دروس مستفادة من يوم أحد

منذ 2021-05-31

هل أتوا بسبب أنهم اختاروا أن يخرجوا للمشركين عند أحد، أم أنهم أتوا من قبل المخالفة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

أيها الإخوة الكرام :إن هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس, أمة تكفل الله تعالي بألا تهزم ولا تغلب، وأن تبقى ظاهرة على الأمم كلها ما ابتغت إلى الله سبيلاً، وما سارت على طريق نبيها وطريق أصحابه، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا على خطاهم سائرين.

عنوان هذا اللقاء هو : دروس مستفادة من يوم أحد :

بعد أن أفلت النصر من المسلمين يوم أحد وقتل منهم من قتل وجرح منهم من جرح قال الله للمسلمين هذه الكلمة { {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا} }يومها سن الله للمؤمنين قانونا واشترط عليهم شرطا فقال{ {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} } أي: بشرط أن تكونوا مؤمنين .

فبالإيمان تُنال العزة والنصر والتمكين، وبالإيمان يكون الثبات، وبالإيمان تُنال ولاية الله جل في علاه، فلا عزة إلا بالإيمان، ولا علو ولا نصر إلا بالإيمان ( {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} )

إن كان النصر قد أفلت من بين أيديكم في يوم أحد وإن كنتم قد أُصبتم وتألمتم وأصابكم قرح { {فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} } يعني: في يوم بدر، قال الله { {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} }

حالفكم النصر يوم بدر لحكم إلهية ربانية عظيمة وأفلت النصر منكم وفُعلت بكم الأفاعيل في يوم أحد أيضا لحكم إلهية ربانية عظيمة ..

منها: أن يميز الله الخبيث من الطيب, ومنها أنك لن تُقدِّر قيمة النصر إلا إذا تجرعت طعم الهزيمة, ومنها أن الله تعالي اختار من المسلمين شهداء, ومنها أن الله تعالي أراد أن يدخل المؤمنين الجنة..

{ {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} }.

قلت: وأعظم الدروس المستفادة من معاناة المسلمين يوم أحد

أن تعلم الأمة من أقصاها إلى أدناها أن النصر ليس فقط في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقد يأتي النصر في حياته وقد لا يأتي النصر والرسول بين أصحابه حي يرزق بسبب حب الدنيا والاغترار بها والتكاثر بالمال والعدد ..

وقد يأتي النصر بعد وفاة رسول الله حال بقاء سنته حيّة, وقد لا يأت النصر بعد وفاة رسول الله بسبب فساد القلوب وخراب الذمم { {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} }

حالف النصر المسلمين يوم بدر لأن الصف كان واحداً، وكانت الكلمة واحدة، ولأنهم كانوا علي قلب رجل واحد (والّذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ) وفوق هذا كانت النوايا صالحة، ولم تدخل الدنيا في القلوب فانتصرت القلة القليلة، لكن في يوم أحد اختلف الأمر تماماً تعددت الآراء وتنازع الناس ولم تكن الكلمة واحدة, وشق المنافقون وحدة الصف وانسحبوا ورجعوا من منتصف الطريق وجعل الرجل يحدث نفسه بالغنائم قبل أن يُحدثها عن نُصرة الحق قال الله تعالي (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ)

كان النبي قد استوقف علي الجبل خمسين راميا وقال:إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم ..

قلت : فكان النصر حليف المسلمين أول الأمر عند الالتزام وعند السمع والطاعة, فلما رأى الرماة الغنائم علي صعيد أحد خالفوا أمر رسول الله ونزلوا عن الجبل يلملمون الغنائم فانكشف ظهر المسلمين ودارت الدائرة عليهم فانهزموا وقُتِّلوا تقتيلا قال أحد الصحابة: ما كنت أعلم أن منا من يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ)

نسأل الله تعالي أن يجعل الدنيا في أيدينا وليست في قلوبنا إنه ولي ذلك ..

الخطبة الثانية :

بقي لنا في ختام الحديث أن نقول : إن من أجل الفوائد المستفادة من أحداث يوم أحد بيان (فقه التعامل مع الآراء المختلفة) ..

في قضية من القضايا تتعدد الآراء أنا أرى رأيا وأنت ترى رأيا وغيرنا يرى رأيا آخر ونحسب أن النوايا كلها خالصة لا تريد إلا الخير للجميع .. في النهاية سيقع الاختيار علي أحد هذه الآراء وقد لا يكون هذا الرأي موفقا وقد يتبين فيما بعد أن رأيا آخر كان أولي منه وقد تترتب عليه بعض الخسائر ..

قلت: وهذا ما حدث في يوم أحد ..

استشار النبي أصحابه فمنهم من قال نبقي بالمدينة حتي يدخلها علينا المشركون فنهزمهم بها, ومنهم من قال بل نخرج إليهم فنلقاهم عند أحد .. رأيان مختلفان ولكل رأي وجاهته واختار النبي من الرأيين أن يخرج ليكون اللقاء عند أحد ولم يكن هذا الرأي موفقا وكانت عاقبته مؤلمة في حق النبي وفي حق المسلمين لكن قدر الله وما شاء فعل ..

الفائدة : أن الله تعالي لم يعتب علي أصحاب هذا الرأي لأنهم اجتهدوا فلهم أجر اجتهادهم ..

والسؤال يقول : من أين أُتي الناس في يوم أحد؟

هل أتوا بسبب أنهم اختاروا أن يخرجوا للمشركين عند أحد، أم أنهم أتوا من قبل المخالفة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قطعا أنهم أتوا بسبب حب الدنيا وبسبب المخالفة لأمر رسول الله ولذلك لم يعاتب النبي الذين أشاروا عليه بالخروج ولم يقل: أنتم السبب، وإنما عاتب الرماة الذين تركوا أماكنهم وكشفوا ظهور المسلمين، وعاتب من أرادوا الدنيا كما قال الله { {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ} }

هذا الذي ينبغي أن نتنبه له .. سبب المشكلة التي تواجهنا في كل مواقفنا هو ما ينبع من داخلنا من أعمالنا من أحوال قلوبنا، قال الله ( {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا} ) هذا الذي كان عليه العتاب، نوايانا , أعمالنا , أحوال قلوبنا .. نسأل الله تعالي أن يقر أعيننا بنصرة الإسلام والمسلمين إنه ولي ذلك ومولاه ..

محمد سيد حسين عبد الواحد

إمام وخطيب ومدرس أول.

  • 1
  • 0
  • 242

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً