داء التسويف

منذ 20 ساعة

كم من أحلامٍ عظيمةٍ وُئِدت في مهدها، وكم من فرصٍ سانحةٍ طارت في مهبّ الريح، لا لشيءٍ إلا لأن أصحابها قالوا: "غدًا نفعل!"

 

كم من أحلامٍ عظيمةٍ وُئِدت في مهدها، وكم من فرصٍ سانحةٍ طارت في مهبّ الريح، لا لشيءٍ إلا لأن أصحابها قالوا: "غدًا نفعل!"، فأفلت الغد، وتبخَّر الأمل، ولم يبقَ إلا الحسرة والندم! إن التسويف ليس مجرَّد تأجيلٍ، بل هو سارقٌ ماكرٌ يتسلَّل خِلسةً، يلبس لكلّ امرئٍ لبوسه، فيوهم العالم أن مزيدًا من البحث خير، ويُطمئن العاصي بأن الوقت لا يزال أمامه، ويُزيِّن للمتردد أن الانتظار حكمة! حتى إذا استيقظوا من غفلتهم، وجدوا أن الأيام قد انقضت، وأنهم باتوا ضحايا وهمٍ كبيرٍ اسمه "سوف" و"لعلَّ" و"حين تحين اللحظة المناسبة"!

فكم من رجلٍ نوى أن يكون عالمًا، وأضمر في صدره أنه سيُبحر في بحور المعرفة، لكنه كلما أراد الشروع قال: "غدًا أبدأ"، ثم ينقضي غده ولم يتحرك، فيؤجِّل إلى الشهر المقبل، ثم إلى العام الجديد، ثم إلى زمنٍ غير معلوم، حتى يدركه المشيب وهو لا يزال يردِّد وعوده الفارغة لنفسه! وكم من شابٍّ قرَّر أن يترك المعصية، وعاهد الله على التوبة، ثم ما لبث أن همس له شيطانه: "ما زال في العمر متَّسع، فتمتَّع قليلًا ثم تُصلح أمرك"، فلا هو تاب، ولا هو ذاق لذَّة الطاعة، حتى إذا حضره الموت تذكَّر عهده الذي نقضه وقال كما قال غيره من الغافلين {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} (المؤمنون: 99-100)، ولكن هيهات!

مظاهر التسويف: تردُّدٌ بعد يقين

إن للتسويف وجوهًا كثيرة، قد يتخفَّى تحت ستار الانشغال، أو يُغلَّف برداء الحكمة والتأنِّي، لكنه في حقيقته مرضٌ خفيٌّ يتسلَّل إلى النفوس، فلا يُدركه المرء إلا وقد استحكم فيه. فمن صُوَر التسويف التي يكثر وقوعها بين الناس:

  • في العبادة والطاعة: ترى الرجل يسمع الموعظة، فيتأثَّر، ويُقرِّر أن يلتزم بالصلاة في وقتها، أو يحافظ على وردٍ من القرآن، أو يُقلع عن معصيةٍ اعتادها، لكنه يقول: "غدًا أبدأ"، ويؤجِّل الطاعة يومًا بعد يوم، حتى تمر الأعوام وهو لا يزال في غفلته. وقد جاء التحذير النبوي واضحًا جليًّا حين قال ﷺ: «(بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنىً مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشرُّ غائبٍ يُنتظر، أو الساعةَ فالساعةُ أدهى وأمرُّ» [رواه الترمذي] .
  • التسويف في التوبة: هو الوهم القاتل الذي يُخدِّر الضمير، ويُغري الإنسان ببحر الأماني حتى يغرق فيه، وهو السهم المسموم الذي يرمي به الشيطان قلب العبد ليؤجِّل يقظة قلبه من يومٍ إلى يوم، ومن شهرٍ إلى شهر، حتى يفاجئه الموت وهو لا يزال في غمرة غفلته، يُمنِّي نفسه بعمرٍ أطول، ووقتٍ أوسع، وغدٍ قد لا يأتي أبدًا! فكم من مُذنبٍ علم أنه على خطأ، وكم من غافلٍ أيقن في قرارة نفسه أن طريقه موصلٌ إلى الهلاك، لكنه بدلاً من أن يعود إلى الله، استسلم لهمس الشيطان الذي يُزيِّن له التأجيل، فيُحدِّث نفسه بأنه لن يستمر على هذا الحال طويلًا، وأنه سيتوب يومًا ما، لكنه يومٌ يتأخر حتى يتحول إلى سراب، وتمرُّ السنون وهو لا يزال على حاله، حتى يُؤخَذ على حين غِرَّة، فيصرخ كما صرخ الذين سبقوه: {﴿رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾} (المؤمنون: 99-100)، ولكن هيهات! إن الموت لا يُؤجِّل، والفرصة إذا ضاعت لا تعود! وما يُدرينا؟ لعل هذا اليوم الذي نعيشه هو آخر فرصة، ولعل هذه الساعة هي خاتمة العمر، فهل يليق بالعاقل أن يُسوِّف توبته، وهو يعلم أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مُسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مُسيء الليل، ولكن سيأتي يومٌ يُغلق فيه باب التوبة، فلا يُقبل ندم، ولا يُسمع اعتذار، كما قال تعالى: {﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾} (النساء: 18)، فأي غفلةٍ أعظم من غفلة من يرى المقابر تُفتح كل يومٍ لغيره، ويظن أن بابها لن يُفتح له قريبًا؟ وأي حماقةٍ أشد من حماقة من يُؤجِّل الرجوع إلى الله عز وجل، وهو لا يعلم متى يُؤمر ملك الموت بقبض روحه؟ إن الفرار من التسويف في التوبة لا يكون إلا باليقظة القلبية، وإدراك أن كل نفسٍ نتنفسه هو فرصةٌ عظيمةٌ قد تكون الأخيرة، فطوبى لمن لم يُؤجِّل، ولم ينتظر، بل سارع إلى الله، ورمى بنفسه في أحضان رحمته، قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه الندم، ولا يُجدي فيه البكاء!
  • في طلب العلم: تجد الطالب يُسوِّف مذاكرته حتى تحلَّ ليلة الامتحان، فيجد نفسه أمام ورقةٍ بيضاء وعقلٍ فارغٍ لم يتزوَّد بالعلم، وتجد المثقَّف يؤجِّل قراءة الكتب النافعة حتى يجد "الوقت المناسب"، وما درى أن الوقت المناسب لا يأتي لمن ينتظره، وإنما لمن يسعى إليه! وكم من كاتبٍ قال: "سأكتب كتابًا"، ثم ظلَّ يقولها دهرًا، ولم يكتب سطرًا، حتى ماتت الفكرة في رأسه كما تموت الزهرة التي لم تُسقَ!

إن التسويف في تحصيل العلم هو القيد الخفي الذي يُكبِّل العقول، وهو السمُّ البطيء الذي يتسلل إلى النفس دون أن يشعر به صاحبه، حتى يجد نفسه قد أضاع عمره في سراب الأماني، وسجّل اسمه في قائمة المُغترِّين الذين ظنوا أن الأيام ستنتظرهم حتى يتهيَّؤوا للبدء، وما دروا أن الزمن لا يعبأ بالمتكاسلين، وأن الفرص التي تُؤجَّل لا تعود! ترى أحدهم يُبهره نور المعرفة، وتستهويه لذّة الاطلاع، فيعقد العزم على السير في دروب العلم، ولكنه سرعان ما يقع فريسةً لتسويفٍ قاتلٍ يُجمِّل له التأجيل بحُججٍ زائفة، فيوهمه أن الغد أكثر ملاءمة، وأن البداية القوية تستلزم انتظار الوقت المثالي، حتى تمضي الأيام وهو يراوح مكانه، يكتفي بجمع الكتب لا بقراءتها، ويُحدِّث نفسه عن رغبته في العلم لا عن سعيه إليه، ويمضي في تسويفه حتى يُفاجأ بأن العمر قد انقضى، وأن الغد الذي كان ينتظره قد جاء وذهب، دون أن يخطو خطوةً واحدةً نحو هدفه! والعجب أن المسوِّف يُدرك في قرارة نفسه خطورة ما يفعل، لكنه يُخدِّر ضميره بوعودٍ كاذبةٍ بأن الفرصة لم تضع بعد، وهو لا يعلم أن التسويف لا يُنتج إلا المزيد من التسويف، وأن من لم يبدأ اليوم، فلن يبدأ غدًا، ومن لم يُدرك أن العلم لا يُنال بالأمنيات، فلن يجني إلا الحسرة حين يرى أقرانه قد سبقوه، وهو لا يزال واقفًا عند عتبة البداية، ينتظر "الظرف المناسب" الذي لن يأتي أبدًا! ولو تأمل المسوِّف في سِيَر العلماء، لرأى كيف كانوا يغتنمون كل لحظةٍ في سبيل العلم، إن العلاج الوحيد لهذا الداء هو البدء الفوري، وعدم انتظار الظروف المثالية، فالوقت الذي تملكه الآن هو أثمن ما لديك، وإن لم تستثمره اليوم، ستندم عليه غدًا، حين ترى أن التأجيل لم يكن إلا وهْمًا خدّاعًا، وأن "الوقت المناسب" لم يكن إلا كذبةً كبَّل بها الشيطان كلَّ من خاف أن يُخطو الخطوة الأولى!

  • في العمل وكسب المعيشة: يُؤجِّل التاجر مشروعه حتى تضيع الفرصة، ويُرجئ الموظف إنجاز عمله حتى تتراكم عليه المسؤوليات، ويُسوِّف المزارع حرث أرضه حتى يفوته موسم الزرع، فلا يحصد إلا الحسرة!

أسباب التسويف: الوهم القاتل!

وإذا بحثنا عن أسباب التسويف، وجدنا أنها تنبع من داخل النفس، فهي ليست مجرد عارضٍ خارجيٍّ، وإنما هي نتيجةٌ لتصوّراتٍ خاطئةٍ يحملها الإنسان عن الوقت، والفرص، والقدرة على الإنجاز، ومن أبرز هذه الأسباب:

  • طول الأمل: وهو الذي يجعل الإنسان يظن أن العمر طويل، وأن الأيام لن تفوته، فيقول: "ما زلت شابًّا، أمامي عمرٌ طويل"، وما يدري لعلَّه لا يُكمل يومه! وقد قال الله تعالى محذِّرًا من هذا الوهم: {﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾} (الحجر: 3).
  • الوهم بأن الوقت كافٍ: كثيرٌ من الناس يؤجِّل الأعمال لأنه يظن أن الأيام بين يديه، فإذا به يستيقظ يومًا ليجد أن العمر قد انقضى، والوقت قد نفد، ولا مجال للتعويض!
  • الكسل والتهاون: وهو داءٌ استعاذ منه النبي ﷺ فقال: « (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل)» والكَسُول لا يُنجز شيئًا، ولا يبني مجدًا، وإنما يقضي حياته في التسويف والتمنِّي، حتى يُصبح من أهل "سوف" فإياك والتسويف، فإنك بيومك، ولست بغدك، فإن يكن لك غدٌ، فكن في غدٍ كما كنت في اليوم، وإلا يكن لك غدٌ، لم تندم على ما فرَّطت في اليوم.
  • ضعف العزيمة: فالمُتردد يُؤجِّل الأمور حتى تضيع منه، بينما صاحب العزيمة يُباشر العمل دون تأخير، وقد قيل: "أشد الناس فقرًا من ضاع عمره في الأماني".

علاج التسويف: هبَّةٌ لا تعرف التأجيل!

إن التخلص من التسويف يحتاج إلى عزمٍ صادقٍ، واستراتيجيةٍ عمليةٍ، ومنهجٍ مستمدٍّ من هدي النبوة، ومن التجارب الحياتية الناجحة، ومن أقوى الأساليب التي تُعين على القضاء على هذه الآفة:

  1. استشعار قيمة الوقت: فالوقت هو رأس مال الإنسان الحقيقي، وهو أغلى من المال، وأعظم من الممتلكات، وقد أقسم الله به في غير موضعٍ من كتابه، فقال: {﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾}
  2. البدء الفوري وعدم التأجيل: فكل لحظةٍ تؤخِّر فيها عملك، أنت تخسرها للأبد، ولا تؤخِّر عمل اليوم إلى الغد، فإنك إن تفعل ذلك لم تنجز شيئًا.
  3. الاستعانة بالله والدعاء: فإن من استعان بربه أعانه، ومن طلب منه التوفيق وفقه.
  4. وضع خطةٍ وجدولٍ زمنيٍّ للأعمال بحيث لا يتراكم العمل، بل يُنجَز على مراحل، ويُقسم إلى مهام صغيرةٍ تُسهِّل الإنجاز.
  5. مرافقة أهل العزيمة، والابتعاد عن المُسوِّفين، فإن النفس تتأثر بالمحيط، فإن صحبت أهل الجدِّ اجتهدت، وإن صحبت أهل الكسل ضعفت.
  6. التأمل في عواقب التسويف: فلينظر المسوِّف إلى من سبقه، وليتعظ بمن أضاعوا أعمارهم في التسويف، وليعلم أن "سوف" و"لعلِّي" لا تبني مجدًا، ولا تُحقِّق نجاحًا!

العمر لحظة… فكن فيها عظيمًا!

إن العمر يمضي سريعًا، والوقت لا ينتظر أحدًا، فلا تكن من أولئك الذين يُودِّعون الحياة بأحلامٍ لم تُنجَز، بل انهض الآن، وافعل ما يجب فعله، قبل أن يأتي يومٌ تقول فيه: يا ليتني قدمت لحياتي!

إن التسويف ليس فقط تأجيلٍ للأعمال، بل هو سرقةٌ للآمال، وقتلٌ للفرص، وإهدارٌ للعمر في انتظار غدٍ قد لا يأتي! فلتكن هذه اللحظة هي نقطة التحول، ولتكن هذه الكلمات ناقوسًا يوقظك من غفلة التردد والكسل، فالعمر لحظة، والفرصة تمضي، والندم لا يُعيد ما فات! انهض الآن، وشمِّر عن ساعديك، وابدأ السير نحو ما ترجوه، فالعظماء لم ينتظروا الوقت المناسب، بل صنعوه، ولم يؤجلوا الإنجاز، بل بدأوا، فانطلق، وقل لنفسك من هذه الساعة: "لا تسويف بعد اليوم!"

 

  • 0
  • 0
  • 207

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً