استفت قلبك في غير الحلال البين والحرام البين .

منذ 2021-03-30

هو أن الحديث عام في كل مؤمن تحقق بنور الإيمان وترقي في مراتب التقي والعرفان إذا واجه أمرا يشتبه في جوازه ولم يجد فيه قولا لأحد يثق به أن يستفت قلبه ..

عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْأَسَدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا أَدَعَ شَيْئًا مِنَ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَفْتُونَهُ، فَجَعَلْتُ أَتَخَطَّاهُمْ، فَقَالُوا: إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فُقُلْتُ: دَعُونِي فَأَدْنُوَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ قَالَ: " دَعُوا وَابِصَةَ، ادْنُ يَا وَابِصَةُ " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: " يَا وَابِصَةُ أُخْبِرُكَ أَمْ تَسْأَلُنِي ؟ " قُلْتُ: لَا، بَلْ أَخْبِرْنِي، فَقَالَ: " جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ " فَقَالَ: نَعَمْ، فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِنَّ فِي صَدْرِي، وَيَقُولُ: " يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، " الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ "أخرجه أحمد (18028)، والدارمي (2533)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (2139)

أيها الإخوة الكرام في مستهل هذا اللقاء أود أن أقول :

إن الإنسان هو أعقد آلة خلقها الله سبحانه وتعالي شحن الله تعالي الإنسان بدلائل الإعجاز والآية الدقيقة في ذلك تقول : "وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ "

الإنسان صنعة الله تعالي :

أودع الله فيه ملكات أودع الله فيه موهب وشهوات ورغبت وحاجات وآيات وآيات ..

الإنسان آلة ..

صنعها العليم الحكيم سبحانه وتعالي .. لا يملك الإنسان في هذه الدنيا راحة ولا نصيب له من السعادة لا أن يتبع تعليمات الصانع الحكيم سبحانه وتعالي

" {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} "

" {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى } "

أودع الله في الإنسان شهوات ورغبات :

أعلاها وأقواها في الغالب حب التملك حب المال والزوج والولد " { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } "

الأمر الدقيق في هذه المسألة :

هو أن الصانع الحكيم سبحانه وتعالي جعل لكل شهوة من الشهوات التي أودعها الله فينا مساحة مسموح بها , ما من شهوة من الشهوات التي ركبها الله فينا إلا جعل الله لها قناة شرعية نظيفة طاهرة تسري خلالها ويرتجي من وراءها أجر ..

قال النبي عليه الصلاة والسلام " «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةً " قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ يَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ، أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ وَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ، كَانَ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ » "

وعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: ( «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلَّم رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ , لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: " وَمَا سَبِيلُ اللهِ إِلَّا مَنْ قَتَلَ؟ إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا , فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ , فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا , فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى رِيَاءً وَتَفَاخُرًا , فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ» "

أيها الإخوة الكرام :ليس في السلام حرمان الدنيا كلها مبذولة ميسورة للمسلم في ظل الإسلام ..

شهوة النساء والبنين طريقها الحلال واضح ومعروف وفيه أجر شهوة المال والقوة طريقها الحلال واضح ومعروف وفيه أجر .

الحلال هو : ما تحلو به النفس وما تسعد به ومعه أنت بأمان .. الحلال يدخل علي البيوت بالفرح والسرور والحبور ..

أما الحرام فهو : ما يحرم النفس من السعادة ويحرم القلب من الراحة ومعه الحرام الإنسان خائف قلق .. الحلام يدخل علي البيوت بالهم والغم والخزي ..

ومن دلائل رحمة الله تعالي :

أن جعل الحلال واضحا لكل ذي عينين ولكل ذي فطرة سليمة , وجعل الحرام واضحا لكل ذي عينين ولكل ذي فطرة سليمة..

فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « «الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ، كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ، أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ» »

من أجل أن يكون الحلال بينا واضحا :

وضوح الشمس أرسل الله الرسل وأنزل الوحي من السماء , ومن أجل أن يكون الحرام واضحا وضوح الشمس أرسل الله الرسل وأنزل الوحي من السماء ..

فطر الله الإنسان السوي على محبة الحلال والأنس به , وفطر الله الإنسان على كره الحرام والتأفف منه " { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} "

أيها الإخوة الكرام بقي لنا في الختام أن نقول :

هل لنا أن نستفي قلوبنا في الحلال والحرام ؟

النبي صلي الله عليه وسلم يقول :" «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ .. قالها " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثم قال:" الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» "

ورد أن هذا الحديث أصل من أصول الورع وباب واسع من أبواب ترك الشبهات .. ثم إن الحديث ليس معناه أن يكون مدار معرفة الأحكام الشرعية وتمييز الصحيح فيها علي مجرد التذوق النفسي أو الشعور القلبي فالقلوب تتقلب والفطر تتبدل وتتدنس ..

" اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ .. قالها " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثم قال:" الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ "

للعلماء في هذا الحديث مسلكان :

المسلك الأول :

أن هذا الحديث خاص بصاحب الوقعة ( وابصة بن معبد ) دون غيره فهي واقعة عين لا عموم لها بدليل قوله عليه الصلاة والسلام " يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ "وقد خصه به النبي لما عرف من حاله , ولم يقل الرسول استفتوا قلوبكم..

قال الغزالي في إحياء علوم الدين "لم يرد عليه السلام كل أحد إلى فتوى القلب وإنما قال ذلك لوابصة لما كان قد عرف من حاله".

المسلك الثاني :

هو أن الحديث عام في كل مؤمن تحقق بنور الإيمان وترقي في مراتب التقي والعرفان إذا واجه أمرا يشتبه في جوازه ولم يجد فيه قولا لأحد يثق به أن يستفت قلبه ..

قال حافظ ابن رجب الحنبلي وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَا عَمَّنْ يُقْتَدَى بِقَوْلِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ، فَإِذَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ الْمُطْمَئِنِّ قَلْبُهُ بِالْإِيمَانِ، الْمُنْشَرِحِ صَدْرُهُ بِنُورِ الْمَعْرِفَةِ وَالْيَقِينِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَحَكَّ فِي صَدْرِهِ لِشُبْهَةٍ مَوْجُودَةٍ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُفْتِي فِيهِ بِالرُّخْصَةِ إِلَّا مَنْ يُخْبِرُ عَنْ رَأْيِهِ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُوثَقُ بِعِلْمِهِ وَبِدِينِهِ، بَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى، فَهُنَا يَرْجِعُ الْمُؤْمِنُ إِلَى مَا حَكَّ فِي صَدْرِهِ، وَإِنْ أَفْتَاهُ هَؤُلَاءِ الْمُفْتُونَ.

وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلِ هَذَا، أَيْضًا قَالَ الْمَرْوَزِيُّ فِي " كِتَابِ الْوَرَعِ " قُلْتُ: لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِنَّ الْقَطِيعَةَ أَرْفَقُ بِي مِنْ سَائِرِ الْأَسْوَاقِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِي مِنْ أَمْرِهَا شَيْءٌ، فَقَالَ: أَمْرُهَا أَمْرٌ قَذِرٌ مُتَلَوِّثٌ، قُلْتُ: فَتَكْرَهُ الْعَمَلَ فِيهَا؟ قَالَ: دَعْ ذَا عَنْكَ إِنْ كَانَ لَا يَقَعُ فِي قَلْبِكَ شَيْءٌ، قُلْتُ: قَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِي مِنْهَا، فَقَالَ: قَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ: الْإِثْمُ حَوَازُّ الْقُلُوبِ. قُلْتُ: إِنَّمَا هَذَا عَلَى الْمُشَاوَرَةِ؟ قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ يَقَعُ فِي قَلْبِكَ؟ قُلْتُ: قَدِ اضْطَرَبَ عَلَيَّ قَلْبِي، قَالَ: الْإِثْمُ هُوَ حَوَازُّ الْقُلُوبِ.

ولهذا لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم تمرة، رآها في الطريق فلم يأكلها وقال:  «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها» 

وهذا يدخل في هذا الحديث: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) .

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان لأبي بكرٍ الصديق رضي الله عنهُ، غلام يخرجُ لهُ الخرج وكان أبو بكرٍ يأكلُ من خراجه، فجاء يوماً بشيءٍ، فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: تدري ما هذا؟ فقال ابو بكرٍ؟ وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسانٍ في الجاهلية وما أحسنُ الكهانةَ إلا أني خدعتهُ، فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منهُ، فأدخل أبو بكرٍ يده فقاء كلَّ شيءٍ في بطنهِ ..

والله تعالي أعلي وأعلم .

محمد سيد حسين عبد الواحد

إمام وخطيب ومدرس أول.

  • 4
  • 1
  • 372

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً