مشكلة الفقر

منذ 2023-06-14

حفظ الحقائق الشرعية هو حفظ للإنسان نفسه وحفظ لهذا الدين, ومن ورائه هذه الأمة, وأما إعادة قراءة النصوص الشرعية بناءً على متغيرات معاصرة وأدبيات مستوردة أو نزعات سياسية, فهو من التحريف المنهي عنه

في حوار صاخب وحماسة زائدة رفع صوته ليعلن أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فقيرا, ومن ادعى ذلك فقد كذب عليه, بل إن ربطه للحجر على بطنه لم يكن للجوع. بمثل هذا الخطاب تغيّر حقائق عمرها بعمر الزمان, حقائق أعطت للتاريخ معناه حتى يكون تاريخا تقرأه الناس, وبمثل هذا الخطاب نزع من الحقيقة معناها حتى جعلت بلا معنى, يتنازعها الناس كل إلى معناه هو, ولكن السؤال ما الدافع لمثل هذا الخطاب ؟ ظاهر الأمر أنه تنزيه للنبي صلى الله عليه عما يسوءه من الصفات, كيف يكون النبي ضعيفا ؟

ثم تأتي طائفة من فقهاء السلاطين ليجعلوا من هذا الضعف صفة يقتدي بها الناس, فيتركوا للحكام الدنيا ثم يرضون بالذلة والمهانة, وتذهب حقوقهم.

بمثل هذه الرؤية التأويلية تقحم السياسة وتجعل هي المعنى الحاكم على النصوص الشرعية, بل على حقائق التاريخ, ومعاني الإنسانية, وأي سياسة هذه السياسة التي لا يعرفها تاريخ المسلمين, فمهما قيل في جمال الأمثلة التي تذكر إلا أنها لا تمثل مذهبا وطريقة للمسلمين, وهي معاني قد انسجمت في الاجتماع الإنساني للمسلمين, وإن كانت باقية للاقتداء والامتثال على قدر المستطاع, هذه السياسة التي ذهبت بحقيقة المعاني الشرعية, هي سياسة تعظم النزعة الفردية على حساب سلوك الجماعة ووحدتها, سياسة تتجاوز المنظومة الفقهية لدى المسلمين, وهنا يظهر لنا خطورة هذا الخطاب التأويلي حيث ينشئ مساحة جديدة للدين لم تكن موجودة, مساحة تعيد بناء مفاهيمه على نسق يتوافق وأدبيات حادثة في ثقافة لم تُبنى على النصوص الشرعية وتطبيقات المسلمين العلمية.

بشرية النبي صلى الله عليه وسلم : تمثل صفات النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الصفات التي عرفها الناس, صفات أعطت للإنسان معناه الذي فقده, وجاءت لتكون النموذج الذي فقدته الدنيا, صفات جعلت للتاريخ بداية تجاوزت العيوب التي ابتدعتها أيدي الخلق في هذه الدنيا, فخرج مشرقا مبهجا يفخر بالقادم الجديد, منه بدأ التاريخ بمعناه الصادق الذي أراده الله الخالق لهذا الكون, فكان في كل شيء معنى, ففي فرحه معنى, وفي حزنه معنى, وفي رحمته وغضبه وجوعه وعطشه, أخذ من الدنيا معانيها وأعطاها معانيه هو, فأي ضعف أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم فقيرا, والفقر من مقتضيات بشريته, هو أكمل الناس ولكنه بشر تجري عليه أحوالهم, فتظهر بذلك أحسن الأحوال وأكملها, وهذا مقتضى عبوديته الكاملة لله سبحانه, فاختار أن يكون عبدا رسولا, وأن يجوع فيصبر, وأن يشبع فيشكر, فكان يأتي على أهل بيته الشهر والشهران لا يوقد له نار, نعم هو نبيّ, وهو قائد, وقاضٍ, ولكنه زوج وأب, ورجل, وقبل كل ذلك هو إنسان, تأتي إليه الإنسانية بطبعها, فترتد من عنده بطبعه هو, وبقاء هذه المعاني العظيمة حية في حياة الناس أمر مهم, فيبقي للقدوة معنى, ويبقى للحياة معنى, ويبقي للإنسانية معنى, وهذه المعاني هي جزء من ميزان التشريع ومن المعينات على حسن الامتثال في الدنيا, فأي طريق أوسع من طريق عبدته الأنبياء, ووضحت معانيه, حتى نأتي ونستدل بغيره, وأي ظلم للبشرية أكبر من ظلم يذهب بعلومهم ومعارفهم عن علوم الناس ومعارفهم, فهم الشمس للدنيا والروح لهذه الحياة, فإذا علمت أن أكثر أهل الأرض هم الفقراء وأن الفقر أحد أهم المعاني الإنسانية والذي يمثل منطلقا لكثير من الأقوال والأعمال والأفكار, علمت بعد ذلك أهمية القدوة الحسنة في هذا الباب.

مشكلة الفقر :

مشكلة الفقر هي إحدى مشاكل الإنسان, وهي في أصلها طبيعية كطبيعة الإنسان نفسه, تنشأ معه في حياته, يغذيها سلوكه وعمله الصحيح والخطأ, وهي كذلك قَدرٌ يجريه الله سبحانه على عباده, قال تعالى :” {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} ”(الزمر, الآية 62), وقال سبحانه :” { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} ”( الزخرف, الآية 32). أما النوع الأول وهو الناشئ عن عمل الإنسان؛ الحسن منه والسيئ, فيعالج كما تعالج سائر شؤونه, وهذا وإن كان للشرع فيه مدخل مهم من حيث حثه على كثير من التدابير ذات البعد الاقتصادي فضلا عن منظومته الاخلاقية التي تحث على مكارم الاخلاق ومحاسن الأعمال, ومع هذا فإن في حياة الناس أنواع من التدابير الناشئة عن نظم اقتصادية وسياسات تحتاج إلى حلول من جنسها, فحالنا اليوم مع هذه التدابير وأنواعها كحال الجسد مع الدواء, فعندما كانت أجسادنا تنبت بطريقة طبيعية كانت تعالج بطريقة بسيطة, فلما كانت تنبت في أرضها ولها خصائصها, كان دواؤها من الأرض , فكذلك الفقر الناشئ عن تدابير اقتصادية تحتاج إلى علاج يتوافق معها, فإن الاقتصاد اليوم له مدارس ومؤسسات تؤثر فيه, فكما تصنع المشاكل تصنع الحلول, وثمة نوع من الفقر والسلوك تحتاج إلى وعظ وتذكير, فالفقر والغنى أقدار تجري على الناس, وفي النفوس آفات وآفات تحتاج إلى تذكير.

وفي الختام؛ فإن حفظ الحقائق الشرعية هو حفظ للإنسان نفسه وحفظ لهذا الدين, ومن ورائه هذه الأمة, وأما إعادة قراءة النصوص الشرعية بناءً على متغيرات معاصرة وأدبيات مستوردة أو نزعات سياسية, فهو من التحريف المنهي عنه خصوصا إذا خرج مخرج التدين, وألبس لبوس الدين.

عصر محمد ذيب النصر

حاصل على دكتوراة في الحديث الشريف وعلومه

  • 2
  • 0
  • 395

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً