المنتقى من كتاب " إحياء علوم الدين " للإمام الغزالي - آداب الكسب والمعاش

منذ 2021-12-26

الرابع: أن لا يقتصر على هذا, بل يلازم ذكر الله سبحانه في السوق, ويشتغل بالتهليل والتسبيح, فذكر الله في السوق بين الغافلين أفضل.

نحمد الله الذي...كور الليل على النهار, فجعل الليل لباساً, والنهار معاشاً, لينتشروا في ابتغاء فضله...فالدنيا دار التشمير والاكتساب, وليس التشمير في الدنيا مقصوراً على المعاد دون المعاش, بل المعاش ذريعة إلى المعاد ومعين عليه, فالدنيا مزرعة الآخرة, ومدرجة إليها.

فضل الكسب والحث عليه:

أما من الكتاب: فقوله تعالى: ( { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم}  ) [البقرة:198] وقوله تعالى: ( { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} ) [المزمل:20] وقوله : ( { فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}  ) [الجمعة:10]

أما من الأخبار: فقوله صلى الله عليه وسلم: « لأن يأخذ أحدكم حبلة فيحتطب بها على ظهره, خير من يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله, فيسأله أعطاه ,أو منعه»

وأما الآثار: فقد لقمان لابنه: يا بني, استغن بالكسب الحلال عن الفقر, فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه, وضعف في عقله, وذهاب مروءته, وأعظم من هذا استخفاف الناس به.

وقال عمر رضي الله عنه: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق, يقول: اللهم ارزقني, فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إني لأكره أن أرى الرجل فارغاً لا في أمر دنياه, ولا في أمر آخرته.

وقيل لأحمد: ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده, وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي ؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم, ألم يسمع قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي )   

العدل واجتناب الظلم في المعاملة:

العدل ألا يضر بأخيه المسلم, والضابط الكلي فيه: أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه, فكل ما لو عُومِل به شقَّ عليهُ, وثقل على قلبه, فينبغي أن لا يعامل غيره به, بل ينبغي أن يستوي عنده درهمه ودرهم غيره قال بعضهم: من باع أخاه شيئاً بدرهم, وليس يصلح لو اشتراه لنفسه إلا بخمسة دوانق, فإنه قد ترك النصح المأمور به في المعاملة, ولم يحب لأخيه ما يحب لنفسه, هذه جملته.

فأما تفصيله في أربعة أمور: أن لا يثنى على السلعة بما ليس فيها, وأن لا يكتم من عيوبها وخفايا صفاتها شيئاً أصلاً, وأن لا يكتم في وزنها ومقدارها شيئاً, وأن لا يكتم من سعرها ما لو عرفه المعامل لامتنع عنه.

الأول: فهو ترك الثناء, فإن وصفه للسلعة إن كان بما ليس فيها فهو كذب, فإن قبل المشتري ذلك فهو تلبيس وظلم مع كونه كذباً, وإن لم يقبل فهو كذب وإسقاط مروءة. وهو محاسب على كلمة تصدر منه, {ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد}[ق:18]

ولا ينبغي أن يحلف عليه ألبته, فإنه إن كان كاذباً فقد جاء باليمين الغموس, وهي من الكبائر التي تذر الديار بلاقع, وإن كان صادقاً فقد جعل الله تعالى عرضة لأيمانه, وقد أساء فيه, إذ الدنيا أخس من أن يقصد ترويجها بذكر اسم الله من غير ضرورة. وفي الخبر: ( اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة ) وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاثة لا ينظر الله يوم القيامة: عائل مستكبر, ومنان بعطيته, ومنفق سلعته بيمينه )

الثاني: أن يظهر جميع عيوب المبيع خفيها وجليها, ولا يكتم منها شيئاً, فذلك واجب, فإن أخفاه كان ظالماً غاشاً, والغش حرام, وكان تاركاً للنصح في المعاملة, والنصح واجب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «( من غشنا فليس منا )» ويدل على وجوب النصح بإظهار العيوب ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايع جريراً على الإسلام, ذهب لينصرف, فجذب ثوبه, واشترط عليه النصح لكل مسلم.

إن القيام بحقوق الله مع المخالطة والمعاملة لا يقوم بها إلا الصديقون, ولن يتيسر ذلك على العبد إلا بأن يعتقد أمرين:

أحدهما: أن تلبيسه العيوب وترويجه السلع لا يزيد في رزقه, بل يمحقه ويذهب ببركته وما يجمعه من مفرقات التلبيسات يهلكه الله دفعة واحدة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «( البيعان إذا صدقا ونصحا, بورك لهما في بيعهما, وإن كتما وكذبا نزعت بركة بيعهما)»

ومن عرف أن الدرهم الواحد قد يبارك فيه حتى يكون سبباً لسعادة الإنسان في الدنيا والدين, والآلاف المؤلفة قد ينزع الله البركة منها, حتى تكون سبباً لهلاك مالكها, بحيث يتمنى الإفلاس منها, ويراه أصلح له في بعض أحواله, فيعرف معنى قولنا: إن الخيانة لا تزيد في المال, والصدقة لا تنقص منه.

المعنى الثاني: الذي لا بد من اعتقاده, ليتم له النصح ويتيسر عليه: أن يعلم أن ربح الآخرة وغناها خير من ربح الدنيا, وأن فوائد أموال الدنيا تنقضي بانقضاء العمر, وتبقى مظالمها وأوزارها, فكيف يستجيز العاقل أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير, والخير كله في سلامة الدين.

الثالث: ألا يكتم في المقدار شيئاً, وذلك بتعديل الميزان, والاحتياط فيه وفي الكيل, فينبغي أن يكيل كما يكتال, قال الله تعالى: {( ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون)} [المطففين:1_3] ولا يخلص من هذا إلا بأن يرجح إذا أعطى. قال بعض السلف: عجبت للتاجر والبائع كيف ينجو, يزن ويحلف بالنهار, وينام بالليل.

الرابع: أن يصدق في سعر الوقت, ولا يخفي منه شيئاً, فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلقى الركبان, ونهى عن النجش.

الإحسان في المعاملة:

أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعاً, والعدل سبب النجاة فقط, وهو يجري من التجارة مجرى رأس المال. والإحسان سبب الفوز ونيل السعادة, وهو يجري من التجارة مجرى الربح, ولا يعد من العقلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس ماله, فكذا في معاملات الآخرة, فلا ينبغي للمتدين أن يقتصر على العدل واجتناب الظلم, ويدع أبواب الإحسان, وقد قال الله: { ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان )} [النحل:90] ونعنى بالإحسان: فعل ما ينتفع به المعامل, وهو غير واجب عليه, ولكنه تفضل منه...وتنال مرتبة الإحسان بواحد من أمور:

الأول: أن لا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة.

الثاني: في استيفاء الثمن وسائر الديون مرة بالمسامحة وحط البعض, ومرة بالتأخير. قال عليه الصلاة والسلام: ( رحم الله امرأً سهل البيع, سهل الشراء سهل القضاء)

الثالث: في توفية الدين. ومن الإحسان فيه حسن القضاء. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم أحسنكم قضاء» 

شفقة التاجر على دينه:

تتم شفقة التاجر على دينه بمراعاة أمور:

الأول: حسن النية في ابتداء التجارة, فلينو بها الاستعفاف عن السؤال.

الثاني: أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات.

الثالث: أن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة, وأسواق الآخرة المساجد, قال الله تعالى: { ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيعُ عن ذكرِ الله وإقامِ الصلاة وإيتاءِ الزكاةِ)} [النور:37] وقال الله تعالى: {( في بيوتٍ أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمُهُ ) } [النور:36] فينبغي أن يجعل أول النهار إلى وقت دخول السوق لآخرته, فيلازم المسجد, ويواظب على الأوراد. وكان عمر رضي الله عنه يقول للتجار: اجعلوا أول نهاركم لآخرتكم, وما بعده لدنياكم. وكان صالحو السلف يجعلون أول النهار وآخره للآخرة والوسط للدنيا. فما يفوته من فضيلة التكبيرة الأولى مع الإمام في أول الوقت لا توازيها الدنيا بما فيها وقد كان السلف يبتدرون عند الآذان ويخلون الأسواق

الرابع: أن لا يقتصر على هذا, بل يلازم ذكر الله سبحانه في السوق, ويشتغل بالتهليل والتسبيح, فذكر الله في السوق بين الغافلين أفضل.   

الخامس: أن لا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة, وذلك بأن يكون أول داخل وآخر خارج.

السادس: أن لا يقتصر على اجتناب الحرام, بل يتقى مواقع الشبهات ومواطن الريب.

السابع: ينبغي أن يراقب جميع مجارى معاملته...فإنه مراقب ومحاسب, فليعد الجواب ليوم الحساب والعقاب, في كل فعله وقوله, لِمَ أقدم عليها ؟ ولأجل ماذا ؟   

         كتبه/ فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

  • 1
  • 0
  • 2,070
المقال السابق
آداب النكاح
المقال التالي
الحلال والحرام, آداب السفر

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً