من أنت في قصة قارون؟

منذ 2020-01-15

قال الله تعالى ردا على ما ذهب إليه : ( {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} )، ألم تر يا قرون - وكل من غره فضل الله عليه - كيف أهلك من هو أشد منك قوة وأعظم خلقا وولدا وعزوة؟

اقتضت سنة الله في خلقه أن يبسط الله الرزق لمن يشاء ويقدره لمن يشاء، لحكمة يعلمها ولعلمه بما يصلح عباده وليختبرهم، فيختلف الناس في تلقيهم لهذا الابتلاء والاختبار، منهم من يكتب الإجابة الخاطئة ويظن أنه قد أحسن الإجابة، ومنهم من يتمنى لو كان بين يديه اختبار غيره ظنا منه أنه أيسر وأفضل مما معه، وينشغل بذلك عن الاختبار الذي بين يديه، وهناك من يحسن فهم الأسئلة فيجيد الإجابة، ثم يوم إعلان النتائج يكرم المرء أو يهان.

فيا ترى من أي الفرق سنكون؟

هل تريد من يساعدك على الإجابة ؟ إذا استمع لهذه القصة.

يحكي لنا القرآن في سورة القصص قصة عظيمة تحتاج للتأمل لرجل كان من قوم موسى عليه السلام اسمه قارون يقال أنه ابن عم موسى، فهل وقعت هذه القصة وبنو إسرائيل وموسى في مصر قبل الخروج؟ أو وقعت بعد الخروج في حياة موسى؟ أم وقعت في بني إسرائيل من بعد موسى؟

لم يحدد لنا القرآن لا زمن القصة ولا مكانها؛ ليعلمنا ألا نشغل أنفسنا بما لا يفيدنا ، فوقت المسلم ثمين، وما يهمنا العبرة والعظة من وراء تلك القصة.

ولكن تمثل كل شخصية من شخصيات القصة حال طائفة منا؛ من آتاه الله رزقا وفيرا من مال أوغيره ، ونظرة من حوله لذلك الرزق وتأثيره النفسي عليه سلبا وإيجابا.

كان قارون يملك خزائن الذهب العِظام، وقد ذكر الله تعالى كثرة كنوزه; حتى إن مفاتيحه كان يثقل حملها على الجماعة من الرجال الشداد.

هل تخيلت عِظم تلك الكنوز؟ إذا كانت المفاتيح فقط يصعب حملها على الرجال الأشداء فما حجم الكنوز نفسها؟!

ماذا ستفعل إن آتاك الله مثله؟

بل ماذا فعلت بما آتاك الله من فضله؟ هل أتاك الله علما أو جاها أو صحة يحسدك الناس عليها ؟

وماذا ستفعل حين ترى ذلك النعيم، تذكر أنك الآن تتخيل فقط تلك الكنوز فما بال من رأها بعينه وانبهر ببريقها، وشاهد بنفسه ذاك السلطان وتلك العظمة؟

 لا تتعجل الإجابة الآن ولننظر ماذا فعل قارون وقومه وقارن بين فعلهم وما جال بخاطرك.

لقد أصاب قارون العجب والفخر، ولم يؤدِ حق الفقراء والمساكين في ماله.

فماذا يفعل من حوله ؟ هل لهم دور مع ذلك الذي أصابه الزهو بماله فطغى وتجبر؟ أم سيتركونه وشأنه؟ ماذا ستفعل لو كنت مكانهم؟

 لم يتركه الناصحون الذين يحبون الخير لغيرهم، لم يقولوا وما شأننا رجل كفر بنعم الله  فليذق عاقبة فعله، وذلك شأن الدعاة المصلحين لا يكتفون بالصلاح وإنما هدفهم الإصلاح، فكم من صالح تقاعس عن الإصلاح ، فمن أي فئة أنت؟

لقد كان ممن حول قارون فئة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فنصحوه قائلين : ( {لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } ) أي; لا تبطر بما أعطيت ، وتفخر على غيرك . ( {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ } ) ولتكن همتك مصروفة لتحصيل ثواب الله في الدار الآخرة ، فإنه خير وأبقى ، ومع هذا (وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) فتمتع لنفسك بالملاذ الطيبة الحلال .

ليست مشكلتهم مع كثرة المال وإنما في طريقة التصرف بذلك المال، قد يظن البعض أن الزهد في الدنيا يقتضي ترك ملذاتها والبعد عن تحصيل المال بطرق مشروعة، وهذا على غير مراد الشرع؛ فالزهد أن تجعل الدنيا في يديك لا في قلبك، وخير الناس من رزقه الله مالا فصرفه في نصرة الإسلام وإعانة المحتاج، لولا المال ما استطاع عثمان بن عفان تجهيز جيش العسرة، ولما استطاع أبو بكر عتق بلال وغيره .

وقال الناصحون لقارون ( {أحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ} )  فيعاقبك ويسلبك ما وهبك ، ( {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} ).

ياله من درس عظيم فلننتبه!

هل أعطاك الله نعمة فاستعملتها في معصية؟

ماذا فعلت بمالك وجاهك وسمعك وبصرك ويديك ورجليك ؟

يا أيها العاصي لا تغتر بإمهال الله لك، لا تغتر بما وهب الله لك من مال فلعله استدراج، فإذا أخذك لم يفلتك، فالله لا يحب المفسدين.

تلك النصيحة الصحيحة الفصيحة ليست لقارون فحسب فاستمع لها بقلبك ولا تكن مثله حين قال: ( {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} ) يعني : أنا لا أحتاج إلى استعمال ما ذكرتم ، ولا إلى ما إليه أشرتم; فإن الله إنما أعطاني هذا لعلمه أني أستحقه ، وأني أهل له ، ولولا أني حبيب إليه ، وحظي عنده ، لما أعطاني ما أعطاني .

وهكذا يظن الغافل نفسه، يظن أن عطاء الله له إنما لفضله عند الله، مسكين ألم يرَ ويتعظ من قصص السابقين وأخبارهم؟!

 قال الله تعالى ردا على ما ذهب إليه : ( {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} )، ألم تر يا قرون - وكل من غره فضل الله عليه - كيف أهلك من هو أشد منك قوة وأعظم خلقا وولدا وعزوة؟  

نعود إلى قوم قارون وما يعتمل في صدورهم حين يرونه في كامل رونقه وعظمته.

ولكن قبل ذلك ماذا تفعل حين ترى أثر نعمة على غيرك ؟ يامن تتمنين زوجا ماذا فعلتي حين ترين من تعيش مع زوجها عيشة هنية

وأنت يامن تعمل عملا بسيطا ماهي نظرتك لمن يعمل في شركة كبيرة بمرتب أضعاف مرتبك؟

يا من يتمنى طفلا ماذا تفعل حين ترى من رزقه الله بالولد؟

يامن كل من تمنى نعمة وجدها في أبهى حلة عند غيره ماهي ردة فعلك؟

( {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} ) لقد خرج قارون على قومه في زينته من ملابس ، ومراكب ، وخدم ، وحشم ، فلما رآه من يعظم زهرة الحياة الدنيا ، تمنوا أن لو كانوا مثله وقالوا: ( {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} ).

كم خدعت البعض زخارف الأموال ونعيم الحال، غرتهم المظاهر ولم ينتبهوا أن كل ذلك زائل، وأن النعيم الحقيقي بالفوز بالجنة والنجاة من العقاب.

فلما سمع مقالتهم العلماء ذوو الفهم الصحيح ، قالوا لهم : ( {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} )  فثواب الله في الدار الآخرة خير وأبقى .

ثم قال تعالى : ( {وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ} ) أي; وما يلقى هذه النصيحة ، وهذه المقالة ، وهذه الهمة السامية إلى الدار الآخرة العلية ، عند النظر إلى زهرة هذه الدنيا الدنية ، إلا من هدى الله قلبه ، وثبت فؤاده .

هكذا حكى الله لنا حال قارون وحال الناصحين له ثم حال من غرتهم أمواله وتمنوا أن يكونوا مكانه وحال أولي الفهم الصحيح والقلب الواعي البصير بحقيقة الأمور.

فماذا كانت النتيجة؟

قال الله تعالى : ( {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ} )

هل نفعه ماله, هل نصره سلطانه وحشمه وخدمه؟ لم يكن له ناصر من نفسه ولا من غيره

لن ينفعك إلا عملك وإيمانك .

ولما حل به ما حل من الخسف ، وذهاب الأموال ، وخراب الدار ، وهلاك النفس والأهل والعقار ، ندم من كان تمنى مثل ما أوتي ، وشكروا الله تعالى الذي يدبر عباده بما يشاء من حسن التدبير المخزون فقالوا : ( {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} ).

هؤلاء أعطاهم الله البينة والدليل أمام أعينهم، وأعطانا نحن البرهان والبينة في كتابه فلنتعظ ولنعتبر .

فتلك الدار الآخرة هي دار القرار أعدت للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ؛ من تكبر وافتخر وفعل المعاصي; من أَخْذِ أموال الناس ، وإفسادِ معايشهم ، والإساءة إليهم ، وعدم النصح لهم ، ثم قال تعالى : ( {والعاقبة للمتقين} ) .

هبة حلمي الجابري

خريجة معهد إعداد الدعاة التابع لوزارة الأوقاف بجمهورية مصر العربية

  • 9
  • 0
  • 994

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً