بين يدي سورة التحريم

منذ 2020-11-19

سورة التحريم من السور التي نزلت في مرحلة متأخرة من المرحلة المدنية فقد ورد في بعض الروايات في أسباب النزول ذكر أسماء لأمهات المؤمنين، ولم يكن رسول الله - ﷺ - بنى بهن إلا في مرحلة متأخرة كزينب بنت جحش وصفية بنت حيي وجاريته مارية القبطية.

1- أسماؤها:

تسمى سورة التحريم.

 

وتسمى سورة النبي - صلى الله عليه وسلم -[1].

 

وتسمى سورة (لم تحرم).

 

وتسمى سورة (اللم تحرم) بتشديد اللام[2].

 

والتسميتان الأخيرتان من قبيل تسمية السورة بأول كلمة بها، ولا يشترط في ذلك ورود نص أو أثر بهذه التسمية عن الصحابة أو التابعين.

 

2- عدد آياتها:

عدد آيات سورة التحريم اثنتا عشرة آية إجماعًا.

 

عدد كلماتها مائتان وسبع وأربعون كلمة، وحروفها ألف ومائة وستون حرفًا كحروف سورة الطلاق[3].

 

3- المرحلة الدعوية التي نزلت سورة التحريم فيها:

سورة التحريم من السور التي نزلت في مرحلة متأخرة من المرحلة المدنية فقد ورد في بعض الروايات في أسباب النزول ذكر أسماء لأمهات المؤمنين، ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنى بهن إلا في مرحلة متأخرة كزينب بنت جحش وصفية بنت حيي وجاريته مارية القبطية.

 

كما أن الإشارة التي وردت في كلام عمر بشأن استعداد غسّان لغزو المسلمين يدل على هذه المرحلة المتأخرة، فاحتكاك المسلمين بأطراف الجزيرة العربية وملوكها لم يكن إلا في السنة التاسعة للهجرة وما بعدها.

 

وفي هذه المرحلة كانت آيات الذكر الحكيم تنزل بشأن بناء المجتمع الإسلامي البناء القوي المحكم ففي هذه المرحلة نزلت سورة الجمعة والحجرات والتوبة والطلاق والتحريم وغيرها.

 

ولقد أشار بعض المفسرين إلى جانب نفسي في أحداث سبب النزول لهذه السورة يتعلق بأمهات المؤمنين، وأرى وجاهة هذا الجانب النفسي في القضية:

ذلك أن أمهات المؤمنين عشن عيشة الكفاف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث كان يمر الشهر والشهران ولا يوقد في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نار للطبخ، وما كان عيشهم سوى الأسودين الماء والتمر، ولم يشبعوا من خبز بر يومين متتالين، فلما انتشر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وفتحت مكة واطمأن الناس في جزيرة العرب على مصالحهم التجارية والزراعية، وأقبلت الوفود على عاصمة الدولة الإسلامية يعلنون الطاعة والولاء وفرضت الزكاة على الولايات الإسلامية وحملت الأموال إلى المدينة المنورة ووزعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على القاصي والداني وخص بكثير منها المؤلفة قلوبهم، كل ذلك أوجد في نفس بعض المقربين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذين أوكلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رصيدهم الإيماني فلم ينلهم العطاء أوجد لديهم تطلعًا إلى أن ينالهم شيء من هذا العطاء، وأن يحصلوا على بعض أسباب المعيشة التي تبدل شيئًا من الشظف الذي كانوا عليه.

 

ومن هؤلاء أمهات المؤمنين حيث جئن وجلسن حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبدأن يطالبنه بالنفقة [4]، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي التزم منهجًا في الحياة هو ارتضاه لنفسه سواء قل المال بين يديه أو كثر لم يكن ليطمئن إلى متاع الدنيا ولذائذها وإنما ادخر اللذة والمتعة إلى يوم فيه الحياة الحقيقية والمتعة التي لا تنتهي، آثر ذلك على متع الدنيا العاجلة،وهو بذلك يختط للأمة- وهو قدوتها- المنهج الأمثل في هذه الحياة العاجلة الزائلة. فلما وجد إصرارهن على أن يأخذن حظهن من الدنيا مع حوادث جزئية أخرى خاصة تقدمت على هذه المطالبة الجماعية بالإنفاق والتوسع في المعيشة. كان الأمر الحاسم، وقطع دابر هذه المحاولات التي كانت تؤثر على مشاعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخاصة وهي تثار داخل بيته ومن أهله وزوجاته اللاتي يفترض فيهن أن يجد منهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المواساة مما يعانيه في دعوته من أعداء الإسلام الخارجين والمنافقين في صفوف المسلمين.

 

أما أن يجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - داخل منزله ما يدعو إلى تغيير منهجه في الحياة وأسلوبه في زهده وطريقة إنفاقه على أهل بيته.

 

فهذا الذي لم يرضه رب السماوات والأرض لرسوله فأنزل آية التخيير لتضع أصحاب القضية بين خيارين لا ثالث لهما:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزب: 28، 29].

 

ونزلت سورة التحريم لتتناول جانبًا آخر من القضية، وهي قضية غيرة النساء وحيلهن لكسب قلب الزوج وحرمان ضرائرهن من عطفه وشفقته وحبه واستئثارهن به. وهو جانب آخر- وإن بدا لأول وهلة أنه أمر لا يستحق هذا الاهتمام- ذو خطورة لأنه يتعلق ببيت النبوة ونمط المعيشة فيه وكيفية إنشاء العلائق المنزلية بين أفراد الأسرة ومن هذا البيت يستمد التشريع للأمة وهو البيت النموذج والمثل الإنساني الكامل.

 

4- أسباب نزولها:

أ- روى البخاري في صحيحه- في عدة مواضع منها في كتاب التفسير- عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشرب عسلاً عند زينب بنت جحش ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير؟ إني أجد منك ريح مغافير[5]، قال: ولكني كنت أشرب عسلاً عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا، فنزلت {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1] -إلى قوله تعالى- {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] [6].

 

ب- روى الإمام عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الصبح دخل على أزواجه امرأة امرأة فسلّم عليهن، وكانت حفصة قد أهدي لها عسل، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل عليها خاضت[7] له من ذلك العسل فسقته منه فيجلس عندها، فغارت عائشة فجمعتهن فقالت لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة امرأة: إذا دخل عليكن فقولي: ما هذه الريح التي أجدها منك يا رسول الله؟ أكلت مغافير؟ فإنه سيقول: سقتني حفصة عسلاً، فقولي: جرست[8] نحله العرفط، قال: فدخل على سودة، قالت: فأردت أن أقول له قبل أن يدخل فرقًا من عائشة، قالت: فلما دخل قلت: ما هذه الريح التي أجد منك يا رسول الله؟ أكلت مغافير؟ قال: لا، ولكن حفصة سقتني عسلاً فقالت: جرست نحله العرفط، ثم دخل عليهن امرأة امرأة وهن يقلن له ذلك ثم دخل على عائشة فقالت له أيضًا ذلك، فلما كان الغد دخل على حفصة فسقته فأبى أن يشرب وحرمه عليه، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التحريم: 1] [9].

 

جـ- روى ابن جرير بسنده إلى ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان؟ قال عائشة وحفصة، وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم القبطية، أصابها النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت حفصة في نوبتها فوجدت حفصة فقالت يا نبي الله لقد جئت إليّ شيئًا ما جئت إلى أحد من أزواجك، في يومي وفي دَوْري وعلى فراشي؟! قال: ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها، قالت: بلى، فحرمها، وقال لها: لا تذكري ذلك لأحد، فذكرته لعائشة فأظهره الله عليه فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ..} الآيات كلها، فبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفّر عن يمينه وأصاب جاريته[10].

 

لقد وقف المفسرون تجاه هذه الروايات مواقف متباينة، فمنهم من رجّح بعضها على غيرها ومنهم من حاول الجمع بينها في الجوانب التي يمكن الجَمع، وما لا يمكن الجمع ردوه وخطأوا القائلين بها.

 

يقول الإمام القرطبي بعد سوق الروايات المتعددة:

".. وإنما الصحيح أنه كان في العسل وأنه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه، فجرى ما جرى فحلف ألا يشربه وأسر ذلك ونزلت الآية في الجميع"[11].

 

وقال ابن كثير: ".. كما أن الصحيح في سبب نزول الآية أنها في قصة العسل لا في قصة مارية المروي في غير الصحيحين، ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح"[12].

 

ويقول ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري: "فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا"[13].

 

ويقول الشوكاني في تفسير فتح القدير: "فهذان سببان صحيحان لنزول الآية، والجمع ممكن بوقوع القصتين: قصة العسل، وقصة مارية، وأن القرآن نزل فيهما جميعًا وفي كل واحد منهما أنه أسر الحديث إلى بعض أزواجه[14].

 

ولعل الجمع بين الروايات أولى من رد إحدى الروايتين، فليس هناك تعارض بين أحداث الروايات إلا في تعيين التي كان يشرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندها العسل، فقد ورد في بعض الروايات أنها زينب بنت جحش وفي بعضها حفصة وفي بعضها أم سلمة. ونحن نرجح في ذلك ما ورد في الصحيحين وأنها زينب بنت جحش، والمتظاهرتان هما عائشة وحفصة رضي الله عنهن جميعًا. وستأتي بقية الروايات في المباحث اللاحقة[15].

 

5- المناسبات في سورة التحريم:

أ- المناسبات بين سورة التحريم وسورة الطلاق:

المناسبات بين السورتين واضحة تمامًا فمحور كل سورة منهما يتناول المشاكل الزوجية بل مشكلة الطلاق وما يترتب عليها.

 

يقول الإمام الفخر الرازي: أما التعلق بما قبلها، فذلك لاشتراكهما في الأحكام المخصوصة بالنساء، واشتراك الخطاب بالطلاق في أول تلك السورة مع الخطاب بالتحريم في أول هذه السورة، لما كان الطلاق في الأكثر من الصور أو في الكل كما هو مذهب البعض مشتملاً على تحريم ما أحل الله[16].

 

ويربط البقاعي بين آخر سورة الطلاق حيث ختمت ببيان علم الله المحيط بما في السماوات والأرض جليلها ودقيقها حيث قال جل جلاله {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12].

 

وذكر في افتتاحية التحريم علم الله المحيط بحادثة خاصة جرت بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين بعض أزواجه وإحاطته بالسر الذي أودعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض أزواجه، وإحاطته كذلك بإفشائها لسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حيث ورد ذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم: 3].

 

يشير إلى ذلك البقاعي بإيجاز فيقول: "لما ختم سبحانه وتعالى الطلاق بإحاطة علمه، وتنزل أمره بين الخافقين في تدبيره، دل عليه أول هذه بإعلاء أمور الخلق بأمر وقع بين خير خلقه وبين نسائه اللاتي من خير النساء.."[17].

 

ويقول الإمام أبو جعفر ابن الزبير: "لا خفاء بشدة اتصال هذه السورة بسورة الطلاق لاتحاد مرماهما وتقارب معناهما، وقد ظن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلق نساءه حين اعتزل في المشربة، حتى سأله عمر رضي الله عنه والقصة معروفة، وتخييره - صلى الله عليه وسلم - إياهن إثر ذلك وبعد اعتزالهن شهرًا كاملاً، وعتب الله عليهن في قوله: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ} وقوله {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} [التحريم: 5] الآية، فهذه السورة وسورة الطلاق أقرب شيء وأشبه بسورة الأنفال وبراءة لتقارب المعاني والتحام المقاصد"[18].

 

وأخيرًا نقول في المناسبات بين السورتين أن سورة الطلاق اشتملت على أحكام المطلقات إيقاعًا وعدة ونفقة وسكنى وإرضاعًا، وفي تهديد المتظاهرتين ومن ورائهن أمهات المؤمنين الأخريات بالطلاق تذكير بالمشكلات التي تنتظرهن إن وقع عليهن الطلاق، وفي ذلك الإيماء تربية بالإيحاء، ومن أقسى الأمور على نفس المرأة تهديدها بالطلاق وتذكيرها بما يترتب عليه من تشريد وهدم لعش الزوجية الذي بذلت فيه جهدها لتجعل منه بيتًا ملؤه السعادة والطمأنينة والدفء والحنان.

 

ب- المناسبة بين افتتاحية سورة التحريم وخاتمتها:

افتتحت سورة التحريم بأمرين اثنين واختتمت بإشارتين تتعلقان بنفس الأمرين.

 

الأمر الأول في الافتتاحية:

عتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على امتناعه عن المباح وتحريم نفسه منه بغية مرضاة أزواجه، وهذا منتهى التلطف مع الزوجات والسعي لإسعادهن ولو بهضم شيء من حق النفس.

 

فجاء في خاتمة السورة ذكر امرأتين ثيّبة وبكر هما: آسية امرأة فرعون التي آثرت ما عند الله على ما كانت عليه من الملذات الدنيوية في كنف فرعون، واختارت جوار الله جل جلاله على جوار فرعون.

 

ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فكانت وابنها آية للناس حيث ولدته من غير أب وهما من زوجات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنة، أخرج الطبراني عن سعد بن جنادة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى عليه السلام»[19].

 

وفي ذلك الإشارة إلى ما ينبغي أن تتصف به زوجات أكمل الناس خلقًا، فهن القدوة لنساء المؤمنين وكذلك إيماء إلى البدل الذي جاء في قوله تعالى: {أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} وقد ورد في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» [20].

 

يقول البقاعي: وقد أتم سبحانه الأمثال في الآداب بالثيّبات والأبكار الأخيار والأشرار فانعطف آخر السورة على أولها في المعاني بالآداب، وزاد ذلك حسنًا كونها في النساء في الذوات والأعيان بزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - لآسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران في الجنة دار القرار السالمة عن الأكدار، الزواج الأبدي، فصار أول السورة وآخرها في أزواجه - صلى الله عليه وسلم -، وفي ختامها بالقنوت الذي هو خلاصة الأوصاف الماضية في الأبدال المذكورات أعظم مناسبة والله الهادي"[21].

 

الأمر الثاني في افتتاحية السورة:

التهديد والوعيد للمتظاهرتين اللتين تسببتا في التحريم، وأفشتا سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد استكتم إحداهما الخير وأمرها أن لا تبوح به لأحد، فبثت الحديث للأخرى، وإباحة سر الزوجية شيء لا ينبغي أن يحدث في بيوت عامة المسلمين، فكيف به إن حدث في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدوة الأمة. ولخطورة الأمر جاء التمثيل في خاتمة السورة بذكر زوجتين كانتا تحت نبيين من الأنبياء فعندما خالفتا مبادئ شرائعهما ولم تلتزما بأحكام دينهما {وقِيْلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [التحريم: 10] وفي ذلك إشارة وتعريض بأمهات المؤمنين عامة وبالمتظاهرتين خاصة إن بدرت منهما ما يخالف شرائع الإسلام التي جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم -.

 

يقول الفخر الرازي: "وفي ضمن هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين، وهما حفصة وعائشة لما فرط منهما وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده لما في التمثيل من ذكر الكفر"[22].

 

ونقل صديق حسن خان عن يحيى بن سلام قوله: "ضرب الله مثلاً للذين كفروا يحذر به عائشة وحفصة من المخالفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين تظاهرتا عليه" ويعقب صديق خان على قول يحيى بن سلام "وما أحسن ما قال فإن ذكر امرأتي النبيين بعد ذكر قصتهما ومظاهرتهما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرشد أتم إرشاد ويلوح أبلغ تلويح إلى أن المراد تخويفهما مع سائر أمهات المؤمنين، وبيان أنهما وإن كانتا تحت عصمة خير خلق الله وخاتم رسله فإن ذلك لا يغني عنهما من الله شيئًا، وقد عصمهما الله سبحانه من ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة الخالصة"[23].

 

6- محور سورة التحريم والمناسبة بينه وبين المقاطع:

تدور سورة التحريم حول محور واحد وهو حادث تحريم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نفسه شيئًا مباحًا بمعنى الامتناع منه، وإسراره حديثًا إلى بعض أزواجه وإخبارها به حيث افتتحت السورة بعتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا التحريم سعيًا لإرضاء زوجاته، وينبغي الأمر أن يكون بالعكس حيث تسعى الزوجات وغيرهن من الخلائق لكسب رضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

 

ثم نتنقل الآيات إلى توجيه الوعيد والتهديد إلى المتظاهرتين إن استمرتا على ما كانتا عليه، كما تفتح باب التوبة لهما.

 

ومن خلال هذا الوعيد للمتظاهرتين يوجه الخطاب إلى المؤمنين عامة لينقذوا أنفسهم وأهليهم من النيران الرهيبة وذلك بحملهم على طاعة الله ورسوله واجتناب النواهي، كما تبرز الآيات الكريمة أهمية المبادرة إلى هذه التوبة النصوح قبل فوات الأوان بالموت أو قيام الساعة.

 

ويفتح باب الرجاء والأمل للتائبين وما يكونون عليه من النور التام {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الحديد: 12].

 

ولعلها من الإشارات الموحية النص على معية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الموطن ﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾ [التحريم: 8].

 

والتوجيهات الربانية تكون بين الرجاء والخوف والترغيب والترهيب، لذا يأتي الأمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتخذ موقف الغلظة والتشديد من الكفار والمنافقين الذين يتخذون من الأحداث الخاصة ببيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيضخمون من شأنها ويتخذونها ذريعة للطعن والإفساد في شرائع الإسلام.

 

وتأتي خاتمة السورة عودًا على بدء في سوق الأمثال والتحذير من مصير الخائنات لعقائد الأزواج الصالحين، والحث على التأسي بالنساء الصالحات الثيبات والأبكار.

 

إن محور السورة يدور على ضرورة حماية الأسرة من الانحراف والانجراف في أمور قد تكون بداياتها صغيرة لا تعطى أهمية ولكنها عظيمة الآثار في حياة الأسرة، ومن خلال حادثة التظاهر والتحريم تأتي التوجيهات الربانية إلى الأمة الإسلامية في تربية الأسرة. وهذا الأمر الذي يدور حوله محور السورة أو يشكل محور السورة من دقائق الأمور التي تؤثر على حياة الزوجية.

 

واهتمام القرآن الكريم باستقامة الأسرة وقيامها على منهج الله تعالى نابع من اهتمامه بسلامة المجتمع الإسلامي، فقوة المجتمع الإسلامي وسلامته وصلابته تجاه الأحداث الداخلية والأعاصير الخارجية مستمدة من قوة اللبنات التي يتكون منها المجتمع، وهذه اللبنة هي الأسرة الإسلامية التي تناولها القرآن الكريم بالرعاية والعناية من يوم نشوئها ورافق تكوينها وما يعتريها من أعراض إلى انتهائها بالفراق أو الموت لأفرادها.

 


[1] نظم الدرر (جـ 20 ص 179) وتفسير القرطبي (جـ 18 ص 177).

[2] منار الهدى للأشموني (ص284).

[3] انظر الإتقان في علوم القرآن (جـ 1 ص 55)، وتفسير التحرير والتنوير (جـ 28 ص 343).

[4] ستأتي الرواية مفصلة في أسباب النزول.

[5] مغافير: بغين معجمة، وفاء بعدها ياء وراء، جمع مغفور بالضم كعصفور، أي صمغاً حلواً له رائحة كريهة، ينضحه شجر يقال له العرفط، بضم العين المهملة والفاء، يكون بالحجاز له رائحة كرائحة الخمر. انظر النهاية لاين الأثير (4/374)، والفتوحات الإلهية الشهير بالجمل على الجلالين (4/363).

[6] صحيح البخاري، كتاب التفسير (6/68).

[7] معنى خاضت: خلطته بالماء وحركته.

[8] معنى جرست: أكلت ورعت من الشجر.

[9] انظر الرواية في تفسير عبد الرزاق الصنعاني (2/302) بتحقيقنا، نشر مكتبة الرشد.

[10] انظر الرواية في تفسير ابن جرير الطبري (28/100).

[11] انظر تفسير القرطبي (18/179).

[12] انظر تفسير ابن كثير (4/386).

[13] انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري (8/533).

[14] انظر تفسير فتح القدير للشوكاني (5/252).

[15] وانظرها أيضاً في زاد المسير لابن الجوزي (8/302) وما بعدها.

[16] انظر التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) للرازي (30/41).

[17] انظر نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي (20/179).

[18] انظر المرجع السابق (20/184).

[19] انظر تفسير روح المعاني للألوسي (10/165) ط دار الفكر.

[20] صحيح البخاري، كتاب الأطعمة وفيه الاقتصار على آسية ومريم (9/551) طبعة المطبعة السلفية وصحيح مسلم فضائل الصحابة (4/1886)، طبعة دار إحياء التراث العربي.

[21] انظر نظم الدرر للبقاعي (20/215).

[22] انظر التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) للرازي (30/49).

[23] انظر حسن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله في النسوة (104) مطبعة الإمام.

_____________________________________

أ. د. مصطفى مسلم

  • 0
  • 0
  • 334

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً