من أقوال السلف في الاستفادة من الوقت -1

منذ 2022-07-18

للسلف أقوال في الاستفادة من الوقت, يسّر الله الكريم, فجمعت بعضاً منها, أسأل الله أن ينفع بها الجميع.

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فالصحة والفراغ من أكبر نعم الله عز وجل على عبده, ومع ذلك فكثير من الناس مغبون فيهما, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ » [أخرجه البخاري]

يقول العلامة عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله: : كثير من الناس تضيع صحته بغير فائدة، وفراغه في غير فائدة، صحيح الجسم معافى في بدنه، وعنده فراغ ولكن لا يستعمل ذلك فيما ينفعه، وفيما يقربه من الله، وفيما ينفعه في الدنيا، فهذا مغبون في هاتين النعمتين. وإنما ينبغي للمؤمن أن يستغل هذه النعمة فيما يرضي الله، وفيما ينفعه، في التجارة وأنواع الكسب الحلال والاستكثار من الصوم والصلاة، والذكر والطاعات، وعيادة المرضى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله عز وجل إلى غير هذا من وجوه الخير، فالمؤمن يشغلهما بما يرضي الله وبما ينفعه في دنياه من الحلال، فإذا ترك هاتين النعمتين لم يستعملهما فيما ينفعه فقد غبن،

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: أشار بقوله: ( كثير من الناس ) إلى أن الذي يوفق لذلك قليل.

فطوبى لمن كان من القليل المغبوطين, الذين استغلوا وقتهم وصحتهم فيما يعود عليهم بالنفع في دينهم و دنياهم., وتعزيةً لمن كان من المغبونين, ممن ضاعت أوقاتهم في معصية الله, قال الحافظ ابن حجر: الدنيا مزرعة الآخرة, وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة, فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط,...ومن استعمل فراغه وصحته في معصية الله فهو المغبون.

الوقت أمانة, ينبغي على المسلم أن يستفيد منه, ولا يضيعه, ومن ضيعه ندم, جاء في المختصر في التفسير, في فوائد الآيات من سورة فاطر, [ص:438]: الوقت أمانة يجب حفظها, فمن ضيعها ندم حين لا ينفع الندم.

ومع هذا فأكثر الناس لا يعرفون قيمة الوقت, بل إن البعض يضيعه فيما لا ينفع, قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعاً عجيباً.

إن طال الليل فبحديث لا ينفع...وإن طال النهار فبالنوم.

فعلمت أن الله تعالى لم يطلع على شرف العمر ومعرفة قد أوقات العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}  [فصلت:35]

إن عدم استفادة المسلم من وقته أمر كره السلف, قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: إني لأكره أن أرى الرجل فارغاً لا في أمر دنياه, ولا في أمر آخرته.

كما ينبغي للمسلم عدم تضيع وقته الذي هو رأس ماله في لهو ولعب, قال محمد بن عبدالباقي الحنبلي رحمه الله: ما أعرف أني ضيعت ساعة من عمري, في لهو, أو لعب.

لقد كان للسلف همم عالية في الاستفادة من أوقاتهم فيما يعود عليهم وعلى غيرهم بالنفع, دخلوا على رجل من السلف, فقالوا: لعلنا شغلناك, فقال: أصدقكم كنتُ أقرأ, فتركتُ القراءة لأجلكم. ووصى بعض السلف أصحابه, فقال: إذا خرجتم من عندي فتفرقوا, لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه, ومتى اجتمعتم تحدثتم.

لقد بلغ من حرص السلف على أوقاتهم، أن قسَّموا ليلَهم إلى ثلاثة أجزاء: جزء للتصنيف، وجزء لقراءة القرآن، وجزء للنوم، وممَّن ذُكِر في سِيَرِهم أنهم يفعلون ذلك:

الإمام محمد بن محمد الحجاج، والإمام القاسم بن سلام، والإمام الشافعي، والإمام عمرو بن دينار، والحافظ جعفر الحصيري، والحافظ أبو النضر الطوسي, رحمهم الله.

 

فبون شائع, وفرق كبير, بين حالنا وحالهم, فكم تضيع أوقات الكثيرين منا في غير فائدة, قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: فكم يُضيع الآدمي من ساعات يفوته فيها الثواب الجزيل, قال صلى الله عليه وسلم:  « من قال سبحان الله العظيم وبحمده, غرست له بها نخلة في الجنة» 

فينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه, وقدر وقته, فلا يضيع منه لحظة في غير قربة

ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل, ولتكن نيته في الخير قائمة.

وقال العلامة الغثيمين رحمه الله: أعزُّ مال الإنسان عمره، والعجب أن العمر هو أرخص ما يهتم به الإنسان! فتجده يبخل بالدرهم والدينار؛ ولكنه لا يبخل بالساعات الكثيرة التي تذهب من عمره بلا فائدة، مع أن العمر أغلى، كما قال الله تعالى:  { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}   [المؤمنون: 99، 100]، ولم يقل لعلي أتَّجر فيما تركتُ حتى أربح، بل قال:  { لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}   حتى لا يضيع عليَّ بلا فائدة، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال، فإضاعة الوقت من باب أولى.

فاخرص أخي المسلم أن تكون من أولئك, وفقك الله لكل خير, وأكبر معين للمسلم على الاستفادة من وقته بعد توفيق الله جل وعلا له أن يوقن الموت سيقطعه عن العمل الصالح الذي بإمكانه الآن القيام به ما دام حياً يرزق, قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: إذا علم الإنسان...بأن الموت يقطعه عن العمل, عمل في حياته ما يدوم له أجره بعد موته...فذلك الذي لم يمت* قد مات قوم وهم في الناس أحياء.

للسلف أقوال في الاستفادة من الوقت, يسّر الله الكريم, فجمعت بعضاً منها, أسأل الله أن ينفع بها الجميع.

 

  • إضاعة الوقت من أعظم الإضاعات:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: أعظم هذه الإضاعات إضاعتان هُما أصل كل إضاعةٍ: إضاعة القلب وإضاعة الوقت.

  • إضاعة الوقت أشدّ من الموت:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: إضاعة الوقت أشد من الموت, لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة, والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها.

  • من علامة محبة الله عز وجل: التأسف لفوات الوقت في غير ذكره وطاعته:

قال الإمام الغزالي رحمه الله: علامات محبة العبد لله تعالى: أن يعظم تأسفه على فوت كل ساعة خلت عن ذكر الله تعالى, وطاعته.

  • من علامة سعادة العبد حرصه على وقته:

** قال أبو علي الحسن الجوزقاني رحمه الله: من علامات سعادة العبد مراعاته لأوقاته

** قال العلامة ابن القيم رحمه الله: ثم تبرق له بارقة أخرى, يرى في ضوئها عزة وقته, وخطره وشرفه, وأنه رأس مال سعادته, فيبخل به أن يضيعه فيما لا يقربه إلى ربه, فإن في إضاعته الخسران والحسرة والندامة, وفي حفظه وعمارته الربح والسعادة, فيشحُّ بأنفاسه أن يضيعها فيما لا ينفعه يوم معاده.

  • الذنوب والمعاصي من أسباب ضياع الوقت:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: إضاعة الوقت, ومحق البركة في الرزق والعمر, أمور تتولد من المعصية والغفلة عن ذكر الله.

  • طول الأمل من أسباب إضاعة الوقت:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: إضاعة الوقت من طول الأمل.

غفلة القلب عن ذكر الله من أسباب ضياع الوقت:

قال العلامة العثيمين رحمه الله: إذا رأيتَ من نفسك أن أوقاتك ضائعةٌ بلا فائدة، فيجب عليك أن تُلاحظ قلبك، فإن هذا لا يكون إلا من غفلة القلب عن ذِكر الله تعالى، ولو نظرتَ فيما سبَق من التاريخ كيف أنتج العلماء رحِمهم الله ما أنتجوا من المؤلفات، ومِن فطاحل العلماء الذين تخرَّجوا على أيديهم في أوقات قد تكون أقلَّ مِن الوقت الذي عِشتَه أنت، وذلك بسبب ما ملأ الله تعالى به قلوبهم من ذكره، حتى صارت أعمارُهم لا يضيع منها لحظةٌ واحدة، فعليك أن تَنتبهَ لمرض قلبك، وأن تبادر بمُداوته.

  • الاشتعال بالناس يضيع الوقت:

** قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة, والوقت النفيس.

** قال الشيخ سعد بن ناصر الشثري: كثير من الناس يُشغل وقته بالحكم على الناس, وذكر معايبهم, وقد يحصل من هذا إشكالات كثيرة, فتجد غالب وقته: فلان مبتدع, وفلان كذا فيه.

  • قرناء السوء من أسباب ضياع الوقت:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: الابتلاء بقرناء السوءِ الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت....ولهذا أوصى بعض الشيوخ، فقال: احذروا مخالطة من تُضيع مخالطته الوقت، وتفسد القلب، فإنه متى ضاع الوقت وفسد القلب، انفرطت على العبد أموره كلها، وكان ممن قال الله فيه: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } [الكهف: 28].

 

  • كثرة النوم يضيع الوقت:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: كثرة النوم يُميت القلب, ويثقل البدن, ويضيع الوقت

  • الاجتماع بالإخوان على مؤانسة الطبع من أسباب ضياع الوقت:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: الاجتماع بالإخوان قسمان: أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع وشُغل الوقت, فهذا مضرته أرجح من منفعته, وأقلُّ ما فيه أنه يفسد القلب ويُضيعُ الوقت.

  • كل آفة سببها ضياع الوقت:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: كل آفة تدخل على العبد فسببها ضياع الوقت، وفساد القلب، وتعود بضياع حظه من الله، ونقصان درجته ومنزلته عنده.

  • الغيرة على الوقت أن يذهب في غير رضى الله جل وعلا:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: غيرته تقتضي أن تكون أحواله وأعماله وأفعاله كلها لله, وكذلك يغار على أوقاته أن يذهب منها وقت في غير رضى محبوبه

  • البركة في الوقت:

قال العلامة العثيمين رحمه الله: الله تعالى قد ينزل البركة للإنسان في وقته, بحيث يفعل في الوقت القصير ما لا يفعل في الوقت الكثير ومن أعظم ما يعينك على هذا أن تستعين بالله عز وجل في جميع أفعالك وإن أعانك الله فلا تسأل عما يحصل لك من العمل والبركة فيه.

  • اغتنام الوقت في طاعة الله عز وجل:

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: كانت عين بصيرتي قوية الحدة, تتأسف على لحظة تمضي في غير طاعة, وتبادر الوقت في اغتنام الطاعات

 

** قال رجل لعبدالله بن المبارك: يا أبا عبدالرحمن: في أي شيء أجعل فضل يومي ؟ في تعلم القرآن أو في طلب العلم ؟ فقال: هل تقرأ من القرآن ما تقيم به صلاتك ؟ قال: نعم. قال: فاجعله في طلب العلم الذي يُعرف به القرآن.  

** قال الإمام ابن عقيل رحمه الله: إن خير ما قُطع به الوقت, وشُغلت به النفس, فتقرب به إلى الرب جلت عظمته, طلب علم أخرج من ظلمة الجهل إلى نورع الشرع وذلك الذي شغلت به نفسي, وقطعت به وقتي.

** قال العلامة بكر بن عبدالله أبو زيد رحمه الله: الوقت, الوقت للتحصيل, فكن حلف عمل لا حلف بطالة وبطر,...فالحفظ على الوقت بالجد والاجتهاد, وملازمة الطلب ومثافنة الأشياخ, والاشتغال بالعلم قراءة وإقراءً, ومطالعةً, وتدبراً, وحفظاً, وبحثاً, لا سيما في أوقات شرخ الشباب ومقتبل العمر, ومعدن العاقبة, فاغتنم هذه الفرصة الغالية لتنال رتب العلم العالية.

  • الاستفادة من الوقت في القراءة والبحث:

المحدث الشيخ الألباني رحمه الله، كان يذهب إلى المكتبة الظاهرية في دمشق بالشام، فيمضي فيها اثنتي عشرة ساعة، في القراءة والبحث، لا يتوقف عن ذلك إلا في أوقات الصلاة، وكان رحمه الله يتناول طعامه في المكتبة في كثير من الأحيان، حتى أن المسئولين على المكتبة وافقوا على إعطائه مفتاحاً لها، فكان يأتي لها صباحاً قبل حضور الموظفين، ويبقى في المكتبة في بعض الأحيان إلى أن يصلي العشاء.

  • استغلال الوقت يحفظ الإنسان من الغيبة:

قال الغزالي رحمه الله: البواعث على الغيبة اللعب والهزل وتزجية الوقت بالضحك.

  • 3
  • 2
  • 4,155

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً