المنتقى من كتاب " إحياء علوم الدين " للإمام الغزالي - الأخوة والصحبة والمعاشرة(2)

منذ 2022-01-05

قال بعضهم: الصبر على مضض الأخ خير من معاتبته, والمعاتبة خير من القطيعة, والقطيعة خير من الوقيعة, وينبغي أن لا يبلغ في البغضة عند الوقيعة.

حقوق الأخوة والصحبة:

الحق الأول: المواساة بالمال.

الحق الثاني: الإعانة بالنفس في قضاء الحاجات, ولها درجات فأدناها القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة, لكن مع البشاشة والاستبشار, وإظهار الفرح وقبول المنة.

الحق الثالث: السكوت عن ذكر عيوبه في غيبته وحضرته, إلا إذا وجب عليه النطق في أمر بمعروف, أو نهي عن منكر, ولم يجد رخصة في السكوت, فإذ ذلك لا يبالي بكراهته, فإن ذلك إحسان إليه في التحقيق, وإن كان يظن أنها إساءة في الظاهر.

أما ذكر مساوئه وعيوبه ومساوئ أهله, فهو من الغيبة, وذلك حرام في حق كل مسلم, ويزجرك عنه أمران:

الأول: أن تطالع أحوال نفسك, فإن وجدت فيها شيئاً واحداً مذموماً, فهوّن على نفسك ما تراه من أخيك, وقدّر أنه عاجز عن قهر نفسه في تلك الخصلة الواحدة, كما أنك عاجز عما أنت مبتلى به.

الثاني: أن تعلم أنك لو طلبت منزهاً من كل عيب اعتزلت عن الخلق كافة, ولن تجد من تصحبه أصلاً, فما من أحد من الناس إلا وله محاسن ومساوئ, فإذا غلبت المحاسن المساوئ فهو الغاية والمنتهى. قال ابن المبارك: المؤمن يطلب المعاذير, والمنافق يطلب العثرات.

وكما يجب عليك السكوت بلسانك عن مساويه فيجب عليك ترك إساءة الظن به, وحدّه أن لا تحمل فعله على وجه فاسد, ما أمكن أن تحمله على وجه حسن, فأما ما انكشف بيقين ومشاهدة...فعليك أن تحمل ما تشاهد على سهو ونسيان ما أمكن.

وستر العيوب والتجاهل والتغافل عنها شيمة أهل الدين.

الحق الرابع: التعليم والنصيحة: فإذا كنت غنياً بالعلم فعليك مواساته من فضلك وإرشاده إلى كل ما ينفعه في الدين والدنيا, فإن علمته وأرشدته ولم يعمل بمقتضى العلم, فعليك النصيحة, ولكن ينبغي أن يكون ذلك في سر, لا يطلع عليه أحد, فما كان على الملأ فهو توبيخ وفضيحة, وما كان في السر فهو شفقة ونصيحة, إذا قال صلى الله عليه وسلم: « المؤمن مرآة المؤمن  » أي: يرى منه ما لا يرى من نفسه, فيستفيد المر بأخيه معرفة عيوب نفسه, ولو انفرد لم يستفيد, كما يستفيد بالمرآة الوقوف على عيوب صورته الظاهرة. وقال الشافعي رحمه الله: من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه, ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. وقيل لمسعر: أتحب من يخبرك بعيوبك ؟ قال: إن نصحني فيما بيني وبينه فنعم, وإن قرعني بين الملأ فلا.

فإن قلت: فإذا كان في النصح ذكر عيوب ففيه إيحاش القلب, فكيف يكون ذلك من حق الأخوة ؟ فاعلم أن تنبيه عين الشفقة, وهو استمالة القلوب, أعنى قلوب العقلاء, وأما الحمقى فلا يلتفت إليهم, فإن من نبهك على فعل مذموم تعاطيته, أو صفة مذمومة اتصفت بها لتزكى نفسك عنها, كان كمن نبهك على حية أو عقرب تحت ذيلك, وقد همت بإهلاكك, فإن كنت تكره ذلك فما أشد حمقك, فالصفات الذميمة عقارب, وحيات, وهي في الآخرة مهلكات, فإنها تلدغ القلوب والأرواح, وألمها أشدُّ مما يلدغ الظواهر والأجساد. ولذلك كان عمر رضي الله عنه يقول: رحم الله امرأً أهدى إلى أخيه عيوبه.

وهذا في عيب هو غافل عنه, فأما ما علمت أنه يعلمه من نفسه, فإنما هو مقهور عليه من طبعه, فلا ينبغي أن يكشف فيه ستره إن كان يخفيه, وإن كان يظهره فلا بد من التلطف في النصح بالتعريض وبالتصريح إلى حد لا يؤدي إلى الإيحاش.

الحق الخامس: الأخوة كما تقتضي السكوت عن المكاره تقتضي أيضاً النطق بالمحاب, وقد قال عليه الصلاة والسلام: « إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره »   وإنما أمر بالأخبار لأن ذلك يوجب زيادة حب, فإنه إذا عرف أنك تحبه أحبك بالطبع, لا محاله, فإذا عرفت أنه أيضاً يحبك, زاد حبك لا محالة, فلا يزال الحب يتزايد من الجانبين ويتضاعف. ومن ذلك: أن يدعوه بأحب أسمائه إليه في غيبته وحضوره, قال عمر رضي الله عنه: ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيته, وتوسع له في المجلس, وأن تدعوه بأحب أسمائه إليه. ومن ذلك: أن تثنى عليه بما تعرف من محاسن أحواله عند من يؤثر هو الثناء عنده, فإن ذلك من أعظم الأسباب في جلب المحبة....من غير إفراط أو كذب. ومن ذلك: أن تبلغه ثناء من أثنى عليه مع إظهار الفرح, فإن إخفاء ذلك محض الحسد. وأعظم من ذلك تأثيراً في المحبة: الذب عنه في غيبته مهما قصد بسوء....فحق الأخوة التشمير في الحماية والنصرة.

الحق السادس: العفو عن الزلات والهفوات, وهفوة الصديق لا تخلو إما أن تكون في دينه بارتكاب معصية, أو في حقك بتقصيره في الأخوة, أما ما يكون في الدين من ارتكاب معصية والإصرار عليها, فعليك بالتلطف في نصحه بما يقوم أوده, ويجمع شمله, ويعيد إلى الصلاح والورع حاله. حكي عن أخوين من السلف انقلب أحدهما عن الاستقامة فقيل لأخيه: ألا تقطعه وتهجره فقال: أجوج ما كان إليّ في هذا الوقت

أما زلته في حقه, بما يوجب إيحاشه, فلا خلاف أن الأولى العفو والاحتمال, ومهما اعتذر إليك أخوك كاذباً كان أو صادقاً, فاقبل عذره.

قال بعضهم: الصبر على مضض الأخ خير من معاتبته, والمعاتبة خير من القطيعة, والقطيعة خير من الوقيعة, وينبغي أن لا يبلغ في البغضة عند الوقيعة.

الحق السابع: الدعاء للأخ في حياته وبعد مماته بكل ما يحبه لنفسه, ولأهله, فتدعو له كما تدعو لنفسك لا تفرق بين نفسك وبينه, فإن دعاءك له دعاء لنفسك على التحقيق, فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا دعا الرجل لأخيه في ظهر الغيب, قال الملك: ولك مثل.) وكان أبو الدرداء يقول: إني أدعو لسبعين من إخواني في سجودي وكان محمد بن يوسف الأصفهاني يقول: وأين مثل الأخ الصالح ؟ يدعو لك في ظلمة الليل, وأنت تحت أطباق الثرى.

الحق الثامن: الوفاء والإخلاص, ومعنى الوفاء: الثبات على الحب, وإدامته إلى الموت معه ,وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه, فإن الحب إنما يراد للآخرة, قال عليه الصلاة والسلام في السبعة الذين يظلهم الله في ظله: « ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه » قال بعضهم: قليل وفاء بعد الوفاة خير من كثيره في حال الحياة.

ومن الوفاء: أن لا يتغير حاله في التواضع مع أخيه وإن ارتفع شأنه, واتسعت ولايته, وعظم جاهه, فالترفع على الإخوان بما يتجدد من الأحوال لؤم.

وأوصى بعض السلف ابنه فقال: يا بني, لا تصحب من الناس إلا من إذا افتقرت إليه قرب منك, وإن استغنيت عنه لم يطمع فيك, وإن علت مرتبته لم يرتفع عليك.

واعلم أنه ليس من الوفاء: موافقة الأخ فيما يخالف الحق, في أمر يتعلق بالدين, بل الوفاء له المخالفة.

ومن آثار الصدق والإخلاص وتمام الوفاء: أن تكون شديد الجزع من المفارقة, نفور الطبع عن أسبابها.

ومن الوفاء: أن لا يسمع بلاغات الناس على صديقه      

ومن الوفاء: أن لا يصادق عدو صديقه.

الحق التاسع: التخفيف وترك التكلف والتكليف, وذلك بأن لا يكلف أخاه ما يشق عليه, فلا يستمد منه من جاه ومال, ولا يكلفه التواضع له, والتفقد لأحواله, والقيام بحقوقه, بل لا يقصد بمحبته إلا الله تعالى. قال الفضيل: إنما تقاطع الناس بالتكلف, يزور أحدهم أخاه فيتكلف له, فيقطعه ذلك عنه. قيل لبعضهم: من تصحب ؟ قال: من يرفع عنك ثقل التكلف, وتسقط بينك وبينه مؤنة التحفظ. وكان جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما يقول: أثقل إخواني عليّ من يتكلف لي, وأتحفظ منه, وأخفهم عليّ من أكون معه كما أكون وحدي. وقد قيل: من سقطت كلفته دامت ألفته, ومن خفت مؤنته دامت مودته.

                 كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

 

  • 0
  • 0
  • 971
المقال السابق
الأخوة والصحبة (1)
المقال التالي
الأخوة والصحبة (3)

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً