معركة أحد

منذ 2021-03-28

وتسبر المعركة أغوار النفس البشرية؛ فمع أن المؤمنين قد خرجوا للموت، فقد التفت بعضهم للغنائم، حتى نزلت: " {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} "

تلوح يد القدر بحكمتها البالغة وسننها الكونية، في آفاق المعركة الفكرية وساحاتها الحربية. كما يجول الحديث في أغوار النفس البشرية وصراعها مع هواجسها، وخلجاتها، وشهواتها، فيكشف حقيقة هذه النفس، ويصحح أفكارها، ويقوّم رغباتها. فلا فرق بين معركة النفس ومعركة السيف والرمح! فهما معركة واحدة!

كان لا بدّ من هذه "المصيبة"؛ حتى يخرج المنافقون من جحورهم، بعد أن أذهلهم انتصار بدر، وفاجأهم، وقرروا بعده التدثر بالنفاق، فيمتازوا عن المؤمنين ويظهروا على حقيقتهم! " {وليعلم المؤمنين } {وليعلم الذين نافقوا} ... {حتى يميز الخبيث من الطيب} ".

وتتخلل آيات الربا، وتقوى الله، وطاعة الرسول، والمسارعة للمغفرة والإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ والعفو عن الناس، والإحسان، آيات المعركة! ولم لا، وهي تنطق بمقومات النصر في هذه المعركة، وفي كل معركة؟

فمجيء هذه الآيات وسط آيات المعركة، يدلّنا على أن هذه الآيات هي قلب المعركة، وهي حقيقتها!

وكما جلّت المعركة مقومات النصر، فقد جسدت مقومات الهزيمة:

  • فهزيمة المؤمنين تجيء من عند أنفسهم: " {قل هو من عند أنفسكم} "
  • كما تجيء الهزيمة باستزلال الشيطان: " {إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} "
  • وتجيء الهزيمة بالتنازع والعصيان: " {فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم} "
  • وتجيء الهزيمة من إرادة الدنيا: " {منكم من يريد الدنيا} "

وكما تعرّي المعركة حقيقة المنافقين، فإنها تكشف عن معدن المؤمنين النفيس الذي يستحق النصر. فالمؤمنون لا يريدون الدنيا، وهم " {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} " وهم " {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}  

وأما المنافقون، فهم في كل زمان ومكان! ولا يكون المنافقون إلا متظاهرين بالمظهر الإسلامي، والزي الإسلامي، والحديث الإسلامي، وإذا رأيت مظهرهم أو سمعت حديثهم، أعجبت بهم! لكنهم مع ذلك منافقون! وما أكثرهم حولنا في كل زمان ومكان! فمن اعتاد الكذب، وخلف الوعد، وخيانة الأمانة، وأتى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، فهو من المنافقين!

وتسبر المعركة أغوار النفس البشرية؛ فمع أن المؤمنين قد خرجوا للموت، فقد التفت بعضهم للغنائم، حتى نزلت: " {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} "

ومع أن المؤمنين خرجوا للآخرة، ورغبوا في ثوابها، فقد نزلت: " {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا. ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} "، بل استلزم الأمر تخويفهم من طاعة الكافرين، حتى لا ينقلبوا خاسرين!

وبعد، فإن معركة أحد تجسيد وإثبات لسنن الكون ونواميسه التي لا تتخلف! وتدعونا إلى التأمل في هذه السنن واتباعها! فهي لا تتحول، ولا تتبدل، ولا تحابي! فسنن الكون تقضي بأن نصر المؤمنين لا يكون إلا من عند الله، وأن الله يميز المؤمنين من المنافقين بالشدة، والمحنة، والابتلاء تلو الابتلاء! فمن صبر، فله النصر، ومن فشل، لا يستحق.

هاني مراد

كاتب إسلامي، ومراجع لغة عربية، ومترجم لغة إنجليزية.

  • 1
  • 0
  • 482

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً