مناقشة هادئة لتفسيرات عبد الوهاب المسيري

منذ 2021-01-04

والقول بأن أوروبا أرادت أن تتخلص من اليهود قول قاصر عن تفسير ما حدث ويحدث، فالواقع أن أكثر اليهود لا زالوا في أوروبا والولايات المتحدة، ولو كان الهدف هو التخلص منهم لفعلوا كما فعل هتلر بهم

بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

مما يميز الدكتور عبد الوهاب المسيري عن غيره اهتمامه بتقديم تفسير للظواهر الاجتماعية (أو السياسية)، فعامة ما تقرأ رصد وتوصيف وقليل ممن يَكتب أو يَتحدث يهتم بالتفسير والتنبؤ. والظواهر الطبيعية والاجتماعية (أو السياسية) لابد لها من الثلاثة: الأولى: الرصد والتوصيف، والثانية: التفسير وذلك بالبحث عن المتغيرات المؤثرة (المستقلة) والمتأثرة (التابعة) والوسيطة ( المتداخلة.. عوامل الحفز) في الظاهرة الاجتماعية( أو السياسية) وعلاقة التأثير المتبادل بينهما، والثالثة: محاولة التعرف على مستقبل الظاهرة. وجلهم يجتمع عند الوصف وقليل من يحاول التفسير والتنبؤ. والمسيري من هذه القلة التي عنيت بالفهم والتفسير، ولكن:

عملية التفسير تخضع لأطر عامة، فإذا قلنا أن الظواهر الطبيعية والاجتماعية ثابتةٌ والاختلاف إنما يكون في حال من ينظر إليها ويحللها؛ فمثلًا اليهود بعيون غربية غير اليهود بعيون علمانية عربية (القوميين العرب مثلًا)، غير اليهود بعيون حماس التي تقاتلهم مباشرة، فالاختلاف يكمن في طبيعة من ينظر للظاهرة ويحاول رصدها وتحليلها ويكمن أكثر في الأدوات المنهجية التي يستخدمها في الرصد والتحليل، لذا حين نرى تفسيرًا لابد أن نتأمل ثلاثة: الأولى: حال من يكتب أو يتحدث، وذلك بأن نرجع خطوة للخلف ونحاول التعرف على المنظور الفكري الذي يتحكم في تصوراته؛ والثانية: النظر في القول نفسه، تحديدًا ما يَتحدث به من أدلة، وغالبًا ما تكون انتقائية إذ أن عامة من يتبنى رؤية معينة يأخذ من التاريخ والواقع ما يثبت به منظومته الفكرية عند نفسه وعند من يخاطبهم؛ والثالثة: السياق الذي أفرز المتحدث، فالسياق له تأثير قوي في تحديد الأطر العامة للمتكلم فالذي في مصر حاليًا ليس كالذي في تركيا وقطر ولا كالذي في غزة، والزمان كالمكان له إكراهات ومعطيات.. يحدد السياقات مساحات الفعل عند كثيرين؛ ولذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: ما هي الأطر الفكرية التي فسَّر بها الدكتور عبد الوهاب المسيري الظاهرة اليهودية في فلسطين والعالم؟، وما هو السياق العام الذي يتحرك فيه المسيري ورفاقه؟!

تعامل المسيري مع الكيان الصهيوني على أنه جماعة وظيفية أنشأتها الإمبريالية الغربية من أجل التخلص من اليهود في أوروبا، ومن أجل تكوين كيان موالٍ لهم في قلب المنطقة العربية يحول دون ظهور قوة عربية، أو إسلامية، تمنع الغرب من الحصول على الموارد الطبيعية ( وفي مقدمتها الطاقة اللازمة لصناعته)، والأسواق اللازمة لبيع بضائعه، يقول: الغرب مندفع بتحقيق مصالحه المادية فقط ويشتد في إنكار فكرة المآمرة. والله يقول: "إِنَّهُمۡ يَكِيدُونَ كَيۡدًا" (الطارق:7)، والله يقول: "وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ" (إبراهيم: 46)؛ وتعامل مع اليهود كجماعات تتشكل حسب الدول (البيئة) التي يتواجدون فيها. ويشتد في إنكار وجود صفات عامة للشخصية اليهودية. ويستأنس بدراسات إنثروبولوجية عن يهود، كتلك التي قدمها الدكتور جمال حمدان وحاول أن يثبت فيها أنهم كغيرهم أو دخلوا في غيرهم من حيث الصفات البدنية والوراثية، وقام المسيري بالتقديم لدراسة جمال حمدان وفي التقديم أطَّرَ الدرسة لتنطق بما يعتقد هو لا بما تقوله دراسة علمية مجرده يمكن أن تخضع لتفسيرات عدة.

 

أولًا: مقولة "البحث عن المصلحة":
بالتدقيق في عبارات المسيري نجد أنه ينطلق من مادية الغرب، وأنه يبحث عن مصالح مادية فقط، بمعنى أن الغرب يدعم من يحقق مكاسبه المادية، والتي تتمثل في موارد رخصية للطاقة والمواد الخام وأسواق لبيع البضائع. وتفسير السلوك الخارجي للدول والأفراد بالمصلحة المادية أمر شائع، حتى على مستوى الأفراد العاديين. وبقليل من التأمل نجد أن "المصلحة" تتشكل بناءً على منظومة القيم التي يعتقدها الغرب، وإنما أصبحت المصلحة مادية اليوم بسبب سيطرة العلمانية الغربية، فصار الناس يتحركون بحثًا عن ماديات بخلاف ما كان عليه الناس في الجاهلة مثلًا، فقد كانوا ينفقون أموالهم وأوقاتهم وربما دماءهم بحثًا عن السمعة الحسنة، وفي عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، وصحابته رضوان الله عليهم، كان يبحثون عن عطاء الله ورضوان الله، وانظر إلى ما وصفهم الله به في أكثر من موضع من كتابه الكريم: (يَبۡتَغُونَ فَضۡلًا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنًاۚ) (المائدة:2)، (محمد:29)، (الحشر:8)؛ وحين سيطرت العلمانية المادية تحرك الناس خلف أهداف مادية.. استهلاكية. ويعني ذلك أن مقولة "المصالح تتحكم في السلوك" مقولة قاصرة لا تصلح لتفسير سلوك الإمبريالية الغربية بشكل جيد _ ولا تصلح كذلك لتفسير سلوك الأفراد بشكل دقيق- فخلف المصلحة منظومة قيم جعلت المصلحة في المقدمة؛ والمقولة قاصرة عن تفسير سلوك الدول الغربية وأصوب منها القول بأن الغرب يبحث عن الاستحواذ على أسباب القوة والنفوذ، هذا دأب الموجة الثانية من الغزو الغربي لبلاد المسلمين، وهي الموجة العلمانية التي جاءت بعد تراجع سيطرة الكنيسة وانتهاء حرب الكنيسة على العالم الإسلامي (الحملات الصليبية). فالعلمانيون من العصر الميركانتي، مرورًا بنهب وتخريب بلاد المسلمين في أفريقيا وأسيا وشعوب أمريكا اللاتينية إلى يومنا هذا، وهم يتحركون لهدفٍ رئيسي وهو السيطرة التامة على أسباب القوة والنفوذ، وحين سيطرت الولايات المتحدة على قيادة العالم بعد "الحرب الثانية" أحدثت شيئًا جديدًا لم يعرف من قبل، وهو جعل الحفاظ على أمنها هي هدفًا لغيرها، فقد كانت الدول الكبرى قبلها تحاول هزيمة خصومها فقط، أما هذه منذ اضطلعت بقيادة العالم وهي تفرض الحفاظ على أمنها هي هدفًا لغيرها من الدول، ويظهر هذا في السياسة الخارجية تحت مسمى "الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة". وبدهي أن السيطرة على أسباب القوة والنفوذ تعني فرض التبعية في جميع مجالات الحياة: السياسية والاقتصادية والعسكرية على غيرهم.

ثانيًا: مقولة "الصفات المشتركة لليهود":
حديث المسيري عن أن اليهود جماعات ولا يملكون صفات مشتركة، يتنافى تمامًا مع صريح القرآن الكريم، فلم يكونوا في عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، كيانًا واحدًا، بل كانوا جماعات (قينقاع، والنضير، وقريظة، ويهود خيبر، ويهود وادي القرى، ويهود فَدَك، بخلاف يهود اليمن)، وكانوا متناحرين إلى حد الاقتتال، والتحالف مع العرب ضد بعضهم بعضًا، فقد كانت قريظة والنضير مع الأوس وقينقاع مع الخزرج وهذا صريح في نص القرآن الكريم (ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ) (البقرة: 85)، وحين غدرت قينقاع وأخرجها الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم تنتصر لها أخواتها من يهود مع كثرة عددهم ووفرة عتادهم، وكذا حين غدر بنو النضير، وحين غدر بنو قريظة لم تتحرك ألوف المقاتلين في خيبر ووادي القرى وفدك لنصرتهم، وذات الشيء مع خيبر، قد كانوا جماعات لكل جماعة سياق خاص بها ومختلفون فيما بينهم (وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ) (المائدة:64)، فلم يتحدوا ويتآلفوا فيما بينهم كما هم اليوم، وكانوا (في عهد النبي صلى الله عليه وسلم) منحرفين عن دينهم، وكانوا تجارًا يبحثون عن مصلحتهم الخاصة في بيع الخمور والسلاح [ والتفاصيل في كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي]، ومع ذلك وصف الله اليهود كيهود لا كجماعات مستقلة، ووصفهم بصيغة المضارع.. ما يعني أنها صفات دائمة في الشخصية اليهودية (وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًاۚ) (المائدة: 64)، (يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 62) (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ) (المائدة: 13)، (سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ) (المائدة:42) (وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِ) (المائدة:41)، (أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنهُم بَل أَكثَرُهُم لاَ يُؤمِنُونَ) (البقرة: 100)، (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشرَكُوا ) (المائدة: 84). والمسيري يستدل باختلاف اللغة والحالة المادية والعدد على اختلاف البنية والأهداف، وهذا مضحك ولا يليق بذي عقل أن يتحدث به. فالواقع أن اليهود يحافظون على هويتهم بدليل بقاؤهم يهود للآن ولم ينصهروا في آتون "الدولة القومية" ويعرفون أنفسهم كيهود كما فعلت المرأة التي اشعلت عزيمته لكتابة الموسعة. وبديهي أن الصفات العامة لا تنطبق بالضرورة على جميع الأفراد، وفي القرآن الكريم (وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَار يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمًاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّنَ سَبِيل. وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ٧٥) ( آل عمران: 75)، وحين نتحدث عن جماعة من الناس تحت أي مسمى فنحن نتحدث عن الصفة الغالبة ولا يحتج بأفراد، وذلك أن الفرد يتكيف حسب الموقف في تعاملاته الفردية؛ وتخصص جماعة في دولة (يهود ألمانيا ويهود بريطانيا ويهود الولايات المتحدة، ويهود أثيوبيا... كما يذكر هو )،  يخضع للإمكانات التي تتاح لهم، ولا يعني هذا اختلاف الانتماء العام، تمامًا كالأفراد في البيئة الواحدة هذا تاجر وهذا طبيب وهذا مهندس، وهذا ميسور، وهذا فقير، وكلهم ينتمون لانتماء واحد جغرافي، أو ديني، أو طائفي، أو مذهبي.. إلخ.

والقول بأن أوروبا أرادت أن تتخلص من اليهود قول قاصر عن تفسير ما حدث ويحدث، فالواقع أن أكثر اليهود لا زالوا في أوروبا والولايات المتحدة، ولو كان الهدف هو التخلص منهم لفعلوا كما فعل هتلر بهم، أو كما فعلوا هم بالهنود الحمر، أو كما فعلوا هم بالكنيسة.

 ثالثًا: البعد عن النص القرآني:
تكمن المشكلة عند المسيري ومن قاربه في البعد عن النص القرآني والسنة النبوية، فلا تكاد تجد المسيري يستشهد بآية أو حديث، اللهم مرة أو مرتين حاول وتعزب عنه، وعامة ما يقدمه عبارة عن مقولات نقدية من سياق النقد الغربي للحداثة (المادية/ الإلحاد الصلب)، وكأنه إيمان عقلي، وتجاهل هذا الكم الكبير من الحديث عن يهود في كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم!!
والذي أفهمه أننا تحت سلطان الوحي. تلقينا من الله وحيًا ورسولًا بلغ النص وطبقه هو وصحابته. مربوطون بهذه التجربة الربانية التي ظهرت على صفحات الأيام ودُونت بأدق تفاصيلها. فكلما نزلت نازلة تأملناها جيدًا ثم رجعنا لنموذجنا الأول نستضيء بنوره، يقول الله تعالى: (فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاق فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ)(البقرة: 137).
ويمكن قبول هذا النهج في بعض التفاصيل أما في القضايا الكلية فإنه يؤسس لانحراف عن المنهج الصحيح (الكتاب والسنة).  

رابعًا: السياق الذي تحرك فيه المسيري:

تحول المسير من المادية الماركسية إلى السياق الإسلامي عن طريق النقد للظواهر والأفكار، والتحم، بقصد أو بدون قصد، مع المدارس النقدية الحديثة في الحضارة الغربية، وأهم ما يمكن رصده في سياق المسيري هو تبنيه لقضايا وهمية شغلتنا ولم تنفعنا بل نفعت الغرب، فقد أشعل حربًا على المادية الغربية (الإلحاد التام، أو الإلحاد الصلب هذا الذي لا يؤمن بإله ولا بغيبيات عمومًا)، مع أن هذا النوع من الإلحاد كان قد هزم في الغرب وظهر على أنقاده البعد القيمي في الحضارة الغربية، ولم يكن قد تمكن عندنا، ومع أننا لا نواجه إلحادًا صلبًا كالذي تحدثت به الماركسية وإنما نواجه إلحادًا "مؤمنًا"، فالملحدود عندنا من المنتسبين للديانات ويتجمع كثير منهم تحت شعار "مؤمنون بلا حدود".. ولذا تجد هؤلاء الملحدين يستشهدون بالمسيري ويثنون عليه خيرًا، وفي هذا السياق نَقَلَ المسيري مخرجات علي عزت بيجوفيتش وأعاد توطينه عندنا، وعزت بيجوفيتش خاض معركة مستحقة في وقته مع المادية الغربية ولكنها معركة انتهت قبل أن يبدأ المسيري ومعركة ليس لها سياق عندنا.

أحاول- من خلال مناقشة أفكار المسيري- وضع يدي على شيء أراه مهمًا، وهو تبني قضايا خارج سياق الزمان والمكان، قضايا تستهلك إمكانات الناس مع قليل من الفائدة، وهذا يمارسه الجميع وليس فقط المسيري، ومثلًا السلفيون مع "التشيع/ الرفض" . يستدعونه حينًا ويتركونه حينًا وحين تتأمل في السياق تجد أن تصدي السلفيين للرفض كثير منه استهلاك للوقت والقدرات وفي سياق سياسي يفيد منه المستبدون؛ ومثله الاهتمام الزائد ببعض الشعائر في الثياب ونحوه؛ وكذلك "التدبر" يأتي أحيانًا هروبًا من الواقع، وقد أتيت هذا المعنى من قبل بالتفصيل. فعملية الهروب من الواقع وتضخيم بعض القضايا عن حجمها الحقيقي ومحاولة إثبات الذات أو إنفاق فائض الوقت في شيء قليل الفائدة  كثير ومنتشر، وهو من مظاهر قلة البركة في الأوقات والأعمار. ومن أهم أسبابه غياب البعد التعبدي، فلو أن أحدنا علم أنه إما أن يقدم نافعًا أو يرجع لمصحفه ومسجده يناجي ربه ويصلح من شأن نفسه لارتحنا من كثير ممن لا ينفع، بل قد يضر.

خامسًا: أدوات الانتشار.
وجد المسيري مساحة لأنه توسط في أفكاره ومواقفه بين الصحوة الإسلامية والعلمانية والناس بطبيعتها تميل لمن يتوسط بين متصارعين. ووجد المسيري مساحةً لأنه تبنى أم القضايا الثائرة (فلسطين واحتلال بيت المقدس) وهي قضية جماهيريه، مثلت أحد أهم أدوات جذب الجماهير حتى عند الذين يقاتلون الداخل الإسلامي؛ ووجد مساحة لأنه استخدم لغة سهلة مليئة بالبشارة، فقد كان يبشر بزوال الكيان الصهيوني كما زال الكيان الغربي في جنوب أفريقيا، والناس يميلون لمن يبشرهم وإن كان يخالف الحقيقة فقلة قليلة من العقلاء هي التي تنظر في المآلات؛ ومن أسباب الانتشار أنه وقف وسطًا بين الدولة والمعارضين لها، فمن ناحية ارتبط بمؤسسات الدولة وكتب في أشهر صحفها (الأهرام)، ومن ناحية أخرى شارك المعارضة في بعض تحركاتها؛ ومن أسباب الانتشار ظهور إعلام خلط الأوراق في الساحة العربية، وهذا النوع من الإعلام أعطى مساحة للمعارضين للنظم المستبدة والكيان الصهيوني.
ومن أسباب الانتشار المهمة أن أطروحات المسيري عن وجود ثلاثة ظواهر مختلفة (يهود، ويهودية، وصهيونية) والدعوة لفصل اليهود عن الصهيونية وعن اليهودية نفسها، والدعوة للتعامل معهم على أنهم بشر في الوقت الذي يواجهون مقاومة متدينة (حماس، وأخواتها وحزب الله في لبنان) مثّلت دعمًا- بشكلٍ ما- لليهود ومن يناصرهم، فقد كانت أطروحة المسيري تعني بداهة نزع الصبغة الدينية عن الصراع مع يهود.

سادسًا: المعركة مع اليهود:

سوَّق الدكتور المسيري أفكاره على أنها تساعد في التخلص من الهزيمة النفسية التي لحقت المسلمين، وعلى أنه يبدد الاعتذاريات التي يقدمها المنهزمون أمام الكيان الصيهوني، أولئك الذين ينشرون "بروتوكولات حكماء صهيون" وأنهم أمام عدو لا يقهر.. عدوٍ يتحكم في العالم ويفعل ما يشاء؛ يقول أن الهدف من أطروحاته هو رد هؤلاء الذين يعتقدون أن اليهود يفعلون ما يشاءون. ولا أدري عمن يتحدث، فهذا الخصم الذي يستهدفه المسيري غير موجود عمليًا، أو منزوي لا يكاد يرى، فالواقع أن المصريين هزموا يهود في الاستنزاف وفي أوائل حرب أكتوبر 1973م، وانتصر عليهم الأردنيون في معركة الكرامة وانتصر عليهم من قاتلهم من السوريين في بداية حرب 1967م وحرب 1973 وانتصر عليهم من قاتلهم من لبنان، وانتصر عليهم رجال "حماس"، ولم يحجم أحد عن قتالهم بدعوى أنهم خارقون للعادة، لم تسوق البروتوكولات بهذه الدعاوى مطلقًا، وإنما سُوِّقت في إطار الحديث عن العلو الثاني لليهود وأن هزيمتهم قادمة على يد عبادٍ لله يقاتلونهم حتى يختبئون خلف الشجر والحجر فينطق الشجر والحجر ويدل على يهود. فكالعادة قضية وهمية لا تصب في مصلحة أحد.

سابعًا: أهمية التفاصيل:

هل أبغض المسيري؟، هل أرى أن أطروحات المسيري بلا فائدة؟
لا هذه ولا تلك، فالمسيري له مواقف ضد الاستبداد، وله غيره واضحة على الأمة، ولكنه مثل عامة "العصرانيين" حاول أن يبني سدًا في وجه الحضارة الغربية فأقام جسرًا عبر عليه الغربيون، ويتنادون الآن- في أبحاثهم- لتطوير أطروحات المسيري من أجل دفع الصحوة الإسلامية لتبني قيم الحداثة، وهذا ما دفعني للبدء في تقديم رؤية نقدية لأطروحات المسيري تثقيفًا لعامة المهتمين بالتجديد الديني وقطعًا للطريق على الحداثة وأهلها.
أقول، في نفسي،: لو أنه فتح المصحف وراح يتدبر ما أرسل الله به محمدًا، صلى الله عليه وسلم، لشفي صدره في ساعاتٍ قليله، ولربما جلس في ظلال القرآن الكريم كما جلس مصطفى محمود والشعراوي (وقد كان سياسيًا وفديًا، وغيرهما!
وللمسيري فضل على غيره، وهو الاهتمام بالتفاصيل، فعامة الحضور لا يهتمون بإقامة مشروع فكري دعوي، جلهم متعجل، فالداء الدوي الآن هو العجلة، وجل التفاصيل التي يقدمها المسيري في كتاباته حميده، فالنكير على القضايا الكلية، وكثير من تفاصيله تستطيع الإفادة منها،  وقد شرحت من قبل كيف استفدت منه_ وغيره- في فهم التكرار في القرآن الكريم [انظر مقال: التكرار في القرآن الكريم للكاتب].

محمد جلال القصاص

  • 22
  • 0
  • 1,616

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً