رواء المدينة المنوّرة...(الحلقة الثامنة)
يا له من رحيل تئن من وداعه نفوس الزائرين (الحلقة الثامنة)
هممنا بالرحيل مودِّعين مدينةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، على أمل العود ومأمول تكرار الزيارة؛ وكيف لمودِّعٍ مُحبّ، أيًّا كانت جنسيته، ومهما تعاظمت مظاهر العمران المادي في موطنه الأصلي، ألا يشتاق إلى استطالة المكث، أو يؤمِّل الرجوع كرةً بعد كرة؟
ركبنا الحافلة على مضضٍ، يخفف من وطأته الشوقُ إلى الوجهة المقبلة؛ تلكم مكةُ البكِّ، العامرةُ الظاهرة، المرفوعةُ المنزلة ببيتها العتيق، مهوى القلوب، وعشقَ الأفئدة المنيبة المخبتة لرب هذا البيت، مشرِّفه ورافع قدره منذ أول الخليقة إلى يوم الناس هذا.
ركبنا الحافلة نسمع لأقدامنا على مدرج بوابة ولوجها وقعا شجيا، متأبطين ثوبًا قد برئت ذمته من محدثة المخيط وموضة الفصالة، وكانت وجهتنا القريبة وفق منسك العمرة الوقوف عند ميقاتُ إحرام أهل المدينة، أو ما صار يُطلق عليه «أبيار علي». وللتسمية قصةٌ مفادها –على غير ما يظنه كثيرون– أن ميقات ذي الحليفة سُمِّي «آبار علي» نسبةً إلى السلطان الصالح علي بن دينار، والي دارفور، الذي قام بحفر الآبار وتجديد المسجد سنة 1898م، تلبيةً لحاجة الحجاج إلى الماء والطعام، لا نسبةً كما يتوهم وتوهمنا لأول وهلة إلى الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
أما اسم «ذي الحليفة» الأصلي، فمرده إلى كثرة نبات الحَلْفاء (تصغير الحُلاف) في تلك البقعة، وتلك طبيعة الأسماء تظل قوالب معانٍ، فلطالما أحالت على الأعيان والمنقولات، وذلك ضربها كذلك مع صنعة النحاة فإن الحال بيان لمستبهم هيئة على التحديد والتمييز توضيح لمستبهم ذات على التعيين، والنعت وصف مقيد أو صفة كاشفة وهكذا...
لقد ظننتُ، تحت وطأة إرهاصات الزيارة الأولى، أن ميقاتَ أهل المدينة بعيدٌ عنها، قريبٌ من مكة؛ فما خطر على بالي، ولا تخيلتُ –والحافلة طافقة تسير بسرعةٍ تناسب شوق الراكبين إلى خوض تجربة التدثُّر بذلك الثوب الفاقع البياض، بعد التجرّد من كل لباسٍ يدخل في جنس المخيط– أن منطقة أبيار علي لا تبعد عن المدينة المنورة إلا نحو عشرة كيلومترات، قد تزيد في أقصاها لتبلغ أربعة عشر كيلومترًا بحسب بُعد نقطة الانطلاق من المدينة.
وفعلًا، ما هي إلا دقائق معدودات حتى تراءت لنا جُمَّرةٌ من المُحرِمين، كأنها أسرابُ حمامٍ زاجلٍ شديدِ البياض، تهمّ بالرحيل بعد أن صلّت ركعتين، في لباسها القشيب، ووضعها التعبُّديِّ الحادث…
يتبع
محمد بوقنطار
محمد بوقنطار من مواليد مدينة سلا سنة 1971 خريج كلية الحقوق للموسم الدراسي 96 ـ97 الآن مشرف على قسم اللغة العربية بمجموعة مدارس خصوصية تسمى الأقصى.
- التصنيف: