تأملات  فى سورة الفجر

منذ 2022-08-05

إنها  آيات قصيرة لكن جمعت مصارع الجبارين فى الأرض فها هى عاد الأولى وكان مسكنهم بالأحقاف ثم يصف ملكهم فى جملة واحدة  جمعت كل مظاهر القوة و تركت العنان لخيال المتأمل

سورة تربينى

تأملات  فى سورة الفجر :

إن سورة الفجر ترسم الصراع بين الحق والباطل الذى هو سنة فى الخلق إلى قيام الساعة وتعطش المؤمنين لفجر جديد يمحو ظلام    اليأس والقنوط لكثرة الفساد والطغيان  ينتظر فيه كل صاحب حق  ليأخذ حقه ممن ظلمه فى الدنيا والاخرة تبين لنا تصورات الإنسان الخاطئة  عن الابتلاء وتبين لنا الفرق بين النفس التى غفلت عن الآخرة واطمأنت بالدنيا  وبين النفس المطمئنة بالله الراضية المستسلمة لحكمته فى كل شىء   

{﴿وَٱلۡفَجۡرِ (١ ) وَلَیَالٍ عَشۡر ٢ وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ ٣ وَٱلَّیۡلِ إِذَا یَسۡرِ ٤ هَلۡ فِی ذَ ٰلِكَ قَسَم لِّذِی حِجۡرٍ ﴾ } يقسم المولى عزوجل بالفجر وقت تنزل الملائكة بالرحمات وشهودهم أهل القرآن  والمستغفرين بالأسحار إذ يقول تعالى :" {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } " وقت يتميز بالصفاء والنقاء تصفو  فيها الروح  من أكدار الحياة وقت يتنظره كل مؤمن صادق حتى يخرج من ظلمات الفتن إلى نور الحق

" {وَلَیَالٍ عَشۡر (٢)} على قول  أكثر المفسرين أن المقصود بها هى  العشر الأول من ذي الحجة..وإطلاقها أفضل من تقيدها بشهر معين حتى يعمل المسلم ويجتهد فى كل وقت ويكون ربانيا ولا يرتبط بشهر  معين إذا انتهى ترك العبادة وانغمس فى دنياه وكأنها نهرمتجدد  يغتسل فيه من الذنوب ويجدد إيمانه  فى مواسم الخيرات كلها

{{ وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ }} .عن ابن عباس أن الوتر يوم عرفة ، لكونه التاسع ، وأن الشفع يوم النحر لكونه العاشر .. والشفع: هو الزوج‏،‏ والوتر: هو الفرد من كل شيء‏،‏ هذا الرأى قال به مجاهد وقيل أن المقصود بذلك هو الصلاة‏،‏ ومنها الصلاة الثنائية والرباعية ‏(الشفع‏)،‏ أما  صلاة المغرب وختام الصلاة في آخر الليل‏ (الوتر‏)،‏ والقسم بأيام خير  أو صلوات دليل على مكانتها  عند الله فلنعظمها  كما أنها عظيمة عند  الله عزوجل

{"وَٱلَّیۡلِ إِذَا یَسۡرِ "} تصوير الليل بأنه كائن حى يسرى فى الظلام وهى دليل على حركة الليل والنهار وتعاقبهما ليتعاقب على المسلم الحركة بالنهار للإصلاح والعمران للسكون والقيام بين يدى الرب بالخشوع والتذلل بالليل وهو مزج بين وقت الفجر وليال خصها بالعبادة والفضل وصلاة فى جوف الليل ليبين أن هذا هو زاد المؤمن فى مواجهه الابتلاء والثبات على طريق الحق .

  {" هَلۡ فِی ذَ ٰلِكَ قَسَم لِّذِی حِجۡرٍ " } استفهام تقريرى أن القسم بالأوقات والآيات الكونية هذه لا يعرف أهميتها إلا كل ذى عقل   وهو يدعو  لليقظة وإثارة الانتباه  فهذا هو التاريخ بصفحاته المفتوحة أمام أرباب العقول عظة وعبرة لهم تمنعهم من السير فى ركاب الطغاة والمتكبرين حتى لا يصيبهم ما أصاب هؤلاء الطغاة أين هم الآن؟ أين عاد قوم هود ؟هل نفعتهم قوتهم وبسط خلقهم وأين ثمود الآن ؟ بنوا بيوتا فى الصخر ولم يسكن الإيمان يوماً قلوبهم فكانت أقسى من الصخر

إذ يقول تعالى : {" أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12 "} إضافة الفعل إلى الرب وليس الإله فالرب هو الذى يربى خلقه بالنعم والبلايا لعلهم يعودون إليه   وليعلم كل صاحب حق أنه إذا كان مع الله سيكون فى حصن من الطغيان والفساد     

إنها  آيات قصيرة لكن جمعت مصارع الجبارين فى الأرض فها هى عاد الأولى وكان مسكنهم بالأحقاف ثم يصف ملكهم فى جملة واحدة  جمعت كل مظاهر القوة و تركت العنان لخيال المتأمل فى الآيات {" الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ " أ} ما  ثمود قوم صالح " وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ "كانوا يسكنون الحجر فى شمال الجزيرة العربية وقد  نحتوا فى الجبال بيوتا ومغارات للترفيه وليس للسكن  

{{ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ }} .. عن ابن عباس : الأوتاد : الجنود الذين يشدون له أمره . ويقال : كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد يعلقهم بها  وصفه القرآن هو وحاشيته  أنهم من طغوا فى البلاد   والطغيان تجاوز الحد الذى يؤدى إلى الإفساد  فى كل شىء حتى وصل التجاوز بفرعون أن يقول أنا ربكم الأعلى فلما أكثروا فى الأرض الفساد جاء ت استجابة نداءات المظلومين والمستضعفين وهى تطهير الأرض من المفسدين وأذاقهم العذاب الأليم

{{فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ}} الصب هنا توحى بالسرعة فى نزول العذاب بالمضروب  والشدة فلا يستطيع رده  الصب {سَوْطَ عَذَابٍ} كلمة سوط توحى بالتكرار والتردد على عكس السيف مرة واحدة تجهز على الحياة أما السوط فتوحى باستمرارية العذاب وتتابعه ياله من مشهد مجرد تخيله فقط شديد على النفس 

فليطمئن قلب المؤمن وينم قرير العين لأن له رباً يرى ويعلم  لا يفوته شىء ولا يخرج عن مشيئته  شىء  بالمرصاد لكل من  طغى وتجبر رب ينتصر للمظلوم   من الظالم 

{" فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)" }

هذه الآيات نزلت فى مجتمع كان يُقيًم الأشخاص بما لديهم من مال وجاه وأبناء  فجاءت هذه الآيات لتغير مقاييس المنع والعطاء عندهم تغير  نظرة الإنسان  القاصرة للابتلاء فعندما ييتلى بالنعم وسعة الرزق فى المال والولد يظن أنه على استحقاق منه وعلامة على أن الله يحبه ويختصه وعندما يبتليه بضيق فى الرزق يحسبه عقوبة و نوعاً من المذلة والمهانة    يعتبر البلاء نتيجة وثمرة لعمله  وأن يقيس الإنسان قيمته عند ربه بعرض من أعراض الدنيا لقياس خاطىء ولا يدرك أنه فى كلتا الحالتين هو فى اختبار وامتحان لصبره وإيمانه  فبسط الرزق ابتلاء وضيق الرزق  ابتلاء للعبد هل سيشكر أم يكفر بنعم الله عليه  وليس معنى المنع أنه غير راضى عن العبد فإن الله يمنع أولياءه متاع الدنيا حتى لا يفتنوا بها ولأنه يدخر لهم العطاء والنعيم الذى لا ينضب فى الآخرة فعندما يدرك الإنسان الحكمة من المنع والعطاء يصل لحقيقة الابتلاء  وأنه فى كلتا الحالتين من عند الله فيطمئن قلبه ويسكن ويتصل بالله ويضع الأمور فى ميزانها الحقيقى وتصغر الدنيا فى عينه وقد جاءت هذه الآيات بعد الحديث عن نهاية الطغيان والفساد فى الأرض ليبين لنا حقيقة التكالب على الدنيا ويصحح المقاييس فلا ننظر إلى أصحاب المعاصى على أنهم  حيزت لهم الدنيا بحزافيرها فالمؤمن الحقيقى   يعلم أنه استدراك من المولى عزوجل ولا ينخدع بالمظاهر

وقوله {"كَلَّا  بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)"}

كلا ليس الأمر كما تظنون إنما الأمر أنكم لا تؤدون حق الله فى اليتيم والمسكين فلا عطف على يتيم ولا إطعام مسكين  إنها صورة من صور التكافل الإجتماعى التى حض عليها الإسلام وذكرت فى العديد من المواضع فى القرآن منها سورة " الماعون "وسورة "الإنسان " وهذا دليل على أهمية التراحم بين الناس وكأن القرآن يضع الإنسان فى اختبار الأخلاق إما أن تنجح وإما أن تفشل  فيه فإن هلاك الأمم السابقة  بسبب   فشلها  فى الاختبار ابتلوا بالمال والجاه والسلطة ولكن لم يؤدوا حق الله فيه وطغى حب المال فى قلوبهم حتى قست وختم عليها بالكفر  فاستحقوا العذاب الأليم

وهؤلاء الذين فشلوا فى اختبار الأخلاق فلا يشفقون على يتيم ولا تؤرقهم حاجة المسكين ولا يفرقون بين حلال وحرام فى الأموال كيف بهم إذا وقفوا بين يدى المولى عزوجل يوم القيامة ؟ كيف بهم إذا دكت الأرض دكا إيذانا بانتهاء الدنيا وبداية حسابهم هل سينفع الندم وقتها ؟ وماذا يجدى وقتها إذا أفاقوا من غفلتهم ؟ إنه مشهد تخشع له الأبصار وترتعد القلوب إنه الرب الجبار يتجلى ليحكم بين الناس ويفصل بينهم وتقف الملائكة فى صفوف منتظرة الإذن  وها هى جهنم تبدوا متأهبة للفتك بالكافر

{"كَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا (21) وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا (22) وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ (23) يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ (26)" }

حينها يتذكر الإنسان الذى عبد المال ولم يكن فى قلبه الرحمة باليتيم ولا العطف على المسكين لم يدرك أن الدنيا دار بلاء واختبار يتذكر الآخرة يتذكر الحق وأنى له الذكرى فات الآوان فما عادت تنفع الذكرى فى دار الجزاء حينها يدرك أن كل ما عاشه فى الدنيا ما هو إلا تقدمة للحياة الآخرة " يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي "..فالدنيا إلى  زوال وأنه حتما راحل عنها فلا تستحق الإصرار على المعصية لا تستحق أن تقطع رحم أو تأكل مال أيتام أو... أو...  من المعاصى حتى لا تأتى يوم القيامة وقد خسرت كل شىء  لا تملك إلا الحسرة والندم 

{"فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ "}   فلا يدرى أحد ما شكل هذا العذاب فلم يحدد بصورة معينه وأطلق العنان للخيال فكم عاش هذا الظالم حراً طليقاً يحسب أن لن يقدر عليه أحد فها هو مقيد بالأغلال ذليلاً يتمنى يوما يعود إلى الدنيا ليعمل  بالحق  

وفى وسط هذا المشهد من العذاب للطغاة يتحدث مباشرة إلى النفس المطمئنة تكريماً لها ويبين  مصيرها فى الآخرة {﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30 ﴾} [الفجر: 27 - 30].

تلك النفس  التي اطمأنت إلى خالقها، اطمأنت في بسط الرزق وقبضه في المنع والعطاءأنها  ستعود إلى مستقر رحمة الله  راضية ومرضى عنها وهذا  يزيد  أهل العذاب عذاب من نوع آخر عذاب معنوى فأين المتكالبون على المال؟ أين الساخطون على الدنيا من مصير تلك النفس الراضية ؟ ! يا لهناء النفس الصابرة المحتسبة فى الدنيا عندما تسمع قول ربها أن ادخلى فى عبادى وادخلى جنتى وكأنه يقول لهم لقد نحجتم فى الامتحان يوم علمتم حقيقة الدنيا فعملتم للآخرة  سلام عليكم فادخلوها خالدين  .

  • 1
  • 0
  • 512

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً