معايير التربية الحضارية الإسلامية

منذ 2020-01-09

فإن علينا أن نتخذ من هذه النظرة الإسلامية للطبيعة الإنسانية مصدراً للتربية في أهدافها ومنهجها وطريقتها، وفي ضوء هذا يمكن للتربية أن تمارس وظيفتها، فتحدث التفاعل .

بسم الله الرحمن الرحيم
محمد سلامة الغنيمي

الحمد لله الذي علم الإنسان مالم يعلم وكان فضله عليه كبيرا، والصلاة والسلام على الصادق الأمين المبعوث رحمة للعالمين. لا شك أنه "في أوقات التخلف والهزائم التي تمر بها الأمم يبدأ الخبراء جهودهم للبحث عن الأسباب بفحص النظم التربوية القائمة. والقاعدة في ذلك أن التقدم والتخلف يبدئان في المحتويات النفسية والفكرية ثم ينتشران في ميادين الحياة المختلفة. وهذا ما يوجه إليه القرآن الكريم عند قوله تعالى:" {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} ", [الرعد : 11 ] " هذا وقد ترتب علي توقف الحضارة الإسلامية عن دورها القيادي في الإنتاج الحضاري إثر الغزوين المغولي والصليبي مروراً بمرحلة الاستعمار الحديث، إلي لجوء المسلمين دون وعي أو إدراك بالنسبة للجمهرة الكبري إلي حد كبير، وبقدر من الوعي والادراك بالنسبة لبعض من يسمون نخباً ثقافية انبهرت بالنموذج الحضاري الغربي، الي اعتماد الوسائل والأفكار الغربية بعد أن سيقت له مبررات وزيفت له حجج وأسانيد، وبعد أن زين له مستشاروه الغربيون، أو مستشاروه المحليون غربيو التفكير، محاولة تقليدها، أما في المناطق الخاضعة للإدارة الاستعمارية فقد فرض النهج الغربي، وقام أولو الأمر فيه بالترويج له وتشجيعه بكل ما توافر لديهم من وسائل . وصَدَق النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ يقول : «(لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ). قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: (فَمَنْ؟)» ، فهذا عَلَمٌ مِن أعلام النبوة، والمبالغة في الاتباع تدل على غياب الوعي، كما تدل على شدة انبهار المسلمين بالغرب، والسنن تشير إلي التربية. وقد جاء في تقرير اللجنة الدولية التي شكلتها اليونسكو للقيام بمراجعة شاملة لنظم التربية في العالم المعاصر، بعد أن أحست أن هذه النظم لا تقوم بما يؤمل منها، ورأس هذه اللجنة ايدجار فور، وزارت اللجنة 23 دولة، واطلعت علي 81 بحث من مختلف الدول. وجاء في التقرير: إن النظام التربوي السائد في البلدان المتقدمة يتميز دائما، أو على الأقل، في أكثر الأحيان، بطابع مزدوج: وهو أنه نظام متخلف عنن الثقافة من جهة، كما أنه من جهة أخري ينتقي أفراده بحسب المرتبة الاجتماعية وخاصة في الدراسات العليا. وهذا هو نفس النظام المجلوب في أكثر الأحيان إلى الأقطار المختلفة، بنفس الخصائص السابقة، بل أنه له عيب آخر؛ وهو أنه غير ملائم للبيئة الثقافية وللوسط الاجتماعي والانساني" . ولو أننا حاولنا "تحديد المشكلات التربوية" التي يعاني منها العالم الإسلامي لوجدنا أن البعد عن الإسلام سببه الرئيسي عجز النظم التربوية في العالم الإسلامي المعاصر عن إخراج "النوع" المطلوب من الإنسان المؤهل لتشخيص الأزمة القائمة ثم استخلاص الحلول المناسبة، والمؤسسات التربوية القائمة في العالم الإسلامي هي المسئولة عن إخراج هذه النماذج من المفكرين والخبراء والحكماء والمنفذين. ولكنها ما زالت لا تملك المؤهلات ولا الإستراتيجيات ولا المناهج اللازمة للقيام بهذا الدور لأنها ما زالت تقسم الى قسمين: قسم يقلد "الآباء" الماضين، وقسم يقلد "الغرباء" المعاصرين، ولا فرق أن يدور التقليد حول نماذج قديمة جدا، أو أخرى جديدة جدا، فكلا النوعين من التقليد غياب عن واقع الحياة القائمة ومشكلاتها، وكلاهما تعطيل للعقل وإن اختلفت مظاهر التعطيل. . ويعزو هذا القصور في جانب المؤسسات التربوية في الفهم الخاطئ لطبيعة الإنسان والدور المنوط به على الأرض والمهمة التي خلق من أجلها، مما أدى إلى حدوث خلل في مفهومي "الأصالة" -الاتباع- و"المعاصرة" -الابداع- وكان لهذا الفهم الخاطيء أثرا سلبيا على النظرية التربوية القائمة وتطبيقاتها، لاسيما وهما مصدرا التربية الإسلامية منهما يجب أن تستقي التربية أصولها وفروعها. وفي كل ما رأينا من نماذج فكرية غربية، يؤكد لنا استقراء التاريخ الفكري والاجتماعي أنه ما من نموذج استطاع أن يحقق نجاحاً كبيراً في هذا الشأن، لأن كل واحد من هؤلاء له تفسيراته ورؤاه التي تتباين فيما بينهما وتختلف، في الزمان الواحد، باختلاف المجتمعات، وفي المجتمع الواحد باختلاف الأزمنة، وفقاً لكم كبير من العوامل مما يستحيل معه الزعم بأن هذه النظرية أو تلك، وهذا النموذج أو ذاك هو الذي يصور حقيقة الانسان، ومن ثم العملية التربوية المناسبة والتنشئة الملائمة، وهنا لا مفر من أن يبرز علي الفور ذلك التساؤل البديهي: أليس خالق هذا الانسان وموجده من عدم، ومنشئة ومكونه، هو الأعلم، وهو الأدري بما يجب أن يكون؟ وبالتالي ألا يكون النموذج الفكري الذي وضعه هو الأصح، وهو الأحق أن يوجه العمل التربوي ويحدد له مسارات العمل ومسالك التنفيذ ؟" وإن الرسالة الإسلامية بمجملها هي رؤية تربوية كاملة لمجتمع كان أحوج ما يكون إلي إعادة تربية وإعادة تهذيب، لهذا الغرض طرح الإسلام نفسه نقيضاً غير مساوم للوضع الجاهلي " أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ" [المائدة : 50 ]، وأيضاً " { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ } "[ الفتح : 26 ] . والقارئ للقرآن الكريم يستطيع بكل سهولة أن يلمس الإلحاح علي ضرورة استهداف الإسلام منهجاً للحياة وتوجهاً للمعرفة، يقول تعالي: " {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} ", [آل عمران: 85] ..... لأن العمل على أسلمة المعرفة هي مهمة الأنبياء والرسل وأبنائهم من بعدهم . إذا كنا نريد فلسفة للتربية ناجحة تتناسب مع بيئتنا وتراثنا، فإن علينا أن نتخذ من هذه النظرة الإسلامية للطبيعة الإنسانية مصدراً للتربية في أهدافها ومنهجها وطريقتها، وفي ضوء هذا يمكن للتربية أن تمارس وظيفتها، فتحدث التفاعل .

إذا كنا نريد فلسفة للتربية ناجحة تتناسب مع بيئتنا وتراثنا، فإن علينا أن نتخذ من هذه النظرة الإسلامية للطبيعة الإنسانية مصدراً للتربية في أهدافها ومنهجها وطريقتها، وفي ضوء هذا يمكن للتربية أن تمارس وظيفتها، فتحدث التفاعل بين الفرد والبيئة وتضمن تجدد الحياة ونموها واستمرارها . إن الله تعالي قد سوي الانسان بيده –سبحانه- جسداً من صلصال من حمأ مسنون، سواه في أحسن تقويم وأفضل هيئة، ثم نفخ فيه من روحة – سبحانه - تشريفا وتكريما، وأمر الملائكة المقربين بالسجود له تعظيماً وتشريفاً، فأبي إبليس حقداً وحسداً، وتوعد إبليس آدم وذريته بالإضلال والإغواء، ثم سوى الله تعالى نفس الإنسان "التي هي العقل والقلب وما ينشأ عنها من إدراك وتمييز وغرائز وحاجات عضوية" ثم زود هذه النفس باستعدادات متساوية للخير والشر، " {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)} " [الشمس : 7,8 ] , "وهديناه النجدين " [ البلد : 10 ] وإلى جانب هذا الاستعداد الفطري هناك قوة في ذات الإنسان تمكنه من توجيه النفس الى الخير أو الشر ،" {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } " [ الشمس : 9 , 10 ], ومن ثم فهي محل الثواب والعقاب، ومحور التربية ومناط التكليف. وقد تحمل هذا المخلوق بهذا التركيب الذي بلغ الغاية التكريم والتقويم ما أشفقت علي حمله أعظم المخلوقات، " {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} " [ الاحزاب: 72]، إنها أمانة التكليف وخلافة الله في الأرض؛ هذه المهمة الثقيلة التي أثارت الملائكة الى توقع الفساد والإفساد التربوي من هذا المخلوق: " {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} {} " [ البقرة: 30 ]، فقال الله تعالي لهم: " {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } " [ البقرة: 30 ]، ثم تحداهم سبحانه بخاصية المعرفة التي ميز بها الانسان وجعلها قوام خلافته له سبحانه في أرضه، وهى –المعرفة- أساس التربية، نظرية وتطبيقا، قال تعالى:" {قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} " [البقرة: 33 ]، إشارة الي أن هذا المخلوق الذي سواه الله بيده – سبحانه وتعالي - ونفخ فيه من روحه قادراً علي خلافة الله في الأرض بما حباه الله من خاصية المعرفة التي تحمل النفس على الخير وتصرفها عن الشر. وتقتضي هذه الأمانة الشاقة من الإنسان تحقيق الهدف الذي من أجله خلقه الله بهذه الكيفية العظيمة، قال تعالي:" {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} " [الذاريات :56 ]، فهو خليفة الله في الأرض، يسعي في مناكبها ويجتهد في عمارتها ويحرص علي إصلاحها؛ كل ذلك في إطار عبادة الله وتوحيده وإفراده بالعبودية والربوبية، وهذا الهدف الجليل هو الضمانة الوحيدة لنجاح التربية في أداء الإنسان لمهمته في خلافة الله في الأرض واستعمارها، فالكون كله مصمم لعبادة الله ومتوافق مع شرع الله، كما أشارت الآية القرآنية، الأمر الذى يجعل من تمحور تربية هذا الإنسان حول هذا الهدف أصلا تربويا وأمرا ضروريا لا مناص منه.

محمد سلامة الغنيمي

باحث بالأزهر الشريف

  • 5
  • 0
  • 481

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً