البر حسن الخلق

منذ 2022-02-06

امتدح ربُّنا - تبارك وتعالى - نبيَّه -ﷺ- بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وكان النبيُّ -ﷺ- يَتَخَلَّق بالقرآن، فكان خُلُقه القرآن.

امتدح ربُّنا - تبارك وتعالى - نبيَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وكان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَتَخَلَّق بالقرآن، فكان خُلُقه القرآن.

 

حُسْن الخُلق مِن أعظم أبواب الخير، فهو مِن أوسعِ أبوابها؛ فعن النواس بن سمْعان الأنصاريِّ - رضي الله عنه - قال: سألتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن البِرِّ والإثم، فقال: «البِرُّ حُسْن الخُلُق، والإثم ما حاك في صَدْرك وكرهت أن يطَّلع عليه الناس»؛ (رواه مسلم (2553)).

 

فأخبر النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّ أعظم خِصال الخير، وأكثرها وأهمها، حُسْنُ الخُلُق؛ كما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «الحجُّ عرَفة»، فمَن فاته الوقوف بعرفة، فاته الحجُّ، ومَن حُرِم حُسن الخلُق حُرِم الخير.

 

فخِيارُ هذه الأمَّة هم مَن حَسُنتْ أخلاقهم، فعن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: لَم يكن النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فاحشًا ولا متفحِّشًا، وكان يقول: «إنَّ مِن خيارِكم أحسنكم أخلاقًا»؛ (رواه البخاري (3559)، ومسلم (2321).

 

حُسْن الخُلُق عبادة خفيفة، لا تحتاج إلى إتْعاب البدَن بصِيام النهار وقيام الليل، ويحصل بها الثوابُ العظيم؛ فعن عائشة قالت: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: «إنَّ المؤمن لَيُدركُ بحُسْن خُلقه درجاتِ قائم الليل صائمِ النهار»؛ (رواه الإمام أحمد (24074) بإسناد صحيح) .

 

حُسْن الخلق لا يزال يرْتقي بصاحبه، حتى يوصلَه إلى أعلى الجنة؛ ففي حديث أبي أُمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ( «(أنا زعيمٌ ببيت في رَبَض الجنة لمَن ترَك المِراء وإن كان محقًّا، وببيت في وسطِ الجنة لمَن ترَك الكَذِبَ وإن كان مازحًا، وببيت في أعْلى الجنة لمَن حَسَّنَ خُلُقَه»؛ (رواه أبو داود (4800) بإسناد حسن) ، فجُعِل البيتُ العُلوي جزاءً لأعلى المقامات الثلاثة، وهي حُسْن الخُلُق، والأوسطُ لأوسطها وهو ترْك الكذب، والأدْنى لأدناها، وهو تركُ المماراة، وإن كان معه حقّ.

 

وصَفَ الإمام المبارَك عبدالله بن المبارك حُسنَ الخُلق، فقال: "هو بسْطُ الوجه، وبذْلُ المعروف، وكفُّ الأذى"؛ رواه الترمذي (2055).

 

فلنحرِصْ على طلاقة الوجه حينما نلْتقي بالناس في مساجدنا وبيوتنا، وشوارعنا ومقارِّ أعمالنا؛ فعن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - قال: قال لي النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تَلْقى أخاك بوجهٍ طلق»؛ (رواه مسلم (2626) )، أين مَن يُقابل الناس مقطَّب الجبين عبوسًا؟ أين هو مِن هذا التوجيه النبوي؟!

 

لنحرِصْ على الابتسامة في وجوه مَن نقابلهم، فالبعض يفرِض حُبَّه وتقديرَه على الآخرين بشيءٍ يسير؛ بابتسامة لا تفارق ثغرَه حينما يُقابل إخوانَه، فيكسب محبَّةَ الناس، وقبلَ ذلك نال الأجْرَ من الله.

 

ومِن حُسْن الخُلُق الكلمةُ الطيِّبة تُدخل بها السرورَ على أخيك المسلِم، وتكسب به ودَّه؛ ففي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «والكلمة الطيِّبة صَدَقة»؛ (رواه البخاري (2989)، ومسلم (1009) )، فلنحرص على التحايا، وعلى ما اعتاده الناسُ مِن التهاني، والكلام الطيِّب الذي يقوله بعضُهم لبعض يوميًّا أو في المناسبات.

 

ومِن حُسْن الخُلُق مراعاةُ خواطِرِ الناس، فلا تجرح بقول أو فعْل، والناس متباينون في ذلك، فليعامل مَن يتأثَّر سريعًا معاملةً خاصَّة، وإذا بدَر منك أخي قولٌ أو فعل، ثم شعرتَ أنَّ البعض تأثَّر بسببه، فبادرْ بإزالة ما حصَل له مِن تكدُّر خاطِر، ولو لَم تقصدِ الإساءة، مُعتذرًا منه، مبينًا قصدَك؛ فعن الصَّعْب بن جَثَّامة - رضي الله عنه -: أنَّه أهْدى لرسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حمارًا وحشيًّا وهو بالأبواء أو بودان، فردَّ عليه، فلما رأى ما في وجْهِه، قال: «أمَا إنَّا لَم نردَّه عليك إلاَّ أنَّا حُرُم»؛ (رواه البخاري (2573)، ومسلم (1193).

 

ومِن حُسْن الخُلق: كَظْم الغيْظ، وعدم إنفاذ العقوبة عندَ القدرة، ومِن حُسْن الخُلُق العفوُ عند المقدرة؛ ففي حديث عائشة - رضي الله عنها - فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور: 11]... الآيات، فلمَّا أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنه - وكان يُنفق على مِسْطح بن أَثَاثة لقَرابته منه: واللهِ لا أُنفق على مِسْطح شيئًا أبدًا بعدما قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22]، فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: بلى، واللهِ إني لأحبُّ أن يَغفرَ الله لي، فرَجَع إلى مِسْطح الذي كان يجري عليه"؛ (رواه البخاري (2661)، ومسلم (2770).

 

مِن حُسْن الخُلق: كفُّ الأذى عنِ الناس، فإذا لَم يصِلْ خير الواحد منَّا إلى المسلمين، فلا أقلَّ مِن أن يكفَّ شرَّه وشرَّ مَن تحت يده عنهم، وهذا من الخُلق المتعيِّن علينا جميعًا؛ فقد قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأبي ذرٍّ: «تكف شَرَّك عن الناس، فإنها صدقةٌ منك على نفسِك»؛ (رواه البخاري (2518)، ومسلم (84).

 

معاشرَ الإخوة:

لنُحسِّن أخلاقنا مع الضُّعفاء، مع مَن لا نرجو منهم منفعةً، مع مَن لا نتحرَّج منهم، فلنُحسِّن أخلاقنا مع الصِّغار: نبْدَؤُهم بالسلام، نُسمِّيهم بأحبِّ الأسماء إليهم، نكنيهم بأسماء أبائهم، نُمازِحهم أحيانًا، نُدخِل السرور عليهم، سواء كانوا أبناءً لنا أو طلاَّبًا، أو لا تربطنا بهم إلا رابطةُ الدِّين، كأبناء الجيران.

 

لنتجنَّبْ كثرة مُعاتبة الصِّبيان وتوْبيخهم، فضررُهما أكبرُ مِن نفْعهما؛ فهذا هو خُلُق النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع الأطفال، فعَن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "خَدمتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عشْرَ سنين، واللهِ ما قال لي: أُفٍّ قطّ، ولا قال لي لشيءٍ: لِمَ فعلتَ كذا؟ وهلاَّ فعلتَ كذا"؛ (رواه البخاري (6038)، ومسلم (2309).

 

إخوتي:

إذا أُمِرْنا أن نُحَسِّن أخلاقنا مع سائرِ المسلمين، فتحسين الخُلُق مع أزواجنا مأمورٌ به مِن باب أوْلى، وإنك لتعجبُ مِن شخص حَسَن الخُلُق مع الناس، يبذل الخير لهم، يصبر على أخطائهم، يَقْبل اعتذارَهم في تعامُلهم معَ الناس، المَسُّ مسُّ أرْنب، والرِّيح رِيح زَرْنب، لكنَّه إذا دخَل بيته تغيَّر؛ وجدتَه غضوبًا، يثور لأدْنى خطأ، كثير النقْد والتعنيف، يهجر أهله، بل ربَّما تمادَى به سوء خُلُقه فضرَبهم!

 

أليستْ زوجتُك أوْلى بحُسْن خُلقٍ مِن سائر الناس؟!

أمَا علِم هذا أنَّ خير الناس خيرُهم لأهلِه؟ ألا يعلم مَن هذه حالُه أنه ليس مِن خيار هذه الأمَّة؛ ففي حديث إياس بن عبدالله قال: قال: النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «لقد طاف بآل محمَّد نساءٌ كثيرٌ يشْكُون أزواجهنَّ، ليس أولئك بخياركم»؛ (رواه أبو داود (2146)) ، ورواته ثقات.

 

فإذا لَم يكن مِن خيار الأمَّة، فهو من شِرارها.

 

البعضُ تجده سيِّئ الخُلق في تعامله مع الناس القريبِ والبعيد، فظًّا غليظًا لا يَزِن الكلام قبل أن يتفوَّه به، ومِن فَرْط جهله يظن ذلك كياسةً وفطنة، فهو بزعْمِه أنه إذا فعَل ذلك حصَل له ما يريد ولَم يناقشْه الناس؛ خوفًا منه بزعْمه، فليتبْ إلى ربِّه، وليحسِّن خُلقه، وليعلم أنه عاصٍ يجب عليه التوبةُ والإقلاع عن ما هو عليه؛ فعن عائشة - رضي الله عنها -: أنَّ رجلاً استأذن على النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلمَّا رآه قال: «بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة»، فلمَّا جلَس تطلَّق النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في وجْهه، وانبسط إليه، فلمَّا انطلق الرجل قالتْ له عائشة - رضي الله عنها -: يا رسول الله، حين رأيتَ الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلَّقْتَ في وجهه وانبسطتَ إليه؟! فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «يا عائشةُ، متى عهدتِني فحَّاشًا؟! إنَّ شر الناس عندَ الله منزلةً يوم القيامة مَن ترَكه الناس اتقاءَ شرِّه»؛ (رواه البخاري (6032) ومسلم (2591).

 

إخوتي:

بُنَيَّ إِنَّ الْبِرَّ شَيْءٌ هَيِّنٌ      وَجْهٌ طَلِيقٌ وَلِسَانٌ لَيِّنُ 

 

فإذا كنَّا لا نستطيع أن نسعَ الناس بأموالنا، لنسعهم بأخلاقِنا.

 

معاشر الإخوة:

ربَّما طرَح أحدُنا سؤالاً: كيف أُحسِّن خُلقي، فالبعض منَّا ليس براضٍ عن بعض تصرُّفاته؟

فأقول: تذكَّر أخي أنَّ حُسْن الخلق عبادةٌ - كما تقدَّم - فهو يحتاج إلى مُجاهَدة النفس في البداية كسائرِ العبادات، فالجنة حُفِّت بالمكارهِ، فخالِفْ نفسَك، وتجنَّبْ ما اعتدتَه من أخلاق سيِّئة، واحرِصْ على كثرة الدعاء بأن يهديَك الله لأحسن الأخلاق، ويصرفَ عنك سيِّئَها، فمعلِّم الناس حُسْنَ الخُلق يدعو ربَّه بذلك، فغيره أحوجُ للدعاء؛ ففي حديث عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان مما يقوله في استفتاح صلاتِه: «واهْدِني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصْرِف عني سيِّئَها، لا يصرف عني سيِّئَها إلا أنت»؛ (رواه مسلم (771).

 

واحرِصْ على الاقتداء بمَن حسُنتْ أخلاقُهم، ولا أكملَ ولا أحسنَ من خُلُق النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فاجتهد في معرفة كيف كانتْ أخلاقه، واقتدِ به.

____________________________________________
الكاتب: الشيخ أحمد الزومان

  • 7
  • 2
  • 2,955

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً