من أبجدية السعادة الزوجية: تغافل

منذ 2020-02-26

ومن هذه المواقف الجلية في أدب التغافل، ما ذكره ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح قال: "إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصتُ له كأن لم أسمعه قط وقد سمعته قبل أن يولد".

    لا يخلو شخصٌ من نقص، ومن المستحيل على أي زوجين أن يجد أحدُهما كل ما يريده في الطرف الآخر كاملاً، كما أنه لا يكاد يمر أسبوع دون أن يشعر أحدها بالضيق من تصرف عمله الآخر، وليس من المعقول أن تندلع حربُ شتائم وسباب وربما ضربٌ كل يوم أوكل أسبوع، على شيء تافه كملوحة الطعام أو نسيان طلب أو الانشغال عن وعد – غير ضروري-أو زلة لسان، فهذه حياةُ جحيم لا تطاق!

    خلقُ التغافل من أحسن الأخلاق، وبهذا الخلق الكريم النبيل تبقى العلاقات وتنمو المحبات وتزدهر، والتغافل هو: "تكلف الغفلة مع العلم والإدراك لما يتغافل عنه تكرماً وترفعاً عن سفاسف الأمور"، فالمتغافل يعلم عن هذا الخطأ ويستطيع معاقبة المخطئ ولكنه يتغافل عن ذلك ليبقيَ حبل المودة.

    قال الإمام أحمد بن حنبل عن هذا الخلق العظيم: "تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل". وقال عنه سيد التابعين الحسن البصري: "ما زال التغافل من فعل الكرام". وقال ابن المبارك: المؤمن يطلبُ المعاذير، والمنافق يطلب الزلات.

     ولهذا على كل واحد من الزوجين تقبل الطرف الآخر والتغاضي عما لا يعجبُه فيه من صفات أو طبائع أو أخطاء، وبعض الرجال يدقق في كل شيء وينقِّبُ في كل شيء، فيفتح الثلاجة يومياً ويصرخ لماذا لم ترتبي الخضار أو تضعي الفاكهة هنا أو هناك؟! لماذا الطاولة علاها الغبار؟! كم مرةٍ قلت لك: الطعامُ حارٌ جداً؟! أعطيتكم عشرين ريالا أين هي؟ الخ. وينكد عيشَها وعيشَه!!

    وكما قيل: ما استقصى كريمٌ قط، كما أن بعض النساء كذلك تدقق في أمور زوجها ماذا يقصد بكذا؟ ومن هذا المتصل بك، ولماذا تأخرت إلى هذه الساعة؟ وتجعلها مصيبةَ المصائب وأعظمَ الكبائر. فكأنهم يبحثون عن المشاكل بأنفسهم!!

   والتغافل نمط من أنماط التربية الإسلامية، وهو مبدأ يأخذ به العقلاءُ في تعاملهم مع أولادهم ومع الناس عموما؛ فالعاقل لا يستقصي، ولا يشعر من تحت يده أو من يتعامل معهم بأنه يعلم عنهم كل صغيرة وكبيرة؛ لأنه إذا استقصى، وأشعرهم بأنه يعلم عنهم كل شيء ذهبت هيبته من قلوبهم. ثم إن تغافله يعينه على تقديم النصح بقالب غير مباشر، من باب: إياك أعني واسمعي يا جاره، ومن باب: ما بال أقوام. وربما كان ذلك أبلغ وأوقع.

    ومن العوامل التي تسهم وبشكل جدي في إحداث السعادة بين الزوجين حتى يمتلئ بها البيت، وتزدان بها القلوب ألا تقف عند كل صغيرة وكبيرة في بيتك، فهناك من الأمور التي ينبغي عليك أن تفوض فيها لزوجتك، وتترك لها حرية التصرف فيها، وتمكنها من متابعتها، فذلك يعلي من ثقتها بنفسها، ويكسبها العديد من مهارات حل المشكلات وإدارة المنزل بشك جيد، بل ويجعلها شريكًا حقيقيًا لك في إدارة منزلك.

    ومِنْ فَضَائِلِ التَّغافُلِ مَا رواه الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبِ الإِمَامِ أحمدَ عَن عُثْمَانَ بن زَائِدَةَ قَالَ: "الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ". فحدَّثتُ به أحمد بن حنبل فقال: "العافيةُ عشرةُ أجزاءٍ كُلُّهَا في التَّغَافُلِ". وكَثِيرًا مَا وَصَفَتْ الْعَرَبُ الْكُرَمَاءَ وَالسَّادَةَ بِالتَّغَافُلِ وَالْحَيَاءِ فِي بُيُوتِهَا وَأَنْدِيَتِهَا.

قَالَ الشَّاعِرُ:

نَزْرُ الْكَلامِ مِنْ الْحَيَاءِ تَخَالُهُ ** صَمْتًا وَلَيْسَ بِجِسْمِهِ سَقَـمُ

وَقَالَ آخَرُ:

كَرِيمٌ يَغُضُّ الطَّرَفَ دُونَ خِبَائِهِ ** وَيَدْنُو وَأَطْرَافُ الرِّمَاحِ دَوَانِـي

وَقَالَ كُثَيِّرٌ:

وَمَنْ لَمْ يُغْمِضْ عَيْنَهُ عَنْ صَدِيقِهِ ** وَعَنْ بَعْضِ مَا فِيهِ يَمُتْ وَهْوَ عَاتِبُ

وَمَنْ يَتَطَلّـَبْ جَاهِدًا كُلَّ عَثْرَةٍ ** يَجِدْهَا وَلا يَسْلَمْ لَهُ الدَّهْرَ صَاحِبُ

وكانت العربُ تردِّدُ هذا البيتَ كثيرًا:

ليسَ الذكيُّ بسيّدٍ في قومِهِ ** لكنَّ سيّدَ قومِهِ المُتَغَابِي

   وفي حديث عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -قَالَتْ: "جَلَسَتْ إحدى عَشْرةَ امرأةً، فتعاهَدْنَ وتعاقَدْنَ أنْ لا يَكْتُمْنَ من أخبارِ أزواجهنَّ شيئاً. وقالت إحداهن: "زوجي إذا دَخَلَ فَهِد، وإذا خَرَجَ أَسِدَ، ولا يَسْألُ عَمَّا عَهِدَ" رواه البخاريّ في بابِ حُسْنِ المعاشرةِ مع الأهلِ. ومِنْ صفاتِ الفَهْدِ التَّغَافُلَ.

   وإن كنت تريد أن تكون زوجتك فاطمة بنت محمد فلتكن أنت لها علي بن أب طالب، وإن أرادتك زوجتك عليًا فلتكن هي فاطمة بنت محمد، قال الله تعالى: " {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}   [النور: 26]

  حاتمُ الأصم وهو الشيخُ القدوة الرباني أبو عبد الرحمن حاتم بن عنوان البلخي الواعظ، كان يُقال له "لقمان هذه الأمة" لماذا سمي بالأصم؟ قال أبو علي الدقاق: "جاءت امرأةٌ فسألت حاتمًا عن مسألة، فاتفق أنه خرج منها صوتٌ في تلك الحالة فخجلت، فقال حاتم: "ارفعي صوتَك" فأوهمها أنه أصمّ فسرّت المرأة بذلك، وقالت: "إنه لم يسمع الصوت" فلقّب بحاتم الأصم.

   ومن هذه المواقف الجلية في أدب التغافل، ما ذكره ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح قال: "إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصتُ له كأن لم أسمعه قط وقد سمعته قبل أن يولد".

أسأل الله أن يديم عليك الحب ويزرع بينكما الألفة، وأن يجعل بيوتكم مطمئنة.

  • 5
  • 0
  • 743

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً