ضرر الجدال

منذ يوم

الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالغوا في الإثبات ليتقرر في أنفس العوام وجود الخالق؛ فإن النفوس تأنس بالإثبات؛ فإذا سمع العامي ما يوجب النفي. طرد عن قلبه الإثبات، فكان أعظم ضرر عليه

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله في صيد الخاطر:

من أضر الأشياء على العوام كلام المتأولين، والنفاة للصفات والإضافات.
فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالغوا في الإثبات ليتقرر في أنفس العوام وجود الخالق؛ فإن النفوس تأنس بالإثبات؛ فإذا سمع العامي ما يوجب النفي. طرد عن قلبه الإثبات، فكان أعظم ضرر عليه، وكان هذا المنزه من العلماء على زعمه، مقاوماً لإثبات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالمحو، وشارعاً في إبطال ما يفتون به.
وبيان هذا أن الله تعالى أخر باستوائه على العرش، فأنست النفوس إلى إثبات الإله ووجوده، قال تعالى: " وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ " وقال تعالى: " بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتَانِ " وقال: " غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ " ، " رَضيَ اللَّهُ عنهم " وأخبر الرسول أن ينزل إلى السماء الدنيا وقال: قلوب العباد بين إصبعين وقال: وكتب التوراة بيده، وكتب كتاباً فهو عنده فوق العرش، إلى غير ذلك مما يطول ذكره.
فإذا امتلأ العامي والصبي من الإثبات، وكاد يأنس من الأوصاف بما يفهمه الحس؛ قيل له: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " فمحا من قلبه ما نقشه الخيال، وتبقى ألفاظ الإثبات متمكنة.
ولهذا أقر الشرع مثل هذا، فسمع منشداً يقول: وفوق العرش رب العالمينا، فضحك.
وقال له آخر: أويضحك ربنا ؟ فقال: نعم، وقال: إنه على عرشه هكذا، كل هذا ليقرر الإثبات في النفوس.
وأكثر الخلق لا يعرفون الإثبات إلا على ما يعلمون من الشاهد، فيقنع منهم بذلك إلى أن يفهموا التنزيه.
فأما إذا ابتدأنا بالعامي الفارغ من فهم الإثبات، فقلنا: ليس في السماء، ولا على العرش، ولا يوصف بيد، وكلامه صفة قائمة بذاته، وليس عندنا منه شيء، ولا يتصور نزوله، انمحى من قلبه تعظيم المصحف، ولم يتحقق في سره إثبات إله.
وهذه جناية عظيمة على الأنبياء، توجب نقض ما تعبوا في بيانه، ولا يجوز لعالم أن يأتي إلى عقيدة عامي قد أنس بالإثبات فيهوشها، فإنه يفسده ويصعب صلاحه.
فأما العالم فإنا قد أمناه لأنه لا يخفى عليه استحالة تجدد صفة الله تعالى، وأنه لا يجوز أن يكون استوى كما يعلم، ولا يجوز أن يكون محمولاً، ولا أن يوصف بملاصقة ومس، ولا أن ينتقل.
ولا يخفى عليه أن المراد بتقليب القلوب بين أصبعين الإعلام بالتحكم في القلوب فإن ما يدبره الإنسان بين أصبعين هو متحكم فيه إلى الغالية.
ولا يحتاج إلى تأويل من قال: الإصبع الأثر الحسن، فالقلوب بين أثرين من آثار الربوبية، وهما: الإقامة، والإزاغة.
ولا إلى تأويل من قال: يداه نعمتاه، لأنه إذا فهم أن المقصود الإثبات. وقد حدثنا بما نعقل. وضربت لنا الأمثال بما نعلم، وقد ثبت عندنا بالأصل المقطوع به أنه لا يجوز عليه ما يعرفه الحس، علمنا المقصود بذكر ذلك.
وأصلح ما نقول للعوام: أمروا هذه الأشياء كما جاءت، ولا تتعرضوا لتأويلها، وكل ذلك يقصد به حفظ الإثبات، وهذا الذي قصده السلف.
وكان أحمد يمنع من أن يقال: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، كل ذلك ليحمل على الاتباع، وتبقى ألفاظ الإثبات على حالها.
وأجهل الناس من جاء إلى ما قصد النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه، فأضعف في النفوس قوي التعظيم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو يشير إلى المصحف.
ومنع الشافعي أن يحمله المحدث بعلاقته تعظيماً له.
فإذا جاء متحذلق فقال: الكلام صفة قائمة بذات المتكلم، فمعنى قوله هذا أن ما ههنا شيء يحترم، فهذا قد ضاد بما أتى به مقصود الشرع.
وينبغي أن يفهم أوضاع الشرع ومقاصد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد منعوا من كشف ما قد قنع الشرع، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلام في القدر ونهى عن الاختلاف، لأن هذه الأشياء تخرج إلى ما يؤذي.

فإن الباحث عن القدر إذا بلغ فهمه إلى أن يقول: قضى وعاقب، تزلزل إيمانه بالعدل.
وإن قال: لم يقدر ولم يقض تزلزل إيمانه بالقدرة، والملك، فكان الأولى ترك الخوض في هذه الأشياء.
ولعل قائلاً يقول: هذا منع لنا عن الاطلاع على الحقائق، وأمر بالوقوف مع التقليد.
فأقول: لا، إنما أعلمك أن المراد منك الإيمان بالجمل، وما أمرت بالتنقير لمعرفة الكنه مع أن قوى فهمك تعجز عن إدراك الحقائق.
فإن الخليل عليه الصلاة والسلام قال: أرني كيف تحيي، فأراه ميتاً حيي، ولم يره كيف أحياه، لأن قواه تعجز عن إدراك ذلك.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي بعث ليبين للناس ما نزل إليهم، يقنع من الناس بنفس الإقرار واعتقاد الجمل.
وكذلك كانت الصحابة، فما نقل عنهم أنهم تكلموا في تلاوة ومتلو، وقراءة ومقروء ولا أنهم قالوا استوى بمعنى استولى ويتنزل بمعنى يرحم.
بل قنعوا بإثبات الجمل التي تثبت التعظيم عند النفوس، وكفوا كف الخيال بقوله: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " .
ثم هذا منكر ونكير إنما يسألان عن الأصول المجملة فيقولان: من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟.
ومن فهم هذا الفصل سلم من تشبيه المجسمة، وتعطيل المعطلة، ووقف على جادة السلف الأول، والله الموفق.

  • 1
  • 0
  • 85

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً