أسباب الخلافات الزوجية والأسرية - (1) الوازع الديني

منذ 2022-01-17

ضعف الوازع الديني في نفوس أفراد الأسرة، ومتى ‌ضعف ‌الوازع ‌الديني قل الخوف من الله تعالى؛ بحيث إذا خلا العبد بالمحارم انتهكها، فكلما زينت له نفسه شهوة بادَر في قضائها، وغلبته أهواؤه وأنانيته، وأهمل ما عليه من الحقوق والواجبات الأسرية والمجتمعية

الحمد ‌لله، ‌والصلاة ‌والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان.

 

اللهم أصلحنا، وأصلح لنا زوجاتنا، وذرياتنا، ‌واجعلهم ‌قرة أعين لنا، واجمعنا وإياهم في جناتك جنات النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين، أما بعد:

تعيش الأسرة المسلمة الكثير من الخلافات والنزاعات الأسرية والمجتمعية، ويرجع ذلك لعدة أسباب وعلى رأسها:

ضعف الوازع الديني في نفوس أفراد الأسرة، ومتى ‌ضعف ‌الوازع ‌الديني قل الخوف من الله تعالى؛ بحيث إذا خلا العبد بالمحارم انتهكها، فكلما زينت له نفسه شهوة بادَر في قضائها، وغلبته أهواؤه وأنانيته، وأهمل ما عليه من الحقوق والواجبات الأسرية والمجتمعية، وكان من ‌نتائج ‌ذلك أن تفككت روابط ‌الأسرة الإسلامية، وفشت فوضى الحياة الزوجية إلى درجة أصبحت تهدد المجتمع بالتمزق والانهيار، وقد سعت الشريعة الإسلامية لمعالجة الخلافات الأسرية والمجتمعية ببيان خطرها، ونشر المحبة والوئام بين أفراد الأسرة والمجتمع المسلم.

 

وحتى تتضح الرؤية فلا بد من ‌‌‌التحذير ‌من ‌بعض مظاهر التقصير في الجانب الإيماني، والقضاء على مسبباتها، والتحذير من مضارها العاجلة والآجلة على واقع الأسرة ومن ذلك:

خلافات زوجية وأسرية سببها التقصير في الجانب الإيماني ومنها:

الاستهانة بالمعاصي[1]:

إن المعاصي كلها غير محبوبة، وهي منشأ كل مصيبة، و‌رأس ‌كل ‌شر، ومنها تتشعب كل ما لا يرضى الله تعالى، وهي سبب رئيس من أسباب الخلافات الزوجية والأسرية والمجتمعية، وارتكاب الأزواج المعاصي على اختلاف أشكالها، من عدم الالتزام بالأوامر ‌من ‌صلاةٍ، ‌وصيام، وصدقة، ‌وحج، وإحسان، وصلة، وغير ذلك، أيا كان فرضًا أو نفلًا، وعدم اجتناب الكبائر، والتباعد من الصغائر نية وقولًا وفعلًا، وللمعاصي من الآثار المضرة بالبدن والقلب في العاجل والآجل ما لا يعلمه إلا الله سبحانه، ومن المعاصي ‌ما ‌يلي:

اتباع ‌خطوات ‌الشيطان:

إن للشيطان تأثيرًا خطيرًا في تأجيج الخلافات، وتضخيم المشاكل بين الزوجين، فهو يوقع العداوة والكره والبغضاء بينهم، وحذَّر الحقُّ تعالى من اتباع سبل الشيطان، وسبله متعددة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168، 169].

 

والمعنى: يا أيُّها الناسُ دَعوا خُطوات الشيطان الذي يوبقكم فيهلككم، ويوردكم مَوارد العطب، ويحرِّم عليكم أموالكم، فلا تتبعوها ولا تعملوا بها، إنه يعني إن الشيطان، والهاء عائدة على الشيطان لكم أيها الناس عدو مُبين، يعني: أنه قد أبان لكم عَداوته، بإبائه عن السجود لأبيكم، وغُروره إياه حَتى أخرجه من الجنة، واستزله بالخطيئة، وأكل من الشجرة، فلا تنتصحوه، أيها الناس، مع إبانته لكم العداوة، ودعوا ما يأمركم به، والتزموا طاعتي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه مما أحللته لكم وحرَّمته عليكم، دون ما حرمتموه أنتم على أنفسكم وحللتموه، طاعة منكم للشيطان واتباعًا لأمره[2].

 

وعن وقيعة الشيطان وتحريشه فيما ‌بين ‌الزوجين بالفتن، قال جابر: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى ‌فَرَّقْتُ ‌بَيْنَهُ ‌وَبَيْنَ ‌امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ» قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: «فَيَلْتَزِمُهُ»[3].

 

يقول إبليس: ما صنعت شيئًا، قال صلى الله عليه وسلم: «ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته؛ [أي: الإنسان] ، حتَّى ‌فرقت ‌بينه ‌وبين ‌امرأته، فيدنيه منه؛ [أي: يقرب إبليس ذلك الغَوِيَّ من نفسه] ، فيقول: نعم أنت»  نعم حرف إيجاب، وأنت مبتدأ خبره محذوف؛ أي: أنت صنعت شيئًا عظيمًا، «فيلتزمه»؛ أي: يعانقه إبليس ويعذره من غاية حبه للتفريق بينهما؛ لأنَّه أعظم فتنة؛ لما فيه من انقطاع النسل، والوقوع في الزنا الذي هو أفحش الكبائر بعد الإشراك بالله[4].

 

وأكثر ما يدخل المعاصي على العبد من أبواب أربعة، من حفظها أحرز دينه وهي: اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات، فينبغي للعبد أن يكون ‌بواب ‌نفسه ‌على ‌هذه ‌الأبواب ‌الأربعة، ويلازم الرباط على ثغورها، فمنها يدخل عليه العدو، فيجوس خلال الديار ويتبر ما علا تتبيرًا[5].

 

إن إلقاء العداوة والبغضاء والتفريق بين الزوجين هو إحدى خطوات الشيطان، ومن الأمور المحبوبة لديه، فالخلافات من الأمور الطبيعية؛ لكن الشيطان يجعل الصغير كبيرًا، ويفسد على الزوجين بيتهم ويفكك أسرتهم، وقد وضعت الشريعة الإسلامية خطط محكمة التي لو أحسن الزوجين استغلالها لفاق تأثيرها كل وسيلة للقضاء على بذور الخلاف والشقاق، واستبدال الخلافات بترابط الأسر وتكاتفها.

 

‌وآخر ‌دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 


[1] المعاصي هي: ترك المأمورات، وفعل المحظورات، أو ترك ما أوجب وفرض من كتابه أو على لسان رسوله، وارتكاب ما نهى الله عنه أو رسوله صلّى الله عليه وسلّم من الأقوال والأعمال الظّاهرة أو الباطنة؛ انظر: ‌المعاصي ‌وآثارها ‌على ‌الفرد ‌والمجتمع؛ تأليف حامد بن محمد بن حامد المصلح، ص30، رسالة ماجستير، كلية الشريعة، جامعة أم القرى، السعودية- 1408هـ- 1988م.

[2] ‌‌ تفسير الطبري (3/ 300).

[3] ‌‌ صحيح مسلم (4/ 2167) رقم (2813).

[4] ‌‌ شرح المصابيح لابن الملك (1/ 88).

[5] الداء والدواء لابن القيم (ص152).

_________________________________________________
الكاتب سلامة إبراهيم محمد دربالة النمر

  • 2
  • 0
  • 704
 
 

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً