تأملات في آية الكسوف الشمسي الكامل

منذ حوالي ساعة

يحدث الكسوف الشمسي الكامل عندما يتوسط القمر بين الأرض والشمس، محجبًا ضوء الشمس بشكل كامل.

يحدث الكسوف الشمسي الكامل عندما يتوسط القمر بين الأرض والشمس، محجبًا ضوء الشمس بشكل كامل. وما يجعل هذه الظاهرة مثيرة للاهتمام هو حقيقة أن حجم الشمس أكبر بكثير من حجم القمر، ولكن بسبب المسافات الفاصلة بين الأرض والشمس والقمر، يظهر القرصان – القمر والشمس – في لحظة الكسوف الكلّي متقاربين في الحجم الظاهري في السماء، على نحو يسمح للقمر بحجب قرص الشمس تمامًا.

وما يستحق التفكر هنا هو التناسب المُلفت بين الأحجام والمسافات. فقطر الشمس أكبر من قطر القمر بنحو ٤٠٠ ضعف تقريبًا، وفي الوقت ذاته تكون المسافة بين الأرض والشمس أكبر من المسافة بين الأرض والقمر بنسبة قريبة من هذا المقدار نفسه في الحالات التي يبلغ فيها القطران الزاويان درجة التماس؛ أي عند مشارف الحدّ الفاصل بين الكسوف الحلقي والكسوف الكلي. وهذا التقارب الشديد بين النسبتين في تلك اللحظة هو ما يتيح تساوي القطرين الظاهريين، ومن ثَمَّ يُمكّن الباحثين من استغلال هذه الظاهرة في الاكتشافات العلمية المتنوعة المذكورة أدناه.

ومن البيّن أن هذا التوافق في الأحجام والمسافات ليس وليد المصادفة العمياء؛ فالتراكيب المغايرة الممكنة بين أحجام الأجرام ومسافاتها – إذا نُظر إليها هندسيًا – لا حصر لها، ومعظمها لا يسمح بظهور كسوف كلي صالح للرصد العلمي. أمّا هذا التوافق القائم، بما فيه من قابلية لإظهار تفاصيل الهالة الشمسية والنجوم القريبة من قرص الشمس، فليس إلا دليلًا على القصد والتقدير من قبل الخالق سبحانه وتعالى، وتسخيره لظواهر الكون للإنسان كما سنرى في الفقرة التالية.

---

ضبط النِّسب كتجلٍّ للتسخير الإلهي في خدمة الإنسان

فوائد الكسوف الكلي للحضارة الإنسانية

إن الكسوف الكلي للشمس كان – ولا يزال – بابًا مهمًا في تقدم المعرفة العلمية، إذ يوفر فرصًا فريدة لرصد ظواهر سماوية يحجبها ضوء الشمس في الأحوال العادية. وقد أسهم هذا الحدث النادر في تراكم معارف نظرية وعملية، كان لها أثر بالغ في تطور علوم الفيزياء والفلك. وفيما يلي أبرز هذه الإسهامات:

1- التحقق من العلوم النظرية كانت إحدى أهم مساهمات الكسوف الشمسي الكلي في العلوم النظرية هي التحقق التجريبي من النظرية النسبية العامة لأينشتاين خلال كسوف عام 1919، حيث أظهرت القياسات انحناء الضوء بفعل جاذبية الشمس، وهو تنبؤ محوري للنظرية. وقد غيّرت هذه النتيجة بصورة جوهرية فهمنا لبنية المكان والزمان وتعاملنا مع مفهوم الجاذبية.

2- اكتشافات في الفيزياء الفلكية أدّى الكسوف الكلي دورًا أساسيًا في تقدم الفيزياء الفلكية، وبخاصة في دراسة الهالة الشمسية. ففي كسوف عام 1868 رُصد خط أصفر فريد في الطيف الشمسي، قاد إلى اكتشاف عنصر الهيليوم قبل اكتشافه على الأرض. وكان لهذا الاكتشاف أثر بالغ في فهم تركيب الشمس والنجوم.

3- إسهامات في الميكانيكا السماوية وقياس الزمن استُخدمت أحداث الكسوف تاريخيًا كمعالم زمنية ثابتة لتحسين الجداول الفلكية، وضبط التقويمين الشمسي والقمري، وفهم حركة الأجرام السماوية بدقة أكبر. وقد أسهمت هذه الأحداث في التوفيق بين الحسابات الزمنية المختلفة، وفي بناء تصور أدق لدورة الأرض والقمر.

قال تعالى: {﴿هُوَ الَّذي جَعَلَ الشَّمسَ ضِياءً وَالقَمَرَ نورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعلَموا عَدَدَ السِّنينَ وَالحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَعلَمونَ﴾} [يونس: ٥]

وهكذا نرى أنه من خلال عدسة الكسوف الكلي أمكن للإنسان أن يتعرّف إلى القوانين الدقيقة التي تحكم حركة الأجرام السماوية، وأن يستكشف طبيعة الضوء والجاذبية، وأن يُحسّن تقاويمه ويضبط حساباته الزمنية. فهذه الظاهرة لم تُقدّم معارف نظرية فحسب، بل كانت بابًا لتطبيقات علمية متعددة، وكل ذلك يدخل في سياق تسخير الله الكون للإنسان، وتعليمه من دلائل الآيات في الآفاق.

والله أعلم.

أحمد كمال قاسم

كاتب إسلامي

  • 0
  • 0
  • 1

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً