالي فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم, وجاهي بين الناس أعلى من جاههم, وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم.

لقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب وأرجو.

همة المؤمن متعلقة بالآخرة:

همة المؤمن متعلقة بالآخرة, فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة, وكل من شغله شيء فهمته شغله.

والمؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر.

 وإن رأى مؤلماً ذكر العقاب.

وإن سمع صوتاً فظيعاً ذكر نفخة الصور.

وإن رأى الناس نياماً ذكر الموتى في القبور.

وإن رأى لذة ذكر الجنة...

وأعظم ما عنده أنه يتخايل دوام البقاء في الجنة, وأن بقاءه لا ينقطع ولا يزول, ولا يعتريه منغص, فيكاد إذا تخايل نفسه متقلباً في تلك اللذات الدائمة التي لا تفنى يطيش فرحاً, ويسهل عليه ما في الطريق إليها من ألم ومرض وابتلاء وفقد محبوب, وهجوم الموت, ومعالجة غصصه....

نسأل الله عز وجل يقظة تامة تحركنا إلى طلب الفضائل, وتمنعنا من اختيار الرذائل.

أعظم العقوبة:

أعظم المعاقبة أن لا يحس المعاقبُ بالعقوبة, وأشدَّ من ذلك أن يقع السرور بما هو عقوبة, كالفرح بالمال الحرام, والتمكن من الذنوب, ومن هذه حاله لا يفوز بطاعة

وربما رأى العاصي سلامة بدنه وماله فظن أن لا عقوبة وغفلته عما عوقب به عقوبة

وقد قال الحكماء: المعصية بعد المعصية عقاب المعصية.

الحذر من عقوبة المعاصي والذنوب:

ينبغي لكل ذي لب وفطنة أن يحذر عواقب المعاصي, فإنه ليس بين الآدمي وبين الله تعالى قرابة ولا رحم, وإنما قائم بالقسط حاكم بالعدل.

وإن كان حلمه يسع الذنوب, إلا أنه إذا شاء عفا, فعفا كل كثيف من الذنوب, وإذا شاء أخذ, وأخذ باليسير, فالحذر الحذر.

فالله الله في مراقبة الحق عز وجل..فإن عليكم من الله عينا ناظرة, وإياكم والاغترار بحلمه وكرمه فكم استدرج, وكونوا على مراقبة الخطايا مجتهدين في محوها, وما شيء ينفع كالتضرع مع الحمية من الخطايا.

فالله الله, اسمعوا ممن قد جرب, كونوا على مراقبة, وانظروا في العواقب.

عقوبات الذنوب المعنوية:

وربما كان العقاب معنوياً, كما قال بعض أحبار بني إسرائيل: يا رب كم أعصيك ولا تعاقبني ؟ فقيل له: كم أعاقبك ولا تدري, أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي ؟

قال وهب بن الود وقد سئل: أيجد لذة الطاعة من يعصي؟ قال: ولا من همَّ.

فرب شخص أطلق بصره فحرم اعتبار بصيرته, أو لسانه فحرم صفاء قلبه, أو آثر شبهة في مطعمه...فحرم قيام الليل وحلاوة المناجاة إلى غير ذلك.

  • 1
  • 0
  • 648

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً