شرح حديث: ذهب المفطرون اليوم بالأجر

منذ 2021-04-25

سقط الصوام، أي ضعف الصوام وسقطوا في الأرض للراحة من شدة الإعياء، أما المفطرون: فضربوا الأبنية أي الخيام، وسقوا الركاب أي الإبل، فعلى إثر هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر».

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

 

متن الحديث:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فمنا الصائم، ومنا المفطر قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار، وأكثرنا ظلاً: صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصُّوام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر».

 

 

الشرح: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم عليهما رحمة الله تعالى.

وموضوع هذا الحديث: حكم الفطر في السفر للمصلحة.

 

وأنس رضي الله عنه ذكر أنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، وفي يوم حار وشديد الحرارة، ولعل هذا السفر والله تعالى أعلم سفر غزوة الفتح كما يقول أهل العلم، وفيهم الصائم وفيهم المفطر، قال: فسقط الصوام، أي ضعف الصوام وسقطوا في الأرض للراحة من شدة الإعياء، أما المفطرون: فضربوا الأبنية أي الخيام، وسقوا الركاب أي الإبل، فعلى إثر هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر».

 

وقول أنس رضي الله عنه: "فمنا الصائم، ومنا المفطر"، هذا كما تقدم في حديثه السالف أنه قال: "لم يعب على المفطر، ولا المفطر على الصائم"، فالمفطر لا يعيب على الصائم في السفر، والصائم لا يعيب على المفطر في السفر، فالكل على خير، ولكن هذا يدل على أفضلية الفطر في السفر لا سيما عند التعب والمشقة وشدة الحر، فإنه أولى من الصوم، وينبغي للإنسان أن يأخذ بالرخصة في مثل هذا وأن يقبلها، فالله جل وعلا يقول: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، وقال عليه الصلاة والسلام كما مر معنا: «ليس من البر الصيام في السفر» أي ليس من البر الكامل أن يصوم الإنسان في السفر.

 

فهذا الحديث يدل على مثل هذه الفوائد التي تفيد الإنسان في هكذا حاله، فالفطر جائز، والصوم أيضاً جائز للمسافر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر هؤلاء وأقر هؤلاء.

 

ومن الفوائد: أن الفطر أفضل من الصيام إذا كان في ذلك مصلحة وفائدة، وإذا كان فيه إعانة على ملاقاة الأعداء والتقوى على الجهاد، فإن فائدة الفطر هنا تتعدى إلى أمر أهم وأعظم، لكن الإنسان إذا صام كانت الفائدة لنفسه، أما ما يتعلق بالمصلحة مثل: الجهاد وغيره، فلا شك أن الفطر أفضل في هذه الحال.

 

ومن الفوائد: بيان فضل خدمة الإخوان والأهل والخلان خاصة في السفر، لأن هذا من الرجولة، ومن المروءة التي سبقنا فيها خيار هذه الأمة صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، خلافاً لبعض المتكبرين الذين يترفعون عن هذا الباب، فلاشك أن الناس إذا كانوا في شدة أو كانوا في سفر، ينبغي على الإنسان أن يعين كبار السن، وأن يعين من يحتاج إلى الإعانة، وأن يساهم وأن يبذل وأن يتعاون مع البقية.

 

ومن الفوائد: فعل الأسباب، وأنه لا ينافي التوكل على الله عز وجل، فإن الصحابة توقوا من الشمس، قال: "ومنا من يتقي الشمس بيده" ففعل الأسباب لا ينافي التوكل على الله عز وجل، بل الشريعة جاءت بالأخذ بالأسباب كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

 

ومن الفوائد في هذا الحديث الشريف: أن أجر العامل بقدر عمله، وكلما كان النفع متعدياً كان أكثر للأجر لارتباطه بمصالح الناس ومصالح المسلمين.

 

و«ذهب المفطرون بالأجر» كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يعني بأجر يزيد على أجر الصائم.

 

وأيضاً: الإسلام حث على العمل وعدم الاتكالية، وأن يتطلع المرء إلى خدمة الآخرين أو يتطلع إلى كفايته من الناس دون أن يبذل جهداً.

 

ومن الفوائد الجميلة في محاسن دين الإسلام: أن هذا الدين دين شمولية وكمال وأخلاق، فالصحابة رضي الله عنهم لما بنوا الخيام التي هي الأبنية التي هي الخيام لم ينسوا الإبل والدواب من السقي والإطعام، ولذلك لما بنوا الأبنية -وهي البيوت التي تنصب وتنزع في السفر- لم ينسوا الركائب ولم ينسوا الحيوانات، وهذا يدل على حقوق الحيوان في الإسلام.

 

أيضاً هؤلاء المفطرون من الصحابة رضي الله عنهم: فعلوا هذا الفعل، وقدموا الإحسان، وخدموا الإخوان دون استشراف أو تطلع للمكافئة أو لشيء آخر، فلذلك استحقوا هذا المدح «ذهب المفطرون اليوم بالأجر».

 

ومن الفوائد التربوية: مشروعية الثناء والتشجيع على الأعمال الصالحة، والنافعة التي تنفع المجتمع وتنفع الناس لأن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى عليهم فقال: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» صلوات الله وسلامه عليه، ورضي الله عن هؤلاء الصحابة أجمعين.

 

ومن الفوائد التي يستفيد منها طالب العلم: أن الأخذ بالرخصة قد يكون أفضل من الأخذ بالعزيمة كما في هذا الحديث، فالصوم عزيمة والفطر رخصة.

 

فنأخذ من هذا: جواز الإفطار والصيام في السفر، هؤلاء أخذوا بالرخصة وهؤلاء أخذوا بالعزيمة، والنبي صلى الله عليه وسلم أقرهم.

 

وأيضاً: أن الفطر في السفر أفضل إذا كان هناك مشقة، وإذا كان هناك مصلحة كما في هذا الحديث الشريف.

 

 

نسأل الله للجميع العلم النافع، والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

  • 5
  • 0
  • 1,586

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً