واقع المسلمين بين الوهن والتبعية

منذ 2021-06-10

لا ننكرُ أنَّ ضغطَ الغرب على العالم الإسلامي كله أصبح ضغطاً رهيباً، ضغطاً امتدَّ على الساحة الإسلامية كلها، ضغطًا فكريًّا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، يمضي به الغربُ كلّه على نهج وتخطيط

واقع المسلمين بين الوهن والتبعية

لا ننكرُ أنَّ ضغطَ الغرب على العالم الإسلامي كله أصبح ضغطاً رهيباً، ضغطاً امتدَّ على الساحة الإسلامية كلها، ضغطًا فكريًّا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، يمضي به الغربُ كلّه على نهج وتخطيط بعيد عن الارتجال وردود الفعل، ولكنْ ينطلق من تصميم إلى أهداف محدّدة وبوسائل عديدة، مدروسة ومتنوّعة.


ولا ننكر أن هذا الضغط حقَّق بالنسبة إلى الغرب نجاحاً كبيراً في معظم الساحات، وانتقل إلى مرحلة جديدة هامة يُنفِّذ فيها مخططاتِه وأهدافَه بعناصر من الأمة نفسها. ولا ننكر أن النتائج التي وصل إليها أورثت الناسَ كثيراً من الصدمة أو اليأس أو الإخفاق أو الاستسلام.


حين نعلن في الشعارات أننا نحاربُ الغربَ أو أمريكا أو إنكلترا أو غيرهما، فإننا في الوقت نفسه نفتح حياتنا كلها للغرب بفضائياته وملابسه ومأكله وشرابه وفكره وأدبه ومناهجه التربوية، سواءً أشعرنا بذلك أم لم نشعر.


لا يُريد الغربُ لنا أن نبني قوةً حقيقية من صناعة وسلاح وعقيدة، ولا أن نوجد لها الحماية اللازمة من قوة وعتاد. وكلما بدرت بادرةٌ من محاولة بناء قوة دمّرها الغرب وهي في أول مراحل بنائها.

لا تجد بلداً إسلامياً يصنع السياراتِ أو الطائراتِ أو الصواريخَ أو ما شابه ذلك، فإن وُجِدَ شيءٌ منه مهما كان يسيرًا حُورِبَ في أوله وحوصِرَ أو أُبيد.


ولا يبلغُ الغربُ هذه الدرجةَ من الظلم بطاقته البشرية وحدها، بل بطاقة بشرية من الشعوب التي يظلمها، وأعجبُ ما في ذلك أنه يمضي إلى أهدافه الإجرامية بما أُسميه "اللعبة الماكرة"، اللعبة التي يستفيد فيها من قوى خصومه الظاهرين ومن الموالين. فكأنه يمسك القوى جميعها بخيوط في يديه، يحرّك بها هذه القوى كما يشاء، دون أن يكون ذلك ظاهراً. ولا يكتفي بإضعاف العالم الإسلامي بعدم إعطائه الفرصة لبناء سلاح وعتاد حقيقي، ولكن بأن يشغل العالم الإسلامي بقضايا وفتن يُشعلها ليهلك بها هؤلاء وهؤلاء، وليدور القتالُ بين فئات الشعب الواحد نفسه وبين شعبٍ وشعب في صراع يستهلكُ كلَّ طاقتهم من ناحية، ويشغلهم عن قضاياهم الرئيسة، ويفرح المنتصر منهم ظاهراً بانتصاره المزيَّف، ولكنه هو وَمن يُعَدُّ خصمَه من شعبه وأُمَّته، في خسارة كبيرة.


انظر إلى كثير من أقطار العالم الإسلامي؛ كيف يقتل المسلمُ المسلمَ، ويحارب فريقٌ من الشعبِ فريقاً آخر، بعد أن تمزّق الشعبُ فِرقاً شتَّى وأحزاباً شتَّى ومصالح شتَّى أدارها الغربُ ببراعة، وجميعهم في دُوارٍ وسَكَر!


ندَّعي محاربةَ الغرب الذي احتلَّنا وقتل منا الآلاف وارتكب من الجرائم ما لا حصر له، ثم نَخْضَعُ لكلِّ أساليبه السياسية والفكرية ونتبَنَّى الديمقراطية التي أَذلَّتنا وأخرجتنا من ديارنا، وسلَّمت فلسطين لليهود، ومزَّقت العالم الإسلامي إرْباً إرْباً وما زالت تمزِّقه، وامتدتْ جرائمها إلى حّدٍ يصعب حصرُه هنا.


ندّعي محاربته، ثم ننساق في النظام الديمقراطي من: تعدِّد أحزاب تتشاجر على حساب مصلحة الأمة، ومن انتخابات تدور على أسوأ الأساليب؛ من شراء الضمائر، واستدعاء مراقبين أجانب ليدَّعوا أنهم يؤمِّنون نزاهتها، فنحن لسنا أهلاً لتوفير النزاهة في انتخاباتنا، ويَفْرَح المنتصر وهو يدري أنه يسير في نهج مغاير لدينه، مخالفٍ لشرع الله. وبعد مداومة العمل به يعتاده الكثيرون ويألفونه ثم يصبحون دعاةً له. يفرح بعضُهم لأنه أذلَّ فريقاً من قومه لا على أساس إيماني وإنما على أسس جاهلية دنيوية.


وفي أحيان كثيرة يُحدّد الغربُ لنا أهدافَنا، كما حصل في جميع مراحل قضية فلسطين، وخاصة في المرحلة الأخيرة؛ إذ طرح بطريقة أو أخرى فكرةَ الدولة الفلسطينية، فأقبل عليها الفلسطينيون يحسبونها خيراً لهم، فإذا هي بابُ فتنة مدروسة ومحددة، أكلت جهودَهم، وألهتهم عن قضيتهم الأساسية، وتنازل الجميعُ صراحة عن شعاراتهم السابقة، وأصبح غاية مطالبهم جميعاً هذه الدولة التي لا تملك أي مقومات للدولة أو الحياة، دولة حتى حدود سنة 1967م، بتنازلٍ صريح أو ملتوٍ عن تحرير فلسطين كلها، واعترافٍ جليٍّ بعجزهم وعدم قدرتهم على تحقيق ما أعلنوه من شعارات، أقبل الجميع فصيلاً فصيلاً وحركة حركة على الصراع من أجل هذه الدولة الميِّتة، بعضهم يجهر بوضوح، وبعضهم يدور ويواري، فيصارح حينًا ويستحي حينًا آخر، أو يُعلن شيئاً يكسب به الجماهير ويعمل سرًّا ما يُرْضِي به خصمه.


المضحك في ذلك أننا نريد إقامة دوله فلسطينية، نحن غير قادرين على إقامتها، ونريد من عدوِّنا الذي نقاتله أن يقيمها لنا أو يسمح لغيرنا بإقامتها. مهزلة وأَيّ مهزلة. هل ضاعت العقولُ وماتت المبادئ في شهوة دولة ميتة ستكون في أحسن حالاتها تابعة لإسرائيل؟ فتحوَّل الصراع ضد إسرائيل إلى تجارة دنيوية يسعى كلُّ فريق فيها إلى إثبات وجوده في الساحة، أو كسب نصر دنيوي بالشعارات فحسب، معزول عن أي عقيدة أو قيم أو مبدأ، فامتدّ الوهمُ وسقطت الشعارات، ونشطت التجارة بالوطن وبالشعب وبالقضية كلها. نريد من عدوّنا أن يقيم لنا دولة، وأن يمنحنا وسائل معيشتها وأسباب حياتها! نريد منه أن يعطينا الماء والكهرباء والبترول والطعام والماء! وأن يعطينا المال!


وحين يشعر بعضُ المسلمين بضعفهم وعجزهم فإلى من يلتجئون؟! هل يلتجئون إلى الله، إلى ربهم وخالقهم الذي يملك وحده نصرهم أو خذلانهم؟! كلاّ! بل يلتجئون إلى روسيا، وإلى غيرها، إلى كل من لا يتبنى الإسلام الحقَّ أو يحرص عليه أو يرغب في نصرته.


وقد وصل ضغطُ الغرب بوسائله الشيطانية ومكره البعيد إلى أن دفع أكبر جماعة إسلامية في تركيا إلى أن تقدم تصريحات بعد تصريحات بتمسُّكهم بالعلمانية وبحمايتها والدفاع عنها.


وصَرّح بعضهم: "لا تقولوا عنا إسلاميين، نحن علمانيون"! وذهب رئيسهم السابق (أربكان) مع وفد من حزبه ليضع إكليلاً من الزهور على قبر "مصطفى كمال أتاتورك" الذي ألغى في حياته الإسلامَ من تركيا، وأسقط الخلافة وأَلغاها، وألغى الأَذان بالعربية، وألغى اللغة العربية كلها، وألغى الشريعة الإسلامية، وأقام حكماً علمانيّاً واضحاً، وبطش بكل صوت إسلامي. مع كل ذلك ترى الحشدَ الكبير من الدعاة المسلمين يتعهّدون بحماية العلمانية ويعاهدون على ذلك، بغية دنيا أو سلطة أو منصب. ويمكن أن يسوّغ بعضهم هذا السلوك بأنه "تكتيك" مرحلي!.


إن المجرمين الذين دفعوا هؤلاء إِلى هذه المرحلة، واعون وحريصون على أن يدفعوهم إلى مرحلة أبعد عن الإسلام وأشد، وإلى تنازل أخطر وأكبر. وحسبُنا أن نعلم أن الإسلام مهما سمح من تصرف تحت الضرورات فليس ادِّعاءُ العلمانية مما يُسمح به أبداً إِلا من رجل فرد ينقِذ حياته بهذا الادعاء، وليس من دعاة وليس من جماعة أو حركة، ولا من أمة! لا يسمح الإسلام أبداً للأمة كلها أن تتبنى الإلحادَ والكفر بأيّ صورة من صوره. ولا للجماعة أو حشد الدعاة، تحت أي ادعاء أو مسوّغات باطلة.


ولقد سلك هذا السبيلَ عددٌ من المسلمين أو الحركات الإسلامية بغية إرضاء الغرب، والظهور بمظهر المتحضر بحضارة الغرب، فتبنَّوا الديمقراطية أولاً، ثم ما تلاها. ولقد تأثر عددٌ من المسلمين في الغرب بنمط الحياة الغربية، والفكر الغربي، والعلمانية، والحياة الاجتماعية المختلطة، هذا فضلا عن الذين تفلّتوا في الغرب من الإسلام كليّةً، وبهرتهم الحياةُ الغربية بإباحيتها والنظم الإداريَّة فيها، النظم التي تسهّل أعمال المواطنين، والتفلّت الجنسي الذي يحميه النظامُ، ليكون ذلك كله تخديراً.


ونتيجة لهذا الضغط الرهيب للغرب ازدادت الجرأةُ لدى بعض المسلمين أو المنتسبين إلى الإسلام بتأويل بعض الآيات الكريمة تأويلاً فاسداً خارجاً عن حدود الشريعة وعن حدود اللغة العربية، وازدادت الجرأةُ على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفسدون تأويلها أو يحذفون منها ويغيرون نصوصها.


ففي مقالة لأحد الدعاة المسؤولين، وفي كتاب صدر بعنوان "وثيقة المدينة"، وفي ندوة ظهرت على إحدى القنوات تردَّدَ نصٌّ ينسبونه كذباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حقوق غير المسلمين: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"! وواضح أن هذا افتراء كبير وجرأة على تحريف الإسلام. وأصل ذلك حديث صحيح لرسول الله صلى الله عليه وسلم يرويه أنس رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمّداً رسول الله، فإن شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلَّوا صلاتَنا، فقد حرُمت علينا دماؤهم وأموالُهم، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم» [1].


فهؤلاء: الداعية، والكتاب، والندوة، أهملوا جلَّ الحديث، أخذوا السطر الأخير منه: "لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم". فأي إثم أكبر من هذا؟ وأي انحراف أشد؟ خاصة حين يتردد هذا الكذبُ والافتراء على الله ورسوله في مصادر متعدِّدة، أخذت تردِّده وتعيده بغية إثبات حقٍّ لما يدعون أنه "الآخر"! والإسلام أعطى لكل إنسان حقه وللآخر ولغير الآخر، للمسلم، ولأهل الكتاب، فصّل في حقوق كلِّ إنسان من هؤلاء على أُسسٍ ربّانيّة، حتى لا يَلتَبِسَ الأمرُ على أحد، وليقدّم أعظم مستوى من العدالة.


ويقول أحد الدعاة المسؤولين: "إن مبدأ حزبهم يقوم على مبدأ المواطنة، مشيراً إلى أن الشريعة الإسلامية تتفق مع مبدأ المواطنة الذي لا يُفرّق بين المواطنين"! ويقول آخر: "إن أخوة الإيمان كانت عندما كان للإسلام دولة، واليوم لا يوجد للإسلام دولة، ولذلك نأخذ بمبدأ المواطنة".


أعجب من الداعية المسلم أن يتورَّط في مثل هذا القول المخالف لنصُوص القرآن ونصوص السنة، والممارسة الممتدة من أكثر من خمسة عشر قرناً.


الإسلام يحترم حقوق الفئات كلها في مجتمعه وحقوق أهل الكتاب الذين هم في ذمة المسلمين مصونة كما شرعها الإسلام في مستوى عالٍ من العدالة، ولكن الإسلام لم يُشَرِّعْ "أن حقوق أهل الكتاب في وظائف الدولة كاملة مساوية لحقوق المسلم، وأنّ لهم الحق في تولّي المناصب الوزارية والإدارية العليا، إلا أنه استبعد حقهم في الولاية العظمى" كما زعم بعض الدعاة على قناة دعوية فضائية.


هذه مبادئ بشريّة لم يأت بها الإسلام لا في الكتاب ولا في السنة ولا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الخلفاء الراشدين الذين أُمِرْنا باتباع سنّتهم، ولا في ممارسات الحكم الإسلامي الملتزم بالإسلام.


هذا التصور الذي يعرضه الأخ الكريم تصور متفلّت من الإسلام، أقرب إلى العلمانية، حيث تكون القضية الأولى للموازنة بين الناس هي المصالح الدنيوية وحدها. والإسلام له نظرة أُخرى، نظرة تقوم على إِيثار الدار الآخرة على الدنيا، وتفضيل المؤمنين بالله ورسوله على العالمين، وأن شرع الله هو الأعلى.

 

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ َخَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}[البيّنة: 7،6].


وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه ابن عمر رضي الله عنه: «لَزوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتل رجل مسلم» [2].


وعندما لا يكون للإسلام دولةٌ، فالواجب على المسلمين أن يجاهدوا لإقامتها لا التخلّي عن فكرتها إِلى ما يخالفها، إنها تكاليف ربانيّة! والدولة تقوم عندما يكون هنالك أمة مسلمة واحدة.


الحق الأول لأهل الكتاب هو أن يُدْعَوْا إلى الإسلام، وهو الواجب الأول على المسلمين نحو أهل الكتاب وغيرهم، حتى يُنقَذوا من عذاب جهنم. وليس من حقوق أهل الكتاب، ولا من واجب المسلمين دعم الباطل في أيِّ صورة أو واقع. ولنستمع إلى قوله سبحانه وتعالى يخاطب أهل الكتاب لنعرف من ذلك ما حقوقهم وما واجباتنا:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً * إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} [النساء: 48، 47]


وللإيجاز نقول: فليَرجع الأخ الكريم إلى كتاب الله وما فيه من آيات بينات تبين منزلة أهل الكتاب وحقوقهم المصونة، وذلك في سورة البقرة وآل عمران والنساء، وسور أخرى كثيرة تؤكد هذه المعاني التي تقوم عليها الحقوق والواجبات. مع ذلك فلقد جعل الإسلام لأهل الكتاب منزلةً خاصة ما داموا يحترمون الإسلام ويخضعون إلى شرعه، ولا يوالون أعداءه، منزلة لم يجدوها في نظمهم العلمانية.


وأستاذ آخر يكتب في كلمة له في إحدى الصحف: "إن الإسلام أعطى للناس حرّيةً كاملة للمعتقد، مستشهداً كذلك بجزء من آية: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] تاركاً ما قبلها وما بعدها فاختلّ المعنى. وكذلك استشهد بقوله سبحانه وتعالى أو بجزء منه: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]، لقد أساء كثيراً حين أفسد معاني الآيات حين حذف معظمها وأخذ بجزءٍ منها، فاختل المعني والفقه والتصور.


لقد كثر هذا الاتجاهُ في هذه اللحظات من حياة المسلمين كثرة واضحة. وكثر الذين يحاولون أن يُظهروا للغرب أنهم متحضرون، وأنهم قادرون على تحريف الآيات والأحاديث، والخروج بنتائج ديمقراطية أو اشتراكية أو علمانية أو حداثية، مطليّة بطلاء خادع من الإسلام. أو أنهم فُتِنوا عن دينهم واتبعوا الباطل.


إن هذه المحاولات منكرة لا تجلب إلا غضب الله وعقابه على الأمة التي تتفَلّت من دينه وشرعه وأحكامه.


لا شكّ أن هذا كله يُرضي الغرب، ولكنّ الغرب يظلّ يطلب المزيد المزيد، وستظل الفتاوى تظهر من بعض العلماء والدعاة بما يُرضي الغرب وبما يغضب الله والمسلمين. وأكثر من ذلك فإن الغرب يبذلُ جهودَه ليدعم من يسميهم بالمعتدلين من المسلمين.


ويقول نيكسون رئيس الولايات المتحدة سابقاً: "المعتدلون هم حصَّتُنا من المسلمين، فهم بحاجة إلينا، ونحن بحاجة إليهم. هم بحاجة إلينا لنقدّم لهم فكراً غير فكر الأصوليين، ولندعمهم بكل الوسائل...". ولقد أخذ هذا الفكرُ يظهر ويزداد بروزاً.


بعضُ أصحاب التصورات الجديدة كالتي عرضناها في كلمتنا هم من حركات إسلامية مضى على نشوئها عشراتُ السنين، ولم يظهر في تاريخهم هذا الاعتدالُ كما يظهر هذه الأيام، ولا هذا الانحراف.


يضافُ إلى ذلك موضوعُ المرأة التي يُراد دفعُها إلى المحافل السياسية وإلى أجواء التمثيل، وجميع أجواء الاختلاط. ولقد تحقق ذلك بصورة موازية للغرب ومساوية له في بعض الأقطار المنتسبة إلى الإسلام، حتى صرت ترى من النساء المنتسبات إلى الإسلام من تخرج شبه عارية، وتظهر كذلك في مواقع متعددة.


المؤلم أن هناك أناساً يريدون أن يصبغوا هذه الانحرافات بطلاءٍ إسلامي، فيتضاعف بذلك إِثمُهم حين يحرّفون شرع الله، ويبدِّلون و يؤوِّلون ويحذفون!


نودُّ أن نقول لهؤلاء جميعاً: مهما تودَّدتم للمجرمين في الأرض أو لأهل الكتاب، فإنهم لن يرضوا عنكم، ولن تلين قلوبُهم، وسيغْتَنمون كلَّ فرصة للإساءة والظلم والعدوان بأقسى ما عُرِف في تاريخ الإنسان من وحشية. ألا يكفي قولُ الله سبحانه وتعالى ومن أصدق من الله قيلا:

{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ}[البقرة:120]


انظر ماذا فعلوا بالمسلمين في الأندلس، وما فعلوا بالمسلمين في الحروب الصليبية، وما فعلوا حين احتلوا بعض ديار المسلمين. انظر ماذا فعل الإنجليز في الهند بالمسلمين، وما فعلت فرنسا في الجزائر وغيرها، وما فعلت إيطاليا بليبيا وغيرها، وارجع إلى التاريخ يحدثك بالعجب.


إن واقع الإنسان على الأرض اليوم، قد امتلأ فتنا وفجوراً وحروباً وظلماً وعدواناً وفواجع، إن هذا الواقع يتطلب أن تظهر دعوةُ الله كما أُنْزِلتْ على محمد صلى الله عليه وسلم أن تظهر واضحة جريئة صادقة لا تحريف فيها ولا تأويل. ولا نجاة للناس مما هم فيه إلا بدين الله الإسلام، وبشرعه حين يحكم في الأرض، ويصدق العاملون بالالتزام الأمين بمنهاج الله، إيماناً صافياً، وعلماً صادقاً، وإيثاراً للدار الآخرة على الدنيا، في رهبة وخشوع لله، وتوبة وإنابة قبل أن يُنزِل الله علينا عذاباً شديداً.


آيتان تعرضان حالتين مختلفتين حين يسود الظلم والانحراف. أما الأولى ففي سورة الأنفال:

{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}  [الأنفال:25].

 

فهذه الآية الكريمة تعرض الحالة التي يسكت فيها الصالحون ولا ينصحون، ولا يدْعون ولا يعالجون، فينزل عذاب الله يأخذ الصالح والطالح.


وآية أخرى في سورة الأعراف تعرض حالة أخرى:

{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف:165].

 

ففي هذه الحالة كان هناك فئة تنهى عن السوء، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فحين يُنزل الله عذابه فإنه يمسّ الفاسقين الذين ظلموا وفسقوا، ويُنجي الله الذين كانوا ينهون عن السوء، ويدعون إلى الله ورسوله، ويدعون إِلى الإسلام، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويبلغون رسالة الله كما أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ويتعهدونهم عليها.


هذه سنَّة ربّانيّة ماضية في الحياة، ثابتة لا تتبدل. َفْلَيعِ المسلمون ذلك، عسى الله أن يلطف بنا وينجي الصالحين دون أن يعمَّ الجميعَ بعذابٍ شديد. إن محور ذلك كله وأساسه هو "الذين ينهون عن السوء..."! والنهي عن السوء أو النهي عن المنكر والأمر بالمعروف يعني تبليغ رسالة الله كما أُنْزِلتْ على محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافّة وتعهُّدهم عليها حتى تكونَ كلمة الله هي العليا في الأرض على نهج واعٍ وخطة مدروسة.


وهذه هي المهمة الرئيسة التي لا يجوز أن تتوقف أو يُشْغَل المؤمنون عنها أو أن تُنسى، بل يجب أن تبقى مهمّةً حيّة ممتدَّة مع الزمن كُلِّه. إنها هي المهمة التي تجمع جوهر العبادة والأمانة والخلافة والعمارة، وهي التي توفِّر -بامتدادها والمداومة عليها- العلاجَ الأصلح لما قد يظهر في واقع المسلمين من خلل أو أمراض أو وهن.

 


[1] صحيح ابن حبان: ج 13ص:215، حديث رقم5895.

[2] صحيح الجامع الصغير وزيادته رقم 5077.

______________________________________________
الكاتب: د. عدنان علي رضا النحوي

  • 0
  • 0
  • 605

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً