رفع الأعمال الى الله تعالى

منذ 2020-04-02

فرمضان هو أول العام التشريعى وفى رمضان تبدأ الملائكة بتسجيل أعمال العباد ثم تدور الأيام والشهور ليكون آخر العام التشريعى فى شعبان وفيه ترفع أعمال السنة

أيها المؤمنون لأن فضائل شهر شعبان كثيرة ولأنه شهر عظيم الشأن فليس بوسعى أن أتحدث عن فضائله فى لقاء أو لقائين ومن هنا سوف ينتظم الحديث فقط عن فضيلة واحدة من فضائل الشهر الكريم وهى :

أنه الشهر الذى ترفع فيه أعمال العباد إلى الله تعالى

قال الحب بن الحب اسامة بن زيد رضى الله عنهما يا رسول الله ما لى أراك تصوم من شعبان ما لا تصوم من غيره  «وكان النبى عليه الصلاة والسلام يصوم شعبان إلا قليلاً »
قال أسامة يا رسول الله ما لى أراك تصوم من شعبان ما لا تصوم من غيره فقال عليه الصلاة والسلام «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى وأحب أن يرفع عملى إلى ربى وأنا صائم» .

فى هذا الحديث أيها المؤمنون بيّن النبى عليه الصلاة والسلام أن السبب وراء كثرة صيامه فى شعبان انه شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى

قلت : ورفع الأعمال إلى الله فى شعبان أو فى غير شعبان إلى أن نتحدث عن الهدف وعن الغاية التى من أجلها يأمر الله تعالى برصد أعمالنا وتدوين وتسجيل حركاتنا وسكناتنا ثم رفعها اليه سبحانه فى شعبان وفى غير شعبان

وهنا السؤال لماذا تكتب على الإنسان أعماله ولماذا تدون على الإنسان أقواله ؟؟

اوليس ربنا سبحانه وتعالى حكم عدل لا يظلم الناس شيئا ؟ أو ليس ربنا سبحانه وتعالى لا يغيب عن علمه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء ولا يضل ولا ينسى ؟ أو ليس لربنا سبحانه وتعالى ما بين ايدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربنا سبحانه نسيا ؟

بلى أيها المسلمون ربنا حكم عدل لا يظلم الناس مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً وله سبحانه ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربنا نسياً

وعلى الرغم من كل هذا كلّف الله من ملائكة من يحفظون على العبد أعماله ومن يسجلون على العبد أقواله فى صحف وفى كتب لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا جمعتها حتى إذا قامت الساعة ووقنا للحساب كانت الصحف وما فيها حجة لنا أو حجة علينا فى موقف الحساب بين يدى الله عز وجل

منا من سيعطى صحيفة عمله بيمينه فيفرح ويتباهى أمام الخلائق
 { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ

ومن الناس من سيعطى صحيفة عمله بشماله فيأسف ويتحسر ويندم لكن لا ينفعه الأسف ولا ينفعه الندم
{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِؤُونَ

ومن الناس من يعجز عن تناول صحيفته بيمينه ويعجز عن تناولها بالشمال فتلوى ذراعه ليأخذها من وراء ظهره فيأخذها وهو يصرخ { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا }

الله سبحانه وتعالى خلق ابن ادم بيده وسواه ونفخ فيه من روحه

وهو سبحانه يعلم أنّ ابن ادم أكثر خلق الله نكراناً وجحوداً {إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} من بين كل الخلائق يعلم الله أن ابن آدم أكثر خلق الله ظلماً وكفرانا  {إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }
من بين كل الخلائق يعلم الله أن ابن آدم أكثر خلق الله ظلماً وجهلاً { إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً } من بين كل الخلائق يعلم الله أن ابن آدم أكثر خلق الله عناداً وجدالاً  {وكان الإنسان أكثر شيئ جدلاً }

ومن هنا أيها المؤمنون أمر الحكيم العليم سبحانه أن تكتب كل صغيرة وكبيرة من قول ابن ادم وفعله ليقال يوم القيامة لمن عمل خيرا وجوزى خيرا هذا قولك وعملك ويقال لمن عمل سوءا ولقى سوءا هذا قولك وعملك   {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا }

ورد فيما صح عن النبى عليه الصلاة والسلام
أن اعمال العباد ترفع الى الله تعالى فى كل يوم مرتين وهذا هو الرفع الأول :

قال النبى عليه الصلاة والسلام «إن لله تعالى ملائكة يتعاقبون فيكم بالليل وملائكة بالنهار فإذا كانت صلاة الفجر نزلت ملائكة النهار فيشهدون معكم الصلاة جميعاً ثم تصعد ملائكة الليل وتمكث معكم ملائكة النهار فيسألهم ربهم سبحانه وتعالى وهو أعلم بهم فيقول كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون جئناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون»

قال النبى عليه الصلاة والسلام «فإذا كان صلاة العصر نزلت ملائكة الليل فيشهدون معكم الصلاة جميعا ثم تصعد ملائكة النهار وتمكث معكم ملائكة الليل فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم فيقول كيف تركتم عبادي فيقولون جئناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون فاغفر لهم يوم الدين» 

ثم يكون الرفع النهائى لاعمال السنة كلها فى شعبان من كل
عام لماذا فى شعبان ؟

قرأت مؤخراً قولاً جميلاً لبعض أهل العلم فى ذلك قرأت قولهم :إن القرآن أو ما نزل على النبى عليه الصلاة والسلام كان ذلك فى رمضان وبالقرآن كان التكليف وكان التشريع وكان التمييز بين الحلال وبين الحرام فرمضان هو أول العام التشريعى وفى رمضان تبدأ الملائكة بتسجيل أعمال العباد ثم تدور الأيام والشهور ليكون آخر العام التشريعى فى شعبان وفيه ترفع أعمال السنة

يعيش الإنسان من العمر ما قدر له يعيش
فيعتقد ما يعتقد ويقول ما يقول ويعمل ما يعمل ويسلك من سبل الحلال ما يسلك ويسلك من سبل الحرام ما يسلك وهو فى كل ذلك يكتب عليه ويسجل عليه الصغيرة والكبيرة والدقيقة والجليلة ثم ينتهى عمره ويلقى الانسان ربه فيختم على صحيفة عمله فلا تفتح إلا فى أضيق الحدود
تفتح ليكتب فيها الخير والشر أما ما يكتب فيها من الخير فقد دل عليه حديث النبى عليه الصلاة والسلام ( «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء» ) وتفتح صحيفة الانسان بعد موته ليكتب فيها الشر وقد دل علي ذلك قول النبى عليه الصلاة والسلام (ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)

فاذا كان يوم القيامة امرالله تعالى بصحف الاعمال ان تخرج من مستودعها

قال أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: الكتب كلها تحت العرش فإذا كان يوم الموقف بعث الله ريحاً فتطيرها بالأيمان و الشمائل أول خط فيها ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً )

قالت عائشة رضي الله عنها:
( ذكرت النار فبكيت فقال النبى عليه الصلاة والسلام ما يبكيك ؟ قلت ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً
عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله ام من وراء ظهره وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حتى يجوز )

ما يفعله الانسان من الخير فلن يكفره وما يفعله الانسان من الشر والسوء فسيراه يؤتى بكل ما عمله الانسان في دنياه من الحسنات و السيئات فتوضع فى ميزان دقيق نصبه الحكيم العليم سبحانه وتعالى ميزان له كفتان حسيتان مشاهدتان فان كانت الحسنات اكثر ثقل الميزان وان كانت السيئات اكثر خف الميزان وطاش

 {الْقَارِعَة مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُه فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ

.نسال الله تعالى ان يهدينا لاحسن الاخلاق والاعمال انه ولى ذلك ومولاه

بقى لنا فى ختام الحديث أيها المؤمنون أن نقول ماذا بعد أن تسجل أعمالنا فى صحف أعمالنا وماذا بعد أن ترفع الى ربنا سبحانه وتعالى وفيها من الأوزار ما فيها وفيها من السيئات ما فيها اليس فى الامكان ان يتدارك الانسان ما فاته ؟؟ او ليس فى الإمكان أن يصحح الإنسان أخطاءه ؟؟

بلى بالامكان ان يتدارك الانسان ما سطر فى صحيفة عمله فيصححه بإمكان الإنسان أن يعيد كتابة اعماله بشرط يسير على من يسره الله تعالى عليه نعمل من الحسنات ما نقدر عليه ولا نحقر من المعروف شيئاً ولو أن نتبسم فى وجوه الناس ثم نجلس مع أنفسنا فنتذكر ذنوبنا فما كان بيننا وبين ربنا فنستغفر الله منه ونتوب وفى التنزيل الحكيم { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى }

ثم نجلس مع أنفسنا فنتذكر ما بيننا وبين الناس من سيئات ومظالم ومن كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو مال فليتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم

متى فعلنا ذلك والنية خالصة لوجه الله الله عز وجل بكرمه يمحو السيئات ويكتب مكانها لنا أجوراً وحسنات لا أقولها من عند نفسى لكنه حديث النبى عليه الصلاة والسلام قال عبد الرحمن بن جبير أتى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ كبير هَرِم، سقط حاجباه على عينيه، وهو مدَّعمُ على عصا حتى قام بين يديْ النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبى الله أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها، لم يترك داجَّة ولا حاجَّة إلا أتاها، لو قُسِّمت خطيئته على أهل الأرض لأهلكتهم أله من توبة؟

فقال عليه الصلاة والسلام هل أسلمت؟ قال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام تفعل الخيرات وتترك السيئات فيجعلهن الله لك كلهن خيرات قال وغدراتي وفجراتي يا رسول الله؟! قال نعم وغدراتك وفجراتك، فقال الله أكبر! الله أكبر! ثم ادَّعم على عصاه، فلم يزل يردد: الله أكبر الله أكبر حتى توارى عن الأنظار }

{ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا }

الشيخ محمد السيد

إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية

محمد سيد حسين عبد الواحد

إمام وخطيب ومدرس أول.

  • 7
  • 1
  • 1,546

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً