الطريق إلى الحرب الأهلية في أمريكا

منذ 2021-01-13
الطريق إلى الحرب الأهلية في أمريكا

"بدأت حياتي الصحافية مُغطيا للحرب الأهلية في لبنان عام 1975، وآمل ألا أنهيها مغطيا للحرب الأهلية الوشيكة في الولايات المتحدة"

هذا ما قاله توماس فريدمان الكاتب المعروف والصحفي والمحلل الأمريكي في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية قبل ما يقرب من أربعة شهور، في حديث له مع القناة التلفزيونية الأمريكية سي إن إن.

واستند فريدمان حينها في موقفه إلى غموض موقف رئيس البلاد دونالد ترامب بشأن تسليم السلطة، والذي أثار مخاوف من عدم قبوله بنتائج الانتخابات الرئاسية، والتي جرت في الثالث من نوفمبر الماضي في حال هزيمته أمام خصمه الديمقراطي جو بايدن، وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى عدم تسليمه السلطة للفائز والتسبب في أزمة سياسية خطيرة للبلاد قد تؤول إلى فوضى مسلحة، واستند فريدمان في توقعاته في أن ما شاهده في الولايات المتحدة مؤخراً يشبه كثيراً ما شاهده في لبنان قبل نشوب الحرب الأهلية على حد قوله.

والأسبوع الماضي بدت توقعات فريدمان أقرب إلى الواقع، عندما هاجم موالون لترامب مبنى الكونجرس الأمريكي، أثناء جلسة التصديق على اختيارات المجمع الانتخابي واعتماد فوز بايدن بمنصب الرئاسة الأمريكية.

ففي يوم الأربعاء السادس من يناير الماضي اقتحمت حشود من أنصار الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب، مبنى الكابيتول الكونجرس، فيما لم تستطع قوات الأمن التصدي للأعداد الغفيرة التي انطلقت نحو الأبواب الرئيسة واخذت تتجول في المبني، وألحقت الأضرار به، وقبل الاقتحام أخلت قوات الأمن مجلس النواب الأمريكي من النواب، في مشهد لم تشهده أمريكا من قبل.

لقد اثبتت هذه الأحداث حجم التحديات التي باتت تواجه النظام السياسي الأمريكي كله، وليس فقط إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن، فالانقسامات والتصدعات السياسية التي أفرزتها نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فاقت كل التوقعات.

وبات التساؤل الملح هو هل الولايات المتحدة على وشك انقسام بالفعل يؤدي إلى حرب أهلية كما يتوقع كثيرون؟

أولا لابد من إدراك أنه هناك انقسام فكري بالفعل ليس بين النخب السياسية وحسب بل داخل المجتمع الأمريكي نفسه:

التيار اليساري:

وقد برز بصفة خاصة منذ عدة شهور إثر اندلاع المظاهرات بعد مقتل الأمريكي ذي الأصول الإفريقية من قِبَل الشرطة الأمريكية؛ وقد دأب الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) على وصف مَن يؤجج مشاعر الجماهير ضد النظام السياسي الأمريكي بأنهم ينتمون إلى الجماعات اليسارية الأمريكية وعلى رأسهم منظمة (أنتيفا) التي ذكرها ترامب بالاسم عدة مرات.

فمن بين الاتجاهات اليسارية العالمية يبرز تأثير التيار (اللاسلطوي) وتيار الاشتراكيين الديمقراطيين وتجلياتهما الحركية باعتبارهما تيارين لهما أبعاد سياسية في الحياة الأمريكية.

وبالرغـم مـن أنه تم تأسيس الحزب الاشتراكي الأمريكي عام 1905م، وحزب العمال الأمريكي بعده، فإن هذه الأحزاب نُبذَت جماهيريّاً، ولكن الفكر اليساري بدأ يتوغل في المجتمع الأمريكي تدريجياً مرة أخرى معتمداً على عدة عوامل، منها: مآسي الرأسمالية، ومنها أيضا التمييز العنصري ضد الأقليات عموماً وضد السود بصفة خاصة، ومما يساعد على انتشار الفكر اليساري داخل المجتمع الأمريكي هو رد الفعل على ممارسات اليمين الأمريكي المتطرف.

اليمين الأمريكي:

وعلى رأس هؤلاء: الإنجيليون، وكلمة (إنجيلي) ترجمة عربية شائعة لمصطلح (إيفانجيليكل) ويُقصَد بها في الولايات المتحدة كل الطـوائف النصرانية البروتستانتية التي تميزت عن البروتستانت التقليديين بعدد من المعتقدات، أبرزها: إيمانها بمفهوم (الولادة الثانية) أو (ولادة الروح)، كما يؤمنون بعودة اليهود إلى فلسطين وإقامتهم دولة هناك، ويشكلون ما يقرب من 25% من الناخبين الأمريكيين، بعدد يقترب من 64 مليون أمريكي حسب ما يقول موقع أكسيوس، والذين صوَّت أغلبهم، وبنسبة ساحقة ناهزت 81%، لصالح ترامب في انتخابات عام 2016م.

وقد كشف استطلاع رأي حديث أجراه (المعهد العام لأبحاث الديانة) أن 77% من الجمهوريين الإنجيليين البيض راضون عن أداء ترامب في البيت الأبيض، ويبدو هؤلاء الإنجيليون أكثر وحدة عندما يتعلق الأمر بالاتهامات الموجهة إلى ترامب باستغلال صلاحياته، وتؤكد أغلبية ساحقة بنسبة تقترب من 98% من هؤلاء أنها تعارض عزله.

ولكي نكشف عن مدى تأييد هذه الطائفة لترامب يجب معرفة حجم تأييد تلك الطائفة للرؤساء السابقين، ففي حين حصل (جورج بوش الابن) على 78% من أصوات أتباع الطائفة، في انتخـابات عـام 2004م، و (جون ماكين) على 74% في انتخابات عام 2008م، و (ميت رومني) على 78% في عام 2012م؛ فإن ترامب حصل على 81%.

ولكن الانقسام الفكري لا يعتبر حربا أهلية إلا إذا لجأ أصحاب الفرق الفكرية إلى الاحتكام إلى العنف المادي والسلاح بدلا من ترك آليات السياسة لتحسم من يصل للحكم والسلطة لتطبيق القناعات الفكرية المختلف عليها.

وهنا نجد أن حركة أنتيفا الممثلة للتيار اليساري اللاسلطوي لها أبعاد عنيفة، وقد بدأت الحركة بتنظيم كوادرها ضد النـازيين الجدد في الولايات المتحدة، أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي، وخاصة في منطقة الغرب الأوسط، ومرت بحالة ركود منذ بداية العقد الأول من القرن الحالي ثم ظهرت مرة أخرى بعد انتخاب ترامب عام 2017م.

وتقوم استراتيجية الحركة على رفض اللجوء إلى الشرطة أو الدولة لوقف زحف فكرة تفوُّق البيض، وبدلًا من ذلك يدعون إلى المعارضة الشعبية للفاشية كما يقول مارك براي، المؤرخ بكلية دارتموث، ومؤلف كتاب (أنتيفا: دليل مناهضة الفاشية)، وتدعو الحركة الجماهير إلى النزول للشوارع وتنظيم احتجاجات ضد الحركات التي تصفها باليمين أو العنصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ورغم أن خطاب أنتيفا الرسمي يشدد على مناهضة العنف، إلا أن أعضاء في الحركة يقولون إنهم يعتبرون العنف والأسلحة ضروريين للدفاع عن النفس، بحسب أحاديث لهم مع وسائل إعلام، منها (سي إن إن) و (بي بي سي).

أما اليمين المتطرف الأمريكي فتشكل المجموعات المسلحة داخله جزء كبيرا من تجلياته والتي أصبحت ترمي بظلالها على المشهد الأمريكي منذ وقت طويل، وبحسب الشرطة الفيدرالية باتت التهديد الإرهابي الأول في عهد دونالد ترامب.

وقد تم توقيف 13 رجلا كانوا يخططون لخطف حاكمة ميشيغان الديمقراطية وبدء حرب أهلية قبل أسابيع من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ومع وصول دونالد ترامب إلى السلطة، ظهرت تلك المجموعات بمشاركة مناصريها في تجمع لليمين المتطرف في شارلوتسفيل في فرجينيا عام 2017، ثم بمشاركتهم أيضا في المظاهرات المناهضة للقيود الهادفة لاحتواء فيروس كورونا المستجد خلال الربيع.

وأثناء الانتخابات الأمريكية قال زعيم ما يسمى حراس القسم، ستيورات رودز، وهي جماعة يمينية متطرفة لصحيفة محلية في لوس أنجلوس، إن أعضاء جماعته سيخرجون يوم الانتخابات من أجل حماية الأشخاص الذين سيدلون بأصواتهم، وأضاف أن بعض أعضاء هذه الجماعة سيحملون أسلحة خفيفة، بينما قالت مجموعة فرعية من جماعة كيو أنون المتطرفة التي تتبنى وجود نظرية المؤامرة ضد الرئيس دونالد ترامب، إن هناك أشخاصا وطنيين يستعدون للخروج مسلحين يوم الانتخابات، وأعلنت المجموعة عن الأمر في رسالة نشرت على تطبيق تيليجرام للتواصل الفوري.

وقد كشفت أولى حالات الاعتقال بين مقتحمي الكونغرس الأميركي من جمهوريين ومعتقدي نظرية المؤامرة أنهم كانوا مدججين بالسلاح، وتقول صحيفة ليبراسون الفرنسية، إن فريق الكوماندوز الذي اقتحم مبنى الكابيتول في السادس من يناير الجاري لم يقم بالرحلة إلى واشنطن خالي الوفاض، بل عثر بحوزة عناصره على بنادق هجومية ومسدسات وذخيرة في غرف الفنادق التي ينزلون بها.

وفي بيان صدر أمس لمكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي إف بي آي، أكد فيه أنه يمتلك معلومات عن تحذير وجّهته مجموعة مسلحة بتنظيم انتفاضة ضخمة إذا وافق الكونغرس على تفعيل التعديل الـ25 من الدستور لعزل الرئيس دونالد ترامب قبل انتهاء ولايته يوم 20 يناير الجاري.

ووفق المعلومات التي نشرتها شبكة إيه بي سي نقلا عن مكتب التحقيقات الفدرالي، فإن هذه المجموعة تخطط للتوجه إلى واشنطن يوم 16 من الشهر الجاري، وتحرض على اقتحام المحاكم ومقار فدرالية في حال عزل ترامب قبل يوم تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن.

ولكن وسط هذه التهديدات وفي خضم الأجواء المشتعلة في الولايات المتحدة فإن هناك من يرى أن ما يجري هو سمة للمجتمع الأمريكي منذ نشأته.

ومن هؤلاء عالم الاجتماع والمؤرخ العسكري الروسي سيرغي بيرسليغين، حيث يرى أن الأمور بالنسبة للولايات المتحدة ليست مأساوية إلى هذه الدرجة. خاصة وأن شيئا من هذا القبيل حدث من قبل، بل أكثر من مرة، فالتاريخ الأمريكي أشبه بـ محرك حراري اجتماعي وهو ذو طبيعة دورية، تستمر الدورة حوالي 80 عاما، وتتكون من فترة من عدم الاستقرار (20 عاما)، ثم أزمة حادة مع حرب أهلية (4-5 سنوات)، فحقبة إعادة الإعمار، حيث ينشر المنتصر نظامه في جميع أنحاء البلاد (15 عاما)، ثم دورة من التنمية المستدامة (40 سنة).

لذلك يرى بيرسليغين أن هناك دورة جديدة قد بدأت في عام 2001 مع البرجين التوأمين.. وقد تطلّب انتقال الأزمة إلى طور حاد وصول رئيس عديم الشعور بالمسؤولية إلى السلطة، فهو انتخب في العام 2016، وهو شخص يعتبر موقفه أهم من الاتفاقات السياسية واستقرار البلاد، وقد كان أبرز رؤساء الولايات المتحدة مثل جورج واشنطن ولينكولن وروزفلت من هذا النمط (على الرغم من أن روزفلت لم يوصل الأمور إلى حرب أهلية، إنما اكتفى بحرب عالمية).

ويستمر بيرسليغين فيقول إنه خلال هذه الأزمة سيموت الدولار وأصول الإنتاج الضخمة ويُقتل البشر. لكن خلال فترة إعادة الإعمار، ستصبح أمريكا أقوى بكثير مما كانت عليه في نهاية الدورة السابقة. وربما ستحدد لنفسها هدف التوسع نحو المريخ.

____________________________

 

الكاتب: حسن الرشيدي

  • 0
  • 0
  • 396

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً