الشباب أمل الأمة

منذ 2023-01-08

قوة الأمة في قوة شبابها، وضياع الأُمَّة في ضياع شبابها، فهو الفترة الذهبية من العمر؛ حيث القوة، والفتوة، والنشاط، والحماس، والعمل والإنتاج، ومنه اشتقت كلمة الشباب

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى، وآله وأصحابه المستكملين الشرفا، وبعد:

سأتناول في هذا المقال المختصر محاور خمسة:

أهمية الشباب، واقع الشباب، مهدِّدات الشباب، مُحفِّزات الشباب، معينات الشباب على الثبات، وبالله التوفيق.

 

أهمية الشباب، قوة الأمة في قوة شبابها، وضياع الأُمَّة في ضياع شبابها، فهو الفترة الذهبية من العمر؛ حيث القوة، والفتوة، والنشاط، والحماس، والعمل والإنتاج، ومنه اشتقت كلمة الشباب؛ لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث لهم برسائل خاصة، ويتعهَّدهم بالتوجيه والإرشاد، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم شبابًا لا نجد شيئًا، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، مَن استطاع الباءة فليتزوَّج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطِع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجاءٌ»؛ (متفق عليه) ، وقد جاء ذكر الفتوة في القرآن في موضعين: الأول في سورة الكهف، قال تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13]، والثاني في سورة الأنبياء: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 60].



واقع الشباب: الناظر إلى حال الشباب اليوم يجدهم ينقسمون إلى فئات ثلاث:

الأولى: المتساهلون، وهم القِطاع الأكبر من الشباب، ومن صفاتهم ما يلي:

• ضعف الوازع الديني، وتضييع شعائر الدين.

• الجهل، وسطحية التفكير، وسهولة الانقياد.

• اللامبالاة، وغياب الأهداف.

• انعدام الأدب، وقلة الحياء.

• الميوعة وضعف الشخصية.

• الانغماس في اللهو واللعب والرقص والغناء.

• التقليد الأعمى للسفهاء.

• التبرُّج والسفور.

•إدمان المخدِّرات، وتعاطي الممنوعات.

• مظاهر إلحاد ومعاداة للدين.

• التكتُّل في شكل عصابات بغرض إثبات القوة والرجولة.

 

الثانية: المتشدِّدون، وهم أقل من الفئة الأولى، ويتميَّزون بالآتي:

• الاهتمام بالسُّنَن الظاهرة، وإهمال أعمال القلوب؛ مما أدَّى إلى قلة الورع، وضعف التقوى، وسوء الخُلُق.

• الفهم السطحي للنصوص، والجهل المركب، والتعالُم.

• الغيرة الحمقاء، والحماس الطائش الذي فرخ التنظيمات المتشدِّدة والجماعات التكفيرية.

• التطاوُل على العلماء والطعن في دُعاة الإسلام وتبديعهم وتفسيقهم.

• التنطُّع والغلو والاستعجال في الأحكام.

• الشِّدَّة في الدعوة، والغلظة على الناس، وصدهم عن سبيل الله.

 

الثالثة: المعتدلون، وهم أقل الفئات الثلاث (تجدهم كالشامة بين الناس)، ومن صفاتهم:

• الورع الحامل على ضبط الأقوال والأفعال.

• الغيرة المرشدة، والحماس المنضبط.

• الفهم الصحيح للنصوص، والبصيرة في الدين.

• دعوة الناس بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجِدال بالتي هي أحسن.

•الأدب مع العلماء والدُّعاة، والتماس الأعذار للمجتهدين المخطئين.

• الخُلُق الجميل، والسمت الحسن.

 

المهدِّدات:

يمكن تقسيم المهدِّدات التي تساهم في انحراف الشباب إلى خارجية وداخلية.

1- الخارجية: وتتمثل في:

• الغزو الفكري عبر الفضائيات والمواقع (الأجهزة الذكية الأكثر انتشارًا وتأثيرًا)، وأكثر الشرائح تأثُّرًا بهذا الغزو المنظم هم الشباب والأطفال، والأطفال هم شباب الغد، والشباب هم رجال المستقبل، وضياعهم هو ضياع للحاضر والمستقبل.

 

• الغزو المادي وذلك باستهداف بنية الشباب وصحتهم عبر ترويج المُخدِّرات والسموم الضارَّة، وهذا الغزو يتزايد خطره مع قلة الوعي، وغياب الرقابة الرسمية، وضعف الإمكانيَّات.

 

2- الداخلية: وتتمثل في الشهوات والشبهات:

أ/ الشهوات؛ ومنها:

• فتنة النساء: عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الدنيا حلوة خضرة، وإنَّ الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتَّقوا الدنيا واتَّقوا النساء، فإنَّ أوَّل فتنة بني إسرائيل كانت في النساء»؛ (رواه مسلم) ، ولخطورة هذه الفتنة وضعت الشريعة مجموعة من الأحكام والضمانات لضبط العلاقة بين الجنسين؛ منها:

• الأمر بغض البصر: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 30، 31].

 

• فرض الحجاب: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 59].

 

• أمر النساء بالقرار في البيوت وعدم الخروج إلا لحاجة شرعية: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33].

 

• تحريم الاختلاط: عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والدخول على النساء»، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت»؛ (رواه البخاري).

 

• تحريم سفر المرأة بلا مَحْرَم: عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»؛ (متفق عليه).

 

• تحريم الخلوة بالمرأة الاجنبية: قال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ»؛ (رواه أحمد والترمذي في سننه).

 

• المنع من الخضوع بالقول: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]، وهذا أحد ضوابط الحديث بين الجنسين؛ وهي:

أ/ أن يكون الحديث عند الحاجة.

ب/ أن يكون بقدر الحاجة.

ج/ عدم الخضوع بالقول.

 

• تحريم مصافحة المرأة الأجنبية: عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خيرٌ له من أن يمسَّ امرأةً لا تحل له»؛ صحَّحه الألباني في صحيح الجامع.

 

• تحريم خروج المرأة متعطِّرة متبخرة: أخرج النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما قوله عليه الصلاة والسلام: «أيما امرأة استعطرت فمرَّت على قوم ليجدوا ريحها، فهي زانية، وكل عين زانية»؛ (ورواه الحاكم وصحَّحه).

 

من أسباب وقوع الشباب في الحب المُحرَّم، و(العشق الممنوع) التساهل في تطبيق الأحكام السابقة، وتقديم العادات على العبادات؛ لأن تعلُّق الفتى بالفتاة قد يكون عن طريق النظر (فأمر الشرع بغض البصر، والحجاب)، أو عن طريق السمع (فنهيت المرأة عن الخضوع بالقول)، أو عن طريق اللمس (فمنع الشرع الاختلاط والمصافحة)، أو عن طريق الشم (فنهيت المرأة عن التعطُّر أمام الأجانب).

 

حكم الحب: الحب هو انفعال وميل نحو المحبوب (فهو انفعال وليس فعلًا) وحكمه بحسب أثره وما يقود إليه، فإن كان مقصوده وأثره هو الزواج وتكوين أسرة فهو مشروع بل مأمور به، ويكون مُحرَّمًا إذا قاد إلى الحرام، ونتج عنه الحرام، مثل: الاستمتاع بالحديث مع فتاة (كما شاع في الجامعات وغيرها) بحديث مباشر أو عبر الوسائط المختلفة، أو الاستمناء باليد (العادة السريَّة)، أو الزِّنا، أو اللواط، أو السحاق؛ كل ذلك إذا كان من نتائج الحب فهو حرام ممنوع محظور، وقد يكون واجبًا إذا كان متعلقًا بالإيمان؛ فحُبُّ المؤمنين والمؤمنات جميعًا واجبٌ على كل مسلم؛ لأن الولاء الكامل يكون لأهل الإيمان، والبراء الكامل يكون من أهل الكفر، وقد وصف الله أهل الإيمان فقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29].

 

• فتنة الغناء: فهو يُهيِّج الشهوات، ويُثير الغرائز.

 

• تعاطي المخدِّرات والمسكرات، وقد أصبحت خطرًا على الأسرة والمجتمع والدولة.

 

• الهوس الرياضي: ومن ذلك عشق الكرة (الساحرة المستديرة في المستطيل الأخضر)، والإعجاب بالمصارعين والممثلين، والتعلُّق باللاعبين وتقديسهم.

 

• الإدمان الإلكتروني (التعامل مع الأجهزة الذكية بطريقة غبية).

 

• فتنة المال التي قادت إلى تكوين العصابات المنظَّمة، وجرائم القتل والسلب والنهب.

 

• خطر القدوات السيئة، والرفقة الفاشلة، والانبهار بالحضارة الغربية.

 

ب/ الشبهات: تعمل على زعزعة الثوابت، وخلخلة المبادئ، وتلويث الأفكار، وغسل الأدمغة ومن نتائجها:

• التبديع، والتفسيق، والتكفير، والتفجير.

• الإلحاد، وإنكار وجود الخالق.

• الطعن في الشريعة، والتطاول على أحكامها، والتشكيك في مصادرها.

• فصل الدين عن الدولة، وإقصاء الشريعة عن حياة الناس.

 

ج/ نظرة الأسرة والمجتمع: هي واحدة من المهدِّدات الداخلية؛ فهم يرون أن الطفل قاصر، والمراهق معذور، والشاب لا بُدَّ أن يطيش، وهذه نظرة تحتاج إلى مراجعة؛ لأنها تقود إلى التساهُل في العلاج، واختلاق الأعذار، وتبرير الفشل.

 

المحفِّزات: من محفزات الشباب للاستقامة ما يلي:

• الشاب المستقيم في ظل عرش الرحمن يوم القيامة: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبعةٌ يظلُّهم الله تعالى في ظلِّه، يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: إمامٌ عَدْلٌ، وشابٌّ نَشَأَ في عبادة الله، ورجلٌ معلَّقٌ قلبُه في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله؛ اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شِماله ما تُنفِق يمينُه، ورجلٌ ذَكَرَ الله خاليًا ففاضَتْ عيناه» (متفق عليه).


• مَن شَبَّ على شيء شاب عليه: ومَن شاب على شيء مات عليه؛ لذلك قال الشافعي:

وَمَن فاتَهُ التَعليمُ وَقتَ شَبابِهِ **  فَكَبِّر عَلَيهِ أَربَعًا لِوَفاتِهِ 

 

 الشباب سريع الزوال: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك»؛ أخرجه الحاكم في المستدرك، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع.

عريت من الشباب وكنت غصنًا **  كما يعرى من الورق القضيب 

بكيت على الشباب بدمع عيني **  فما أغنى البكاء ولا النحيـب 

فيا ليت الشباب يعود يومًــــــا **  فأخبره بما فعل المشيـــــب 

 

 الصحة نعمة ينبغي أن تغتنم: عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ»؛ ( رواه البخاري) (التنمية البشرية).

 

 الشباب موضع سؤال يوم القيامة: عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربِّه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه ؟ وماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم»؛ صحَّحه الألباني في السلسلة.

 

عوامل الثبات: من العوامل المعينة للشباب على الثبات ما يلي:

• تقوية الوازع الديني، وحسن الصلة بالله، والتحصُّن بالإيمان عن طريق غرس العقيدة الصحيحة في نفوس الناشئة (وصايا لقمان كفيلة بهذا الدور).

 

• الفهم السليم للدين، والتصوُّر الصحيح للاستقامة، والتسلُّح بالعلم النافع (فهم السلف خيرُ معين، والتعلُّق بالقرآن صمام الأمان).

 

• الوسطية والاعتدال، واجتناب الغلوِّ والتنطُّع.

• فهم الواقع، ومعرفة مكائد الأعداء ومصائدهم.

• التعامُل مع التكنولوجيا بوعي، واستخدام الأجهزة الذكية بطريقة ذكية.

• استقلال الشخصية، والحذر من التقليد الأعمى.

• مجالسة أهل الخير، والحرص على الرُّفقة الصالحة؛ فالإنسان ابن بيئته.

 

• قراءة سير الأنبياء والمرسلين، وتصفُّح حياة شباب الإسلام من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة، والاقتداء بهم، وجعلهم مثلًا أعلى.

 

• رقابة الأسرة، ووعي الآباء والأمهات.

• رقابة المدرسة بالمنهج التربوي، والحزم الإداري، والمعلم القدوة.

 

• رقابة الدولة والمجتمع، ويقظة ولاة الأمر وقيامهم بمسؤولياتهم، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

 

• سؤال الله عز وجل، والإلحاح عليه بطلب الهداية والاستقامة والثبات في زمن الفتن والمتغيرات؛ فهو القائل لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء: 74].

_________________________________________

الكاتب: عادل عبدالوهاب عبدالماجد

  • 0
  • 0
  • 520

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً